{ والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله } أي من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى ، والبدن جمع بدنة وهي كما قال الجوهري . ناقة أو بقرة تنحر بمكة . وفي «القاموس » هي من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدي إلى مكة وتطلق على الذكر والأنثى وسميت بذلك لعظم بدنها لأنهم كانوا يسمنونها ثم يهدونها ، وكونها من النوعين قول معظم أئمة اللغة وهو مذهب الحنفية فلو نذر نحر بدنة يجزئه نحر بقرة عندهم وهو قول عطاء . وسعيد بن المسيب ، وأخرج عبد بن حميدة وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لا تعلم البدن إلا من الإبل والبقر .
وفي «صحيح مسلم » عن جابر رضي الله تعالى عنه كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل والبقرة فقال : وهل هي إلا من البدن ، وقال صاحب البارع من اللغويين : إنها لا تطلق على ما يكون من البقر ، وروي ذلك عن مجاهد . والحسن وهو مذهب الشافعية فلا يجزى عندهم من نذر نحر بدنة نحر بقرة ، وأيد بما رواه أبو داود عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " فإن العطف يقتضي المغايرة وفيما يأتي آخراً تأييد لذلك أيضاً ، والظاهر أن استعمال البدنة فيما يكون من الإبل أكثر وإن كان أمر الإجزاء متحداً .
ولعل مراد جابر بقوله في البقرة وهل هي إلا من البدن أن حكمها حكمها وإلا فيبعد جهل السائل بالمدلول اللغوي ليرد عليه بذلك ، ويمكن أن يقال فيما روي عن ابن عمر : أن مراده بالبدن فيه البدن الشرعية ، ولعله إذا قيل باشتراكها بين ما يكون من النوعين يحكم العرف أو نحوه في التعيين فيما إذا نذر الشخص بدنة ويشير إلى ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد عن يعقوب الرياحي عن أبيه قال : أوصى إلى رجل وأوصى ببدنة فأتيت ابن عباس فقلت له : إن رجلاً أوصى إلي وأوصى ببدنة فهل تجزى عني بقرة ؟ قال : نعم ثم قال : ممن صاحبكم ؟ فقلت : من رياح قال : ومتى اقتنى بنور رياح البقر إلى الإبل وهم صاحبكم إنما البقر لأسد . وعبد القيس فتدبر .
وقرأ الحسن . وابن أبي إسحاق . وشيبة . وعيسى { البدن } بضم الباء والدال ، قيل وهو الأصل كخشب وخشبة وإسكان الدال تخفيف منه ، ورويت هذه القراءة عن نافع . وأبي جعفر .
وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً بضم الباء والدال وتشديد النون فاحتمل أن يكون اسماً مفرداً بنى على فعل كعتل واحتمل أن يكون التشديد من التضعيف الجائز في الوقف وأجرى الوصل مجرى الوقف ، والجمهور على نصب { *البدن } على الاشتغال أي وجعلنا البدن جعلناها ، وقرئ بالرفع على الابتداء ، وقوله تعالى : { الله لَكُمْ } ظرف متعلق بالجعل ، و { مِن شَعَائِرِ الله } في موضع المفعول الثاني له ، وقوله تعالى : { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } أي نفع في الدنيا وأجر في الآخرة كما روي عن ابن عباس .
وعن السدي الاقتصار على الأجر جملة مستأنفة مقررة لما قبلها .
{ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا } بأن تقولوا عند ذبحها بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك . وقد أخرج ذلك جماعة عن ابن عباس ، وفي «البحر » بأن يقول : عند النحر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك .
{ صَوَافَّ } أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن فهو جمع صافة ومفعوله مقدر . وقرأ ابن عباس ، وابن عمر وابن مسعود . والباقر . ومجاهد . وقتادة . وعطاء . والكلبي . والأعمش بخلاف عنه { *صوافن } بالنون جمع صافنة وهو إما من صفن الرجل إذا صف قدميه فيكون بمعنى صواف أو من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وطرف سنبك الرابعة لأن البدنة عند الذبح تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث ، وعقلها عند النحر سنة ، فقد أخرج البخاري . ومسلم . وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رأى رجلاً قد أناخ بدنته وهو ينحرها فقال : ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم . والأكثرون على عقل اليد اليسرى ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يعقلون يد البدنة اليسرى وينحرونها قائمة على ما بقي من قوائمها . وأخرج عن الحسن قيل له : كيف تنحر البدنة ؟ قال : تعقل يدها اليسرى إذا أريد نحرها ، وذهب بعض إلى عقل اليمنى ؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى ، وقيل لا فرق بين عقل اليسرى وعقل اليمنى ، فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن عطاء قال : اعقل أي اليدين شئت .
وأخرج جماعة عن ابن عمر أنه فسر { عَلَيْهَا صَوَافَّ } بقائمات معقولة إحدى أيديهن فلا فرق في المراد بين صواف وصوافن على هذا أصلاً ، لكن روي عن مجاهد أن الصواف على أربع والصوافن على ثلاث . وقرأ أبو موسى الأشعري . والحسن . ومجاهد . وزيد بن أسلم . وشقيق . وسليمان التيمي . والأعراج { صوافي } بالياء جمع صافية أي خوالص لوجه الله عز وجل لا يشرك فيها شيء كما كانت الجاهلية تشرك ، ونون الياء عمر . وابن عبيد وهو خلاف الظاهر لأن { صوافي } ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع ، وخرج على وجهين ، أحدهما : أنه وقف عليه بألف الإطلاق لأنه منصوب ثم نون تنوين الترنم لا تنوين الصرف بدلاً من الألف ، وثانيهما أنه على لغة من يصرف ما لا ينصرف لاسيما الجمع المتناهي ولذا قال بعضهم
: والصرف في الجمع أتى كثيرا *** حتى ادعى قوم به التخييرا
وقرأ الحسن أيضاً { عَلَيْهَا صَوَافَّ } بالتنوين والتخفيف على لغة من ينصب المنقوص بحركة مقدرة ثم يحذف الياء فأصل { صَوَافَّ } صوافي حذفت الياء لثقل الجمع واكتفى بالكسرة التي قبلها ثم عوض عنها التنوين ونحوه
. ولو أن واش باليمامة داره *** وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
وقد تبقى الياء ساكنة كما في قوله
: يا باري القوس بريا ليست تحسنها *** لا تفسدنها وأعط القوس باريها
وعلى ذلك قراءة بعضهم { صوافي } بإثبات الياء ساكنة بناءً على أنه كما في القراءة المشهورة حال من ضمير { وَجَدْنَا عَلَيْهَا } ولو جعل كما قيل بدلاً من الضمير لم يحتج إلى التخريج على لغة شاذة { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } أي سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت . وظاهر ذلك مع ما تقدم من الآثار يقتضي أنها تذبح وهي قائمة ، وأيد به كون البدن من الإبل دون البقر لأنه لم تجز عادة بذبحها قائمة وإنما تذحب مضطجعة وقلما شوهد نحر الإبل وهي مضطجعة { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع } أي الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ولا تعرض لها ، وعليه حمل قول لبيد
: فمنهم سعيد آخذ بنصيبه *** ومنهم شقي بالمعيشة قانع
{ والمعتر } أي المعترض للسؤال من اعتره إذا تعرض له ، وتفسيرهما بذلك مروى عن ابن عباس . وجماعة ، وقال محمد بن كعب . ومجاهد . وإبراهيم . والحسن . والكلبي : { القانع } السائل كما في قول عدي بن زيد
: وما خنت ذا عهد وأيت بعهده *** ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعاً
{ والمعتر } المعترض من غير سؤال ، فالقانع قيل على الأول من قنع يقنع كتعب يتعب قنعاً إذا رضي بما عنده من غير سؤال ، وعلى الثاني من قنع يقنع كسأل يسأل لفظاً ومعنى قنوعاً . وعلى ذلك جاء قول الشاعر
: العبد حر إن قنع *** والحر عبد إن قنع فاقنع ولا تطمع فما
شيء يشين سوى الطمع *** فلا يكون { القانع } على هذا من الأضداد لاختلاف الفعلين ، ونص على ذلك الخفاجي حاكماً بتوهم من يقول بخلافه . وفي «الصحاح » نقل القول بأنه من الأضداد عن بعض أهل العلم ولم يتعقبه بشيء ، ونقل عنه أيضاً أنه يجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطي قل أو كثر ويقبله ولا يرد فيكون معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا ، وإلى كون قنع بالكسر بمعنى رضي وقنع بالفتح بمعنى سأل ذهب الراغب وجعل مصدر الأول قناعة وقنعانا ومصدر الثاني قنوعاً . ونقل عن بعضهم أن أصل ذلك من القناع وهو ما يغطى به الرأس فقنع بالكسر لبس القناع ساتراً لفقره كقولهم : خفي إذا لبس الخفاء وقنع إذا رفع قناعه كاشفاً لفقره بالسؤال نحو خفي إذا رفع الخفاء ، وأيد كون القانع بمعنى الراضي بقراءة أبي رجاء { القانع } بوزن الحذر بناءً على أنه لم يرد بمعنى السائل بخلاف القانع فإنه ورد بالمعنيين والأصل توافق القراءات ، وعن مجاهد { القانع } الجار وإن كان غنياً وأخرج ابن أبي شيبة عنه وعن ابن جبير أن القانع أهل مكة والمعتر سائر الناس ، وقيل : المعتر الصديق الزائر ، والذي اختاره من هذه الأقوال أولها .
وقرأ الحسن { والمعتري } اسم فاعل من اعترى وهو واعتر بمعنى . وقرأ عمرو . وإسماعيل كما نقل ابن خالويه { المعتر } بكسر الراء بدون ياء ، وروى ذلك المقري عن ابن عباس ، وجاء ذلك أيضاً عن أبي رجاء وحذفت الياء تخفيفاً منه واستغناءً بالكسرة عنها . واستدل بالآية على أن الهدى يقسم أثلاثاً ثلث لصاحبه وثلث للقانع والمعتر ثلثاً والبائس الفقير ثلثاً وأهلي ثلثاً وفي القلب من صحته شيء .
وقال ابن المسيب : ليس لصاحب الهدى منه إلا الربع وكأنه عد القانع والمعتر والبائس الفقير ثلاثة وهو كما ترى ، قال ابن عطية : وهذا كله على جهة الاستحسان لا الفرض ، وكأنه أراد بالاستحسان الندب فيكون قد حمل كلا الأمرين في الآية على الندب .
وفي التيسير أمر { كُلُواْ } للإباحة ولو لم يأكل جاز وأمر { أطعموا } للندب ولو صرفه كله لنفسه لم يضمن شيئاً ، وهذا في كل هدى نسك ليس بكفارة وكذا الأضحية ، وأما الكفارة فعليه التصدق بجميعها فما أكله أو أهداه لغنى ضمنه . وفي الهداية يستحب له أن يأكل من هدى التطوع والمتعة والقران وكذا يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا وهو قول بنحو ما يقتضيه كلام ابن عطية في كلا الأمرين . وأباح مالك الأكل من الهدى الواجب الأجزاء الصيد والأذى والنذر ، وأباحه أحمد إلا من جزاء الصيد والنذر ، وعند الحسن الأكل من جميع ذلك مباح وتحقيق ذلك في كتب الفقه { قَالَ كذلك } أي مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله تعالى : { صَوَافَّ } { سخرناها لَكُمْ } مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا تستعصى عليكم حتى إنكم تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها ثم تطعنون في لباتها ولولا تسخير الله تعالى لم تطق ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرماً وأقل قوة وكفى ما يتأبد من الإبل شاهداً وعبرة .
وقال ابن عطية : كما أمرناكم فيها بهذا كله سخرناها لكم ولا يخفى بعده { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي لتشكروا أنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص .
ومن باب الإشارة : { والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ } [ الحج : 36 ] قد تقدم لك أنهم ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها ، وذكروا في سر ذلك أنه لما كان نحرها قربة أراد صلى الله عليه وسلم المناسبة في صفة نحرها في الوترية فأقامها على ثلاث قوائم لأن الله تعالى وتر يحب الوتر والثلاثة أول الإفراد فلها أول المراتب في ذلك والأولية وترية أيضاً ، وجعلها قائمة لأن القيومية مثل الوترية صفة إلهية فيذكر الذي ينحرها مشاهدة القائم على كل نفس بما كسبت ، وقد صح أن المناسك إنما شرعت لإقامة ذكر الله تعالى ، وشفع الرجلين لقوله تعالى : { والتفت الساق بالساق } [ القيامة : 29 ] وهو اجتماع أمر الدنيا بالآخرة ، وأفرد اليمين من يد البدن حتى لا تعتمد إلا على وتر له الاقتدار . وكان العقل في اليد السرى لأنها خلية عن القوة التي لليمنى والقيام لا يكون إلا عن قوة .
وقد أخرج مسلم عن ابن عباس أنه قال : «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فاشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت عنها الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته » الحديث .
والسر في كون هديه عليه الصلاة والسلام من الإبل مع أنه جاء فيها أنها شياطين ولذا كرهت الصلاة في معاطنها الإشارة إلى أن مقامه عليه الصلاة والسلام رد البعداء من الله تعالى إلى حال التقريب . وفي إشعارها في سنامها الذي هو أرفع ما فيها إشعار منه صلى الله عليه وسلم بأنه عليه الصلاة والسلام أتى عليهم من صفة الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم فليجتنبوها فإن الدار الآخرة إنما جعلت للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، ووقع الإشعار في الصفحة اليمنى لأن اليمين محل الاقتدار والقوة ، والصفحة من الصفح ففي ذلك إشعار بأن الله تعالى يصفح عمن هذه صفته إذا طلب القرب من الله تعالى وزال عن كبريائه الذي أوجب له البعد ، وجعل عليه الصلاة والسلام الدلالة على إزالة الكبرياء في شيطنة البدن في تعليق النعال في رقابها إذ لا يصفع بالنعال إلا أهل الهون والمذلة ومن كان بهذه المثابة فما بقي فيه كبرياء تشهد ، وعلق النعال بقلائد العهن ليتذكر بذلك ما أراد الله تعالى وتكون الجبال كالعهن المنفوش ، وقد ذكروا لجميع أفعال الحج أسراراً من هذا القبيل ، وعندي أن أكثرها تعبدية وأن أكثر ما ذكروه من قبيل الشعر والله تعالى الموفق للسداد .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} يعني: من أمر المناسك، {لكم فيها خير} يقول: لكم في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا، وإنما سميت البدن، لأنها تقلد وتشعر وتساق إلى مكة. والهدي: الذي ينحر بمكة ولم يقلد ولم يشعر، والجزور: البعير الذي ليس ببدنة ولا بهدي.
{فاذكروا اسم الله عليها} إذا نحرت {صواف} يعني: معقولة يدها اليسرى قائمة على ثلاثة قوائم مستقبلات القبلة. قال الفراء: صواف، يعني: يصفها، ثم ينحرها، فهذا تعليم من الله، عز وجل، فمن شاء نحرها على جنبها. {فإذا وجبت جنوبها} يعني: فإذا خرت لجنبها على الأرض بعد نحرها،
{فكلوا منها وأطعموا القانع} يعني: الراضي الذي يقنع بما يُعطَى، وهو السائل، {والمعتر} الذي يتعرض للمسألة، ولا يتكلم، فهذا تعليم من الله، عز وجل، فمن شاء أكل، ومن لم يشأ لم يأكل، ومن شاء أطعم.
ثم قال سبحانه: {كذلك سخرناها} يعني: هكذا ذللناها {لكم} يعني: البدن {لعلكم تشكرون} ربكم، عز وجل، في نعمه.
655- السيوطي: أخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: حج سعيد بن المسيب وحج معه ابن حرملة، فاشترى سعيد كبشا فضحى به، واشترى ابن حرملة بدنة بستة دنانير فنحرها. فقال له سعيد: أما كان لك فينا أسوة؟ فقال: إني سمعت الله يقول؛ {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير} فأحببت أن آخذ الخير من حيث دلني الله عليه، فأعجب ذلك ابن المسيب منه وجعل يحدث بها عنه...
