روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا} (88)

{ فَمَا لَكُمْ } مبتدأ وخبر ، والاستفهام للإنكار ، والنفي والخطاب لجميع المؤمنين ، ( وما فيه من معنى التوبيخ لبعضهم ) ، وقوله سبحانه : { فِى * المنافقين } يحتمل كما قال السمين أن يكون متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى : { فِئَتَيْنِ } ( من معنى الافتراق ) أي فما لكم تفترقون في المنافقين ، وأن يكون حالاً من { فِئَتَيْنِ } أي فئتين مفترقتين في المنافقين ، فلما قدم نصب على الحال ، وأن يكون متعلقاً بما تعلق به الخبر أي أي شيء كائن لكم في أمرهم وشأنهم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وفي انتصاب { فِئَتَيْنِ } وجهان كما في «الدر المصون » . وأحدهما : أنه حال من ضمير { لَكُمْ } المجرور والعامل فيه الاستقرار ، أو الظرف لنيابته عنه ، وهذه الحال لازمة لا يتم الكلام بدونها ، وهذا مذهب البصريين في هذا التركيب وما شابهه ، وثانيهما : وهو مذهب الكوفيين أنه خبر كان مقدرة أي مالكم في شأنهم كنتم فئتين ، ورد بالتزام تنكيره في كلامهم نحو { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] وأما ما قيل على الأول : من أن كون ذي الحال بعضاً من عامله غريب لا يكاد يصح عند الأكثرين فلا يكون معمولاً له ، ولا يجوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها فمن فلسفة النحو كما قال الشهاب ، والمراد إنكار أن يكون للمخاطبين شيء مصحح لاختلافهم في أمر المنافقين ، وبيان وجوب قطع القوم بكفرهم وإجرائهم مجرى المجاهرين في جميع الأحكام وذكرهم بعنوان النفاق باعتبار وصفهم السابق .

أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المسلمون فقائل يقول : هم منافقون وقائل يقول : هم مؤمنون ، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم . وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : «هم ناس تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولاهم ناس وتبرأ من ولايتهم آخرون وقالوا : تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله تعالى منافقين وبرأ المؤمنين من ولايتهم وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا » ، وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين فرقة تقول : نقتلهم وفرقة تقول : لا فأنزل الله تعالى : { فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين } الآية كلها » ويشكل على هذا ما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى من جعل هجرتهم غاية للنهي عن توليتهم إلا أن يصرف عن الظاهر كما ستعلمه ، وقيل : هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وأخذوا يساراً راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثلوا به فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات ، ويرده كما قال شيخ الإسلام ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الآيات الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب وهؤلاء قد أخذوا ، وفعل بهم ما فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم اختلاف المسلمين ، وقيل غير ذلك .

/ { والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق ، وقيل : من ضمير المخاطبين والرابط الواو ، وقيل : مستأنفة والباء للسببية ، وما إما مصدرية وإما موصولة ، وأركس وركس بمعنى ، واختلف في معنى الركس لغة ، فقيل : الرد كما قيل في قول أمية بن أبي الصلت :

فأركسوا في جحيم النار أنهم *** كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا

وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والمعنى حينئذ والله تعالى ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما كسبوه من الارتداد واللحوق بالمشركين أو نحو ذلك أو بسبب كسبهم ، وقيل : هو قريب من النكس ، وحاصله أنه تعالى رماهم منكسين فهو أبلغ من التنكيس لأن من يرمى منكساً في هوة قلما يخلص منها ، والمعنى أنه سبحانه بكسبهم الكفر ، أو بما كسبوه منه قلب حالهم ورماهم في حفر النيران . وأخرج ابن جرير عن السدي أنه فسر { أَرْكَسَهُمْ } بأضلهم وقد جاء الإركاس بمعنى الإضلال ، ومنه :

( وأركستني ) عن طريق الهدى *** وصيرتني مثلاً للعدا

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : المعنى حبسهم في جهنم ، والبخاري عنه أن المعنى بددهم أي فرقهم وفرق شملهم ، وابن المنذر عن قتادة أهلكهم ، ولعلها معان ترجع إلى أصل واحد ، وروي عن عبد الله وأبيّ أنهما قرآ ركسوا بغير ألف ، وقد قرأ ركّسهم مشدداً .

{ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله } توبيخ للفئة القائلة بإيمان أولئك المنافقين على زعمهم ذلك ، وإشعار بأن يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى ، وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم مع أنهم بمعزل من ذلك سعي في هدايتهم وإرادة لها ، فالمراد بالموصول المنافقون إلا أن وضع موضع ضميرهم لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة ، وحمله على العموم ، والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً كما زعمه أبو حيان ليس بشيء ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره ببيان أن إرادته مما لا يمكن فضلاً عن إمكان نفسه ، والآية ظاهرة في مذهب الجماعة ، وحمل الهداية والإضلال على الحكم بها خلاف الظاهر ، ويبعده قوله تعالى : { وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } فإن المتبادر منه الخلق أي من يخلق فيه الضلال كائناً من كان ويدخل هنا من تقدم دخولاً أولياً فلن تجد له سبيلاً من السبل فضلاً عن أن تهديه إليه ، والخطاب في { تَجِدُ } لغير معين ، أو لكل أحد من المخاطبين للإشعار ( بعدم ) الوجدان للكل على سبيل التفصيل ، ونفي وجدان السبيل أبلغ من نفي الهادي ، وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة بين الشرط والجزاء ، وجعل السبيل بمعنى الحجة ، وأن المعنى من يجعله الله تعالى في حكمه ضالاً فلن تجد له في ضلالته حجة كما قال جعفر بن حرب ليس بشيء كما لا يخفى ، والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر للإنكار السابق مؤكد لاستحالة الهداية ، أو حال من فاعل { تُرِيدُونَ } أو { تَهْدُواْ } ، والرابط الواو .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا} (88)

قوله تعالى : ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدوركم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) .

ثمة اختلاف في سبب نزول هذه الآيات . فقد ورد أنها نزلت في المنافقين الذين انشقّوا عن المسلمين في معركة أحد ، مما جعل المسلمين في شديد من الحرج والخطر وكان على رأس المنافقين حينئذ كبيرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول . ومن بعد ذلك اختلف المسلمون في حقيقة أمر هؤلاء المنشقّين الذين خانوا الله ورسوله في أخطر الأحوال ، فقال بعضهم : ما لنا ولهؤلاء فهم مؤمنون مثلنا ولا يضر ما احتملوه من الخطأ . وقال آخرون من المسلمين : بل إنهم منشقّون ضالّون يجب محاربتهم وقتلهم حتى نزلت هذه الآيات .

وورد أيضا أنها نزلت في الذين أبدوا إيمانهم في مكة لكنهم رفضوا أن يهاجروا مع المسلمين والنبيّ إلى المدينة رغبة في بلدهم وقومهم وقالوا : إن ظهر محمد على خصومه فهو يعرف أننا مؤمنون فلا يضرّنا وإن وقعت الدائرة على المسلمين كنا مع قومنا هنا وبذلك ننجو على كلتا الحالين . فنزل قوله تعالى : ( فما لكم في المنافقين فئتين . . . ) وعلى أية حال فإن هؤلاء الذين نزلت فيهم الآية هم فريق من أهل النفاق وقد وصمتهم الآية بذلك في وضوح مع الاعتبار بأن سياق الآيات يرجّح الرواية الثانية في سبب النزول لقوله تعالى : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله . . . ) {[801]} .

وقوله : ( فما لكم ) فيه استفهام يتضمن استنكارا لما يظنه بعض المسلمين بأن هذه الفرقة المتخاذلة المتخلفة على شيء من الإيمان ، وفي الحقيقة هم ليسوا من أهل الإيمان في شيء ، بل إنهم فرقة فاسدة قد انطوت على الغش والخداع وهم يتربصون بالمسلمين دائرة السوء . أما وقد اتضحت مقاصدهم الفاسدة فقد بات قتالهم مشروعا . وقد يرد في ذلك تساؤل عن قتال هؤلاء المنافقين مع أنهم لا يقاتلون أصلا ، ولا ينبغي قتال أحد غير المشركين . والجواب عن ذلك أن هؤلاء – وإن كانوا منافقين- فقد ظهر كفرهم ، واستبانت حقيقتهم ، وهي أنهم منافقون أظهروا كفرا واضحا بدليل الآية فوجب قتالهم . ولا يدفع عنهم القتل إلا أن يهاجروا ؛ لما في ذلك من دفع لتهمة الكفر عنهم والله سبحانه أعلم .

وقوله : ( فئتين ) منصوب على الحال . ثم قوله : ( أركسهم ) من الركس أو الارتكاس وهو يعني الانتكاس أي قلب الشيء رأسا على عقب{[802]} .

وفي الآية رفض لظن بعض المسلمين بأن هؤلاء المتخلفين المتخاذلين على شيء من الإيمان فهم فئة ضالة انكشف فسادها وسوؤها ( والله أركسهم بما كسبوا ) أي أن الله- جلّت قدرته- قد ردّهم منكوسين إلى الضلال والهاوية بسبب تخلّفهم عن ركب المسلمين وتخذيلهم لهم سواء بانصرافهم من أرض المعركة في أحد أو إيثارهم البقاء في مكة حيث الشرك والمشركون بعد أن رفضوا طلب النبي ( ص ) بالهجرة .

قوله : ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) . وذلك استنكار للظن بأن الهداية مقدور عليها من أحد من الناس وأن الناس يملكون هداية البشر وحملهم على الإيمان . ذلك إن كانت الهداية يقصد بها الرشاد والاستقامة أما إن كان يقصد بها الدلالة فذلك شأن آخر . وما يمكن تسجيله هنا في هذا الصدد هو أن الله- جلت قدرته- قادر على كلا الأمرين الهداية والإضلال ، وأن من اهتدى أو ضلّ من الناس لم يكن بذلك متجاوزا لسلطان الله وقضائه ، فالله جلّت قدرته لا يعز عليه إضلال أحد أو هدايته ولا يعجزه سوق أحد إلى حيث يكتب أو يريد . ولكن الله سبحانه قد بث في الإنسان أسباب الاهتداء وأسباب الضلال ، وهو ( الإنسان ) ماض في الحياة على شيء من الاقتدار على التصرف الحر أو الإرادة المقدورة . فإن أساء وظلم ولم يتخيّر سبيل الهداية بات مستحقا لإضلال الله له بعد أن فرّط في الأسباب التي تقوده إلى السلامة . والإنسان إذا ما فرّط في أسباب الخير والاهتداء التي خوله الله إياها والتي بموجبها يمضي مهتديا مستقيما بات غير مستحق لرحمة الله وإرشاده ، وهو إن كان كذلك فليس له إذن من يهديه ولن يكون له بعد ذلك طريق مؤدية إلى النجاة أو الفوز .


[801]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 112 وتفسير الطبري جـ 4 ص 121.
[802]:- المصباح المنير جـ 1 ص 254.