قوله تعالى : { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله يرزق من يشاء بغير حساب } .
المسألة الأولى : قوله تعالى : { في بيوت أذن الله } يقتضي محذوفا يكون فيها وذكروا فيه وجوه . أحدها : أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله وهو اختيار كثير من المحققين ، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين : الأول : أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة . الثاني : أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحدا كقوله : { كمشكاة } وقوله : { فيها مصباح } وقوله : { في زجاجة } وقوله : { كأنها كوكب دري } ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ ، فكان التمثيل به أتم وأكمل . وعن الثاني : أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت ، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى ، ولو أن رجلا قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته ، لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية . وثانيها : التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع . وثالثها : وهو قول أبي مسلم أنه راجع إلى قوله : { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } أي ومثلا من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد ، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب بقوله : { إذ تسوروا المحراب } و{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } فيقول : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن الله أن ترفع } . ورابعها : قول الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع . وخامسها : وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت ، وأما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين : الأول : أن قوله : { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه . الثاني : أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضا لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكرارا من غير فائدة ، فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ذلك النقصان ؟ قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى .
المسألة الثانية : أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله : { في بيوت } المساجد وعن عكرمة { في بيوت } قال هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين : الأول : أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع . الثاني : أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان : أحدهما : أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، ومسجد المدينة بناه النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه النبي صلى الله عليه وسلم وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل . والثاني : أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد ، قال ابن عباس رضي الله عنهما المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض .
المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من قوله : { أن ترفع } على أقوال أحدها : المراد من رفعها بناؤها لقوله : { بناها رفع سمكها فسواها } وقوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد أمر الله أن تبنى . وثانيها : ترفع أي تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج . وثالثها : المراد مجموع الأمرين .
والقول الثاني أولى لأن قوله : { في بيوت أذن الله أن ترفع } ظاهره أنها كانت بيوتا قبل الرفع فأذن الله أن ترفع .
المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد من قوله : { ويذكر فيها اسمه } فالقول الأول : أنه عام في كل ذكر . والثاني : أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس . والثالث : لا يتكلم فيها بما لا ينبغي والأول أولى لعموم اللفظ .
المسألة الخامسة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { يسبح } بفتح الباء والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتدا إلى آخر الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو والآصال .
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ( 36 ) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 38 ) } .
36 - فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ .
أن ترفع : أن تعظم وتطهر عن الأنجاس ، وعن اللغو من الأقوال .
الآصال : واحدها أصيل ، وهو العشي ، أي : آخر النهار .
لقد بينت هذه الآية أن النور السابق ، يستقر في بيوت طاهرة ، عامرة بذكر الله ، فيها رجال طهرت قلوبهم وحسنت أعمالهم ، أي : كمشكاة في بيوت أمر الله بتطهيرها من الأنجاس الحسية والمعنوية ، وأمر بذكره فيها ، وإخلاص العبادة له .
واختار المفسرون أن المراد بالبيوت هنا : المساجد .
قال قتادة : هي هذه المساجد ، أمر الله – سبحانه وتعالى – ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها .
وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها .
أخرج الشيخان ، عن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله ؛ بنى الله له مثله في الجنة )216 .
وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب217 .
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالبيوت في الآية : المساجد ، أو بيوت المؤمنين ، حيث يذكرون ويتدارسون .
وقد اختلف المفسرون في ما هو المراد بالبيوت في هذه الآية . فقال بعضهم : إن المراد بها : المساجد ، وإن المراد برفعها : بناؤها وعمارتها وتعظيمها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق به ، وقال بعضهم : إن المراد برفعها : رفعها من الوجهة المعنوية والأخلاقية . وظاهر ألفاظ : ويذكر فيها اسمه . وإن كانت تؤيد التفسير الأول أكثر مما تؤيد التفسير الثاني ، ولكن إذا تأملنا علمنا ، أن تأييدها للتفسير الثاني لا يقل عن تأييدها للتفسير الأول ، لأن شريعة الله لا تحد العبادة في المساجد كما تحدها الديانات التي فيها الكهانة ، ولا يمكن أن تقام فيها طقوس العبادة بدون فرد من طبقة الكهنة والقسيسين . أما الإسلام ، فكل بيت فيه معبد كالمسجد ، وكل فرد من أفراد المسلمين قسيس لنفسه . فلما كانت معظم آيات هذه السورة تتعلق بتعليم المؤمنين ، وهدايتهم إلى رفع حياتهم الأسروية ؛ فإن التفسير الثاني أنسب وأليق بموضوع السورة عندنا من التفسير الأول ، غير أننا لا نجد سببا معقولا لعدم قبول التفسير الأول ، ولا ضير البتة إذا قلنا : إن المراد بالبيوت في الآية : المساجد وبيوت المؤمنين معا .
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ . . .
أي : ينزه الله تعالى ، ويقدسه فيها بالصلاة والعبادة .
بالغدو . أي : صلاة الفجر ، والآصال : صلاة العصر ، وخصهما بالذكر لحضور الملائكة في هذين الوقتين .
روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ، اقرأوا218 إن شئتم قول الله تعالى : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا . ( الإسراء : 78 ) .
وذهب النسفي إلى أن المراد بالغداة : صلاة الفجر ، وبالآصال : صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وإنما وحد الغدو لأن صلاته واحدة ، وفي الآصال جمع أصيل وهو العشي219 .
هؤلاء الرجال لا تشغلهم تجارة في السفر ، ولا بيع في الحضر عن ذكر الله .
والتجارة والبيع لتحقيق الكسب والثراء ، ولكنهم مع شغلهم بهما لا يغفلون عن أداء حق الله في الصلاة ، وأداء حق العبادة في الزكاة
ولقد كان المؤمنون يسمعون الأذان ؛ فيتركون تجارتهم وبضاعتهم وبيعهم ويذهبون إلى المساجد لذكر الله ، فالمؤمن خليفة الله في الأرض ، يضرب فيها بالتجارة والزراعة والصناعة والعمارة ، ولا تشغله الدنيا عن أداء حق الله والاستجابة لدعوته .
قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . ( المنافقون : 9 ) .
روى عمر بن دينار أن ابن عمر – رضي الله عنهما – كان في السوق فأقيمت الصلاة ، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد ، فقال ابن عمر : فيهم نزلت : رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ . . .
وقال عمرو بن دينار الأعور : كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة ، وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم ، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس فيها أحد ، فتلا سالم هذه الآية : رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ . . . ثم قال : هم هؤلاء .
وقال مقاتل بن حيان : لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة ، وأن يقيموها كما أمرهم الله ، وأن يحفظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها .
ونلحظ أنهم رجال متوازنون ، يشتغلون بالتجارة والبيع ، ويخفون إلى ذكر الله وإقام الصلاة ، ذكرهم لله ليس عبادة خاوية ، بل عبادة متكاملة ، لأنهم يخرجون زكاة أموالهم ، ويتعاونون مع المؤمنين في إقامة المجتمع الفاضل ، ومساعدة المحتاج ومد يد العون للآخرين .