قوله تعالى: {فكلوا منها} [الحج: 36].
- ابن كثير: قال مالك: أمر استحباب...
663- يحيى: قال مالك: سمعت أن المعتر هو الزائر.
{وَأَطْعِمُوا اَلْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} القانع: هو السائل، والمعتر: الزائر والمار بلا وقت. فإذا أطعم من هؤلاء واحدا أو أكثر فهو من المطعمين...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"والبُدْنَ" وهي جمع بَدَنة، وقد يقال لواحدها: بَدَن...
والبَدَن: هو الضخم من كلّ شيء... فمعنى الكلام: والإبل العظام الأجسام الضخام، جعلناها لكم أيها الناس "من شعائر الله"،يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها، علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر...
وقوله: "لَكُمْ فِيها خَيْرٌ "يقول: لكم في البدن خير، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها، وفي الدنيا: الركوب إذا احتاج إلى ركوبها...
عن إبراهيم: "لَكُمْ فِيها خَيْرٌ" قال: اللبن والركوب إذا احتاج...
وقوله: "فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ" يقول تعالى ذكره: فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: "فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ" بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها. ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرءوا ذلك: «صَوَافِيَ» بالياء منصوبة، بمعنى: خالصة لله لا شريك له فيها صافية له. وقرأ بعضهم ذلك: «صَوَافٍ» بإسقاط الياء وتنوين الحرف، على مثال: عوارٍ وعوادٍ. ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأه: «صَوَافِنٌ» بمعنى: مُعقلة.
والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها، لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك...
عن ابن عباس، في قوله: "فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ" قال: الله أكبر الله أكبر، اللهمّ منك ولك. صوافّ: قياما على ثلاث أرجل. فقيل لابن عباس: ما نصنع بجلودها؟ قال: تصدّقوا بها، واستمتعوا بها...
عن مجاهد، قال: الصّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث...
وقوله: "فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها" يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر، "فَكُلُوا مِنْها" وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب... قال ابن زيد، في قوله: "فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها" قال: فإذا ماتت.
وقوله: "فَكُلُوا مِنْها" وهذا مخرجه مخرج الأمر، ومعناه الإباحة والإطلاق يقول الله: فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حلّ لكم أكلها، وليس بأمر إيجاب... عن إبراهيم، قال: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل...
وقوله: "وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرّ" يقول: فأطعموا منها القانع.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالقانع والمعترّ؛
فقال بعضهم: القانع: الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل،
والمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل... عن ابن عباس، في قوله: "وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرّ" قال: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل، وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن...
وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك... عن قَتادة، قال: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك...
وقال آخرون: القانع: هو السائل، والمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل...
وقال آخرون: القانع: الجار، والمعترّ: الذي يعتريك من الناس...
وقال آخرون: القانع: الطوّاف، والمعترّ: الصديق الزائر... قال زيد بن أسلم، في قول الله تعالى: "القانِعَ والمُعْتَرّ"، فالقانع: المسكين الذي يطوف، والمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور.
وقال آخرون: القانع: الطامع، والمعترّ: الذي يعترّ بالبدن...
وقال آخرون: القانع: هو المسكين، والمعترّ: الذي يتعرّض للحم... وقال آخرون...: عن سعيد بن جُبير، قال: القانع: الذي يقنع، والمعترّ: الذي يعتريك...
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عني بالقانع: السائل، لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع المكتفي بما عنده والمستغني به، لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل: وأطعموا القانع والمعترّ، وفي إتباع ذلك قوله: "والمعترّ" الدليل الواضح على أن القانع معنيّ به السائل، من قولهم: قنع فلان إلى فلان، بمعنى سأله وخضع إليه... وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي، فإنه من قَنِعْت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا. وأما المعترّ: فإنه الذي يأتيك معترّا بك لتعطيه وتطعمه.
وقوله: "كَذلكَ سَخّرْناها لَكُمْ" يقول: هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس، "لَعَلّكُمْ تَشكُرونَ