مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ} (9)

قوله تعالى : { قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين * قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم * ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } .

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم في كون القرآن معجزا ، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية ، حكى عنهم نوعا آخر من الشبهات ، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة قاهرة ، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات ، فأجاب الله تعالى عنه بأن قال : { قل ما كنت بدعا من الرسل } والبدع والبديع من كل شيء المبدأ والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجودا قبله بحكم السنة ، وفيه وجوه ( الأول ) { ما كنت بدعا من الرسل } أي ما كنت أولهم ، فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم ، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد ، ونهيي عن عبادة الأصنام ، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق ، ( الوجه الثاني ) أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة وأخبارا عن الغيوب فقال : { قل ما كنت بدعا من الرسل } والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر ، وأنا من جنس الرسل وأحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه ؟ ( الوجه الثالث ) أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأن أتباعه فقراء فقال : { قل ما كنت بدعا من الرسل } وكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في نبوتهم .

ثم قال : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في تفسير الآية وجهان : ( أحدهما ) أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا ( والثاني ) أن يحمل على أحوال الآخرة ( أما الأول ) ففيه وجوه : ( الأول ) لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم ، ومن الغالب منا والمغلوب ( والثاني ) قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء ، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين ، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك ، فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { ما أدري ما يفعل بي ولا بكم } وهو شيء رأيته في المنام ، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه الله إلي . ( الثالث ) قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به ولا أومر به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان وإنما أنذركم بما أعلمني الله به من أحوال الآخرة في الثواب والعقاب ، ( والرابع ) المراد أنه يقول لا أدري ما يفعل بي في الدنيا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون ، أترمون بالحجارة من السماء ، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم ، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة ، فروي عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به وبنا ؟ فأنزل الله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } إلى قوله { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } فبين تعالى ما يفعل به وبمن اتبعه ونسخت هذه الآية ، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين . وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه : ( الأول ) أن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وأن يعلم من نفسه كونه نبيا ومتى علم كونه نبيا علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له ، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في أنه هل هو مغفور له أم لا ، ( الثاني ) لا شك أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء ، فلما قال في هذا { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكا في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين ؟ ( الثالث ) أنه تعالى قال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى ، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكا في أنه من المعذبين أو من المغفورين ؟ فثبت أن هذا القول ضعيف .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » قرئ { ما يفعل } يفتح الياء أي يفعل الله عز وجل فإن قالوا { ما يفعل } مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن يقال : ما يفعل بي وبكم ؟ قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما يفعل بكم .

ثم قال تعالى : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يعني إني لا أقول قولا ولا أعمل عملا إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال قولا ولا عمل عملا إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه ، فوجب أن يكون حالنا كذلك ، ( بيان الأول ) قوله تعالى : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ( بيان الثاني ) قوله تعالى : { واتبعوه } وقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } .

ثم قال تعالى : { وما أنا إلا نذير مبين } كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل : { وما أنا إلا نذير مبين } والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله سبحانه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ} (9)

ويمضي معهم في مناقشة القضية - قضية الوحي - من زاوية أخرى واقعية مشهودة . فماذا ينكرون من أمر الوحي والرسالة ؛ ولم يعجلون بتهمة السحر أو تهمة الافتراء ? وليس في الأمر غريب ولا عجيب :

( قل : ما كنت بدعا من الرسل . وما أدري ما يفعل بي ولا بكم . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . وما أنا إلا نذير مبين ) . .

إنه[ صلى الله عليه وسلم ] ليس أول رسول . فقد سبقته الرسل . وأمره كأمرهم . وما كان بدعا من الرسل . بشر يعلم الله أنه أهل للرسالة فيوحي إليه ، فيصدع بما يؤمر . هذا هو جوهر الرسالة وطبيعتها . . والرسول حين يتصل قلبه لا يسأل ربه دليلا ، ولا يطلب لنفسه اختصاصا إنما يمضي في سبيله ، يبلغ رسالة ربه ، حسبما أوحي بها إليه : ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم . إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) . . فهو لا يمضي في رسالته لأنه يعلم الغيب ؛ أو لأنه يطلع على ما يكون من شأنه وشأن قومه وشأن الرسالة التي يبشر بها . إنما هو يمضي وفق الإشارة وحسب التوجيه . واثقا بربه ، مستسلما لإرادته ، مطيعا لتوجيهه ، يضع خطاه حيث قادها الله . والغيب أمامه مجهول ، سره عند ربه . وهو لا يتطلع إلى السر من وراء الستر لأن قلبه مطمئن ، ولأن أدبه مع ربه ينهاه عن التطلع لغير ما فتح له . فهو واقف أبدا عند حدوده وحدود وظيفته : ( وما أنا إلا نذير مبين ) . .

وإنه لأدب الواصلين ، وإنها لطمأنينة العارفين ، يتأسون فيها برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيمضون في دعوتهم لله . لا لأنهم يعرفون مآلها ، أو يعلمون مستقبلها . أو يملكون فيها قليلا أو كثيرا . ولكن لأن هذا واجبهم وكفى . وما يطلبون من ربهم برهانا فبرهانهم في قلوبهم . وما يطلبون لأنفسهم خصوصية فخصوصيتهم أنه اختارهم . وما يتجاوزون الخط الدقيق الذي خطه لهم ، ورسم لهم فيه مواقع أقدامهم على طول الطريق .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ} (9)

{ قل ما كنت بدعا من الرسل } بديعا منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه ، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه ، وهو الإتيان بالمقترحات كلها ونظيره الخف بمعنى الخفيف . وقرئ بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع . { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } في الدارين على التفضيل إذ لا علم لي بالغيب ، و{ لا } لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي { وما } إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة . وقرئ { يفعل } أي يفعل الله . { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } لا أتجاوزه ، وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب ، أو استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين . { وما أنا إلا نذير } من عقاب الله . { مبين } بين الإنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة .