محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{۞فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا} (88)

وقوله تعالى :

/ ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا88 ) .

( فما لكم في المنافقين ) أي : فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين ( فئتين ) أي : فرقتين ولم تتفقوا على التبرؤ منهم . والاستفهام للإنكار . والنفي والخطاب لجميع المؤمنين . لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم . وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم . وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم . فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ منهم . لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية . فليس لكم أن تختلفوا في شأنهم . وقد قيل : ان المراد بهم هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول اله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، ورجعوا بعسكرهم ، بعد أن خرجوا . كما تقدم في آل عمران . كما أوضحه ما رواه الشيخان{[2062]} والإمام أحمد والترمذي عن زيد بن ثابت : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد . فرجع ناس خرجوا معه . فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم . وفرقة تقول : لا . هم المؤمنون . فأنزل الله : ( فما لكم في المنافقين فئتين ) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد " . هذا لفظ أحمد .

وقد ذكر الإمام محمد بن إسحاق{[2063]} وفي وقعة أحد : " أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش : رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة " .

وثمة في نزول الآية رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد{[2064]} في ( مسنده ) عن عبد الرحمان بن عوف : " أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحماها . فأركسوا . فخرجوا من المدينة . فاستقبلهم نفر من أصحابه . يعني النبي صلى الله عليه وسلم . فقالوا لهم : ما لكم رجعتم : قالوا : أصابنا وباء المدينة . فقالوا : أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ؟ فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا . فأنزل الله : ( فما لكم في المنافقين فئتين ) . . . الآية " . وهذه الرواية هي الأقرب لنظم الآية كما سنبينه في التنبيه الثاني ( والله أركسهم ) أي نكسهم وردهم إلى الكفر ( بما كسبوا ) أي : بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) أي : تعدوهم من جملة المهتدين . قال أبو السعود : تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين ، وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك ، وإشعار بأنه يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى . وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم ، وهم بمعزل عن ذلك ، سعي في هدايتهم وإرادة لها . ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها . بأن يقال : أتهدون الخ للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا يمكن إرادته ، فضلا عن إمكان نفسه ( ومن يضلل الله ) عن دينه ( فلن تجد له سبيلا ) أي : طريقا إلى الهدى .


[2062]:أخرجه البخاري في: 65 –كتاب التفسير، 4 –سورة النساء، 15 –باب (فما لكم في المنافقين فئتين)، حديث 956 ونصه: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه (فما لكم في المنافقين فئتين) رجع ناس من أصحاب النبي صلى اله عليه وسلم من أحد. وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم. وفريق يقول: لا. فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين). وقال: "انها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة". والامام أحمد في المسند بالصفحة 184 من الجزء الخامس (طبعة الحلبي).
[2063]:انظر سيرة ابن هشام صفحة 559 (طبعة جوتنجن) وصفحة 68 من الجزء الثالث (طبعة الحلبي).
[2064]:أخرجه الامام أحمد في مسنده بالصفحة 192 من الجزء الأول (طبعة الحلبي). ونصه: عن عبد الرحمان بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلموا. وأصابهم وباء المدينة: حماها. فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه (يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتوينا المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون. فأنزل الله عز وجل: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا)... الآية.