الحكم الرابع عشر : في خطبة النساء
قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم فى أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } وفي مسائل :
المسألة الأولى : التعريض في اللغة ضد التصريح ، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا :
وحسبك بالتسليم مني تقاضيا *** . . .
والتعريض قد يسمى تلويحا لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه ، كقولك : فلان طويل النجاد ، كثير الرماد ، والتعريض أن تذكر كلاما يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك ، وأما الخطبة فقال الفراء : الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك : أنه لحسن القعدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول : أن الخطب هو الأمر ، والشأن يقال : ما خطبك ، أي ما شأنك ، فقولهم : خطب فلان فلانة ، أي سألها أمرا وشأنا في نفسها الثاني : أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام ، يقال : خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح ، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب : الأمر العظيم ، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير .
المسألة الثانية : النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام أحدها : التي تجوز خطبتها تعريضا وتصريحا وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها ، بل يستثنى عنه صورة واحدة ، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه » ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقا لكن فيه ثلاثة أحوال .
الحالة الأولى : إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحا ههنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث .
الحالة الثانية : إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن يخطبها .
الحالة الثالثة : إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا قولان أحدهما : أنه يجوز للغير خطبتها ، لأن السكوت لا يدل على الرضا والثاني : وهو القديم وقول مالك : أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضا على الكراهة ، فربما كانت الرغبة حاصلة من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة .
القسم الثاني : التي لا تجوز خطبتها لا تصريحا ولا تعريضا ، وهي ما إذا كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سببا لتشويش الأمر على زوجها من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية حقوق الزوج ، والتسبب إلى هذا حرام ، وكذا الرجعة فإنها في حكم المنكوحة ، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها ، وتعتد منه عدة الوفاة ، ويتوارثان .
القسم الثالث : أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية وهي أيضا على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا تصريحا ، أما جواز التعريض فلقوله تعالى : { لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها ، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك الآية ، أما أنه لا يجوز التصريح ، فقال الشافعي : لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه ، ثم المعنى يؤكد ذلك ، وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح ، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك إلى الكذب .
القسم الثاني : المعتدة عن الطلاق الثلاث ، قال الشافعي رحمه الله في «الأم » : ولا أحب التعريض لخطبتها ، وقال في «القديم » و «الإملاء » : يجوز لأنها ليست في النكاح ، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها تنقضي بالأشهر أما ههنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن تنقضي .
القسم الثالث : البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها ، وهي المختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فههنا لزوجها التعريض والتصريح ؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما : يحل كالمتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والثاني : وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية .
المسألة الثالثة : قال الشافعي : والتعريض كثير ، وهو كقوله : رب راغب فيك ، أو من يجد مثلك ؟ أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني ، وذكر سائر المفسرين من ألفاظ التعريض : إنك لجميلة وإنك لصالحه ، وإنك لنافعة ، وإن من عزمي أن أتزوج ، وإني فيك لراغب .
أما قوله تعالى : { أو أكننتم فى أنفسكم } فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء : للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان : كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى ، ومنه : { ما تكن صدورهم ، وبيض مكنون } وفرق قوم بينهما ، فقالوا : كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة ، وإن لم يكن مستورا يقال : در مكنون ، وجارية مكنونة ، وبيض مكنون ، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت ، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره ، وهو ضد أعلنت وأظهرت ، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها .
فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئا فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : { أو أكننتم فى أنفسكم } جاريا مجرى إيضاح الواضحات .
قلنا : ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال ، ثم قال : { أو أكننتم فى أنفسكم } والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل ، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال ، وتحريم للتصريح في الحال ، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك ، فقال : { علم الله أنكم ستذكرونهن } لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني ، فلما كان دفع هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك .
ثم قال تعالى : { ولكن لا تواعدوهن سرا } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : أين المستدرك بقوله تعالى : { ولكن لا تواعدوهن سرا } الجواب : هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه ، تقديره : ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) فاذكرونهن ( ولكن لا تواعدوهن ) .
السؤال الثاني : ما معنى السر ؟ .
والجواب : أن السر ضد الجهر والإعلان ، فيحتمل أن يكون السر ههنا صفة المواعدة على شيء : ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا تواعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفا بوصف كونه سرا ، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين ، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات ، وههنا احتمالات الأول : أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني : أن يواعدها بذكر الجماع والرفث ، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز ، قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : { فلا تخضعن بالقول } أي لا تقلن من أمر الرفث شيئا { فيطمع الذي فى قلبه مرض } الثالث : قال الحسن : { ولكن لا تواعدوهن سرا } بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه ، وقال : إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى .
والجواب : روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة ، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها : دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك ، فالله تعالى نهى عن ذلك الرابع : أن يكون ذلك نهيا عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية ، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها الخامس : أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحدا سواها .
أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه الأول : السر الجماع قال امرؤ القيس :
وأن لا يشهد السر أمثالي *** . . .
موانع للأسرار إلا من أهلها *** ويخلفن ما ظن الغيور المشغف
أي الذي شغفه بهن ، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد لا يصف نفسه لها فيقول : آتيك الأربعة والخمسة الثاني : أن يكون المراد من السر النكاح ، وذلك لأن الوطء يسمى سرا والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز .
أما قوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولا معروفا } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء .
وجوابه : أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض ، ثم نهى عن المسارة معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف ، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفل بمصالحها ، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم .
قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم } .
اعلم أن في لفظ العزم وجوها الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال ، قال تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } واعلم أن العزم إنما يكون عزما على الفعل ، فلا بد في الآية من إضمار فعل ، وهذا اللفظ إنما يعدي إلى الفعل بحرف على فيقال : فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكدا عن الإقدام على المعزوم عليه أولى .
القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص ، وقال عليه الصلاة والسلام : « عزمة من عزمات ربنا » وقال : « إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه » ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى ، وبالوجه الأول لا يجوز .
إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه ، ولا تفرغوا منه فعلا ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين .
القول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح ، لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح ، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح ، كما تقول : عزمت عليك أن تفعل كذا .
فأما قوله تعالى : { عقدة النكاح } فاعلم أن أصل العقد الشد ، والعهود والأنكحة تسمى عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل .
أما قوله تعالى : { حتى يبلغ الكتاب أجله } ففي الكتاب وجهان الأول : المراد منه : المكتوب والمعنى : تبلغ العدة المفروضة آخرها ، وصارت منقضية والثاني : أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله : { كتب عليكم الصيام } فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته ، وإنما حسن أن يعبر عن معنى : فرض ، بلفظ { كتب } لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد وقوله : { حتى } هو غاية فلا بد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم ، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله .
ثم إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال : { واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه } وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر والعلانية ، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد ، فقال : { واعلموا أن الله غفور حليم } .
هذا شأن المرأة . . ثم يلتفت السياق إلى الرجال الراغبين فيها في فترة العدة ؛ فيوجههم توجيها قائما على أدب النفس ، وأدب الاجتماع ، ورعاية المشاعر والعواطف ، مع رعاية الحاجات والمصالح :
( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ) . .
إن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت ، وبمشاعر أسرة الميت ، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين ، أو حمل تبين والعدة معلقة بوضعه . . وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة . لأن هذا الحديث لم يحن موعده ، ولأنه يجرح مشاعر ، ويخدش ذكريات .
ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض - لا التصريح - بخطبة النساء . أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها .
وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن التعريض مثل أن يقول : إني أريد التزويج . وإن النساء لمن حاجتي . ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة " . .
كذلك أبيحت الرغبة المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحا ولا تلميحا . لأن الله يعلم أن هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها :
( علم الله أنكم ستذكرونهن ) . .
وقد أباحها الله لأنها تتعلق بميل فطري ، حلال في أصله ، مباح في ذاته ، والملابسات وحدها هي التي تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه . والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها ، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها . ومن ثم ينهى فقط عما يخالف نظافة الشعور ، وطهارة الضمير :
لا جناح في أن تعرضوا بالخطبة ، أو أن تكنوا في أنفسكم الرغبة ، ولكن المحظور هو المواعدة سرا على الزواج قبل انقضاء العدة . ففي هذا مجانبة لأدب النفس ، ومخالسة لذكرى الزوج ، وقلة استحياء من الله الذي جعل العدة فاصلا بين عهدين من الحياة .
( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) . .
لا نكر فيه ولا فحش ، ولا مخالفة لحدود الله التي بينها في هذا الموقف الدقيق :
( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) . .
ولم يقل : ولا تعقدوا النكاح . . إنما قال : ( ولا تعزموا عقدة النكاح ) . . زيادة في التحرج . . فالعزيمة التي تنشىء العقدة هي المنهي عنها . . وذلك من نحو قوله تعالى : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) . . توحي بمعنى في غاية اللطف والدقة .
( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) . .
وهنا يربط بين التشريع وخشية الله المطلع على السرائر . فللهواجس المستكنة وللمشاعر المكنونة هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة . تلك العلاقات الشديدة الحساسية ، العالقة بالقلوب ، الغائرة في الضمائر . وخشية الله ، والحذر مما يحيك في الصدور أن يطلع عليه الله هي الضمانة الأخيرة ، مع التشريع ، لتنفيذ التشريع .
فإذا هز الضمير البشري هزة الخوف والحذر ، فصحا وارتعش رعشة التقوى والتحرج ، عاد فسكب فيه الطمأنينة لله ، والثقة بعفو الله ، وحلمه وغفرانه :
( واعلموا أن الله غفور حليم ) . .
غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر بالله ، الحذر من مكنونات القلوب . حليم لا يعجل بالعقوبة فلعل عبده الخاطىء أن يتوب .
{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الرجال المبتغون للزواج . { فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء } بأن يقول أحدكم كما روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إني أريد التزوّج ، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها ، وإنّ من شأني النساء ، ولوددت أنّ الله تعالى كتب لي امرأة صالحة ، أو يذكر للمرأة فضله وشرفه ، فقد روي «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أمّ سلمة وقد كانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله تعالى وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها وكان ذلك تعريضاً لها » والتعريض في الأصل إمالة الكلام عن نهجه إلى عرض منه وجانب ، واستعمل في أن تذكر شيئاً مقصوداً في الجملة بلفظه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي ليدل بذلك الشيء على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن تذكر المجيء للتسليم بلفظه ليدل على التقاضي وطلب العطاء ، وهو غير الكناية لأنها أن تذكر معنى مقصوداً بلفظ آخر يوضع له لكن استعمل في الموضوع لا على وجه القصد بل لينتقل منه إلى الشيء المقصود ، فطويل النجاد مستعمل في معناه لكن لا يكون المقصود بالإثبات بل لينتقل منه إلى طول القامة ، وقرّر بعض المحققين أنّ بينهما عموماً من وجه ، فمثل قول المحتاج : جئتك لأسلم عليك ، كناية وتعريض ، ومثل زيد طويل النجاد كناية لا تعريض ، ومثل قولك في عرض من يؤذيك وليس المخاطب آذيتني فستعرف تعريض بتهديد المؤذي لا كناية والمشهور : تسمية التعريض تلويحاً لأنه يلوح منه ما تريده ، وعدوا جعل السكاكي له اسماً للكناية البعيدة لكثرة الوسائط مثل كثير الرماد للمضياف اصطلاحاً جديداً وفي «الكشف » : وقد يتفق عارض يجعل الكناية في حكم المصرح به كما في الاستواء على العرش وبسط اليد ، ويجعل الالتفات في التعريض نحو المعرّض به كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } [ البقرة : 1 4 ] فلا ينتهض نقضاً على الأصل .
والخطبة بكسر الخاء قيل : الذكر الذي يستدعى به إلى عقد النكاح أخذاً من الخطاب ، وهو توجيه الكلام للإفهام وبضمها الوعظ المتسق على ضرب من التأليف ، وقيل : إنهما اسم الحالة غير أنّ المضمومة خُصت بالموعظة والمكسورة بطلب المرأة والتماس نكاحها وأل في ( النساء ) للعهد ، والمعهودات هي الأزواج المذكورة في قوله تعالى : { وَيَذَرُونَ أزواجا } [ البقرة : 34 2 ] ولا يمكن حملها على الاستغراق لأنّ من النساء من يحرم التعريض بخطبتهن في العدّة كالرجعيات والبائنات في قول ، والأظهر عند/ الشافعي رضي الله تعالى عنه جوازه في عدّتهنّ قياساً على معتدات الوفاة لا يقال : كان ينبغي أن تقدّم هذه الآية على قوله تعالى :
{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } [ البقرة : 4 23 ] لأنّ ما فيها من أحكام النساء قبل البلوغ إلى الأجل لأنا نقول : لا نسلم ذلك ، بل هي من أحكام الرجال بالنسبة إليهن ، فكان المناسب أن يذكر بعد الفراغ من أحكامهنّ قبل البلوغ من الأجل وبعده ، واستدل إلكيا بالآية على نفي الحدّ بالتعريض في القذف لأنه تعالى جعل حكمه مخالفاً لحكم التصريح ، وأيد بما روي : «من عرض عرضنا ، ومن مشى على الكلأ ألقيناه في النهر » واستدل بها على جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدّة لها ، ولا يخفى ما فيه .
{ أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنفُسِكُمْ } أي أسررتم في قلوبكم من نكاحهنّ بعد مضي عدّتهنّ ولم تصرحوا بذلك لهنّ { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } ولا تصبرون على السكوت عنهنّ وعن إظهار الرغبة فيهنّ ، فلهذا رخص لكم ما رخص ، وفيه نوع ما من التوبيخ .
{ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } استدراك عن محذوف دل عليه { سَتَذْكُرُونَهُنَّ } أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحاً بل اكتفوا بما رخص لكم ، وجواز أن يكون استدراكا عن { لاَّ جُنَاحَ } فإنه في معنى عرّضوا بخطبتهنّ أو أكنوا في أنفسكم ولكن الخ ، وحمله على الاستدراك على ما عنده ، ليس بشيء وإرادة النكاح من السر بواسطة إرادة الوطء منه إذ قد تعارف إطلاقه عليه لأنه يسر ، ومنه قول امرئ القيس :
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني *** كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي
وإرادة العقد من ذلك لما بينهما من السببية والمسببية ، ولم يجعل من أوّل الأمر عبارة عن العقد لأنه لا مناسبة بينهما في الظاهر ، والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ السر هنا الجماع ، وتوهم الرخصة حينئذ في المحظور الذي هو التصريح بالنكاح مما لا يكاد يخطر ببال ، وعن سعيد بن جبير ومجاهد ، وروي عن الحبر أيضاً أنه العهد على الامتناع عن التزوّج بالغير ، وهو على هذه الأوجه نصب على المفعولية وجوّز انتصابه على الظرفية ، أي : لا تواعدوهنّ في السر ، على أن المراد بذلك المواعدة بما يستهجن .
{ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } وهو التعريض الذي عرف تجويزه ، والمستثنى منه ما يدل عليه النهي أي : لا تواعدوهن نكاحاً مواعدة ما إلا مواعدة معروفة ، أو إلا مواعدة بقول معروف ، أو لا تقولوا في وعد الجماع أي طلب الامتناع عن الغير إلا قولكم قولاً معروفاً والاستثناء في جميع ذلك متصل ، وفي الكلام على الوجه الأوّل تصريح بما فهم من { وَلاَ جُنَاحَ } على وجه يؤكد ذلك الرفع وهو نوع من الطرد والعكس حسن وعلى الأخيرين تأسيس لمعنى ربما يعلم بطريق المقايسة إذ حملوا التعريض فيهما على التعريض بالوعد لها أو الطلب منها ، وهو غير التعريض السابق لأنه بنفس الخطبة وإذا أريد الوجه الرابع وهو الأخير من الأوجه السابقة احتمل الاستثناء الاتصال والانقطاع ، والانقطاع في المعنى أظهر على معنى : لا تواعدوهنّ بالمستهجن ولكن واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه في المجاهرة من حسن المعاشرة والثبات إن وقع النكاح ، وبعض قال بذلك إلا أنه جعل الاستثناء من { سِرّا } وضعف بأنه يؤدّي إلى كون التعريض موعوداً ، وجعله من قبيل
{ إَلاَّ مَن ظَلَمَ } [ النمل : 11 ] يأبى أن يكون استثناءاً منه بل من أصل الحكم .
{ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } أي لا تقصدوا قصداً جازماً عقد عقدة النكاح وفي النهي عن مقدّمة الشيء نهي/ عن الشيء على وجه أبلغ ، وصح تعلق النهي به لأنه من الأفعال الباطنة الداخلة تحت الاختيار ، ولذا يثاب على النية ، والمراد به العزم المقارن ؛ لأن من قال : لا تعزم على السفر في صفر مثلا لم يفهم منه النهي عن عزم فيه متأخر الفعل إلى ربيع ، وذلك لأن القصد الجازم حقه المقارنة وتقدير المضاف لصحة التعلق لأنه لا يكون إلا على الفعل ، والعقدة ليست به لأنها موضع العقد وهو ما يعقد عليه ولم يقدره بعضهم ، وجعل الإضافة بيانية فالعقدة حينئذ نفس النكاح وهو فعل ، ويحتمل أن يكون الكلام من باب { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } [ النساء : 3 2 ] وعلى كل تقدير هي مفعول به ، وجوز أن تكون مفعولاً مطلقا ؛ على أن معنى لا تعزموا لا تعقدوا فهو على حد : قعدت جلوساً ، وأن الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله ، وقيل : المعنى لا تقطعوا ولا تبرموا عقدة النكاح فيكون النهي عن نفس الفعل لا عن قصده كما في الأول ، وبهذا ينحط عنه ، ومن الناس من حمل العزم على القطع ضد الوصل وجعل المعنى لا تقطعوا عقدة نكاح الزوج المتوفى بعقد نكاح آخر ولا حاجة حينئذ إلى تقدير مضاف أصلاً ، وفيه بحث أما أولاً : فلأن مجيء العزم بمعنى القطع ضد الوصل في اللغة محل تردد ، وقول الزمخشري : حقيقة العزم القطع بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " وروي «لم يبيت » ليس بنص في ذلك بل لا يكاد يصح حمله إذ الدليل لا يساعده إذ لا خفاء في أن المراد بعزم الصوم ليس قطعة بمعنى الفك بل الجزم وقطع التردد ، وأما ثانياً : فلأنه لا معنى للنهي عن قطع عقدة نكاح الزوج الأول حتى ينهى عنه إذ لا تنقطع عقدة نكاح المتوفى بعقد نكاح آخر ؛ لأن الثاني لغو ، ومن هنا قيل : إن المراد لا تفكوا عقدة نكاحكم ولا تقطعوها ، ونفي القطع عبارة عن نفي التحصيل ، فإن تحصيل الثمرة من الشجرة بالقطع ، وهذا كما ترى مما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى العزيز .
{ حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } أي ينتهي ما كتب وفرض من العدة { واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنفُسِكُمْ } من العزم على ما لا يجوز أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك { فاحذروه } ولا تعموا عليه أو احذروه بالاجتناب عن العزم ابتداءاً أو إقلاعاً عنه بعد تحققه { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ } يغفر لمن يقلع عن عزمه أو ذنبه خشية منه { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة فلا يتوهم من تأخيرها أن ما نهى عنه لا يستتبع المؤاخذة وإعادة العامل اعتناءاً بشأن الحكم ، ولا يخفى ما في الجملة مما يدل على سعة رحمته تبارك اسمه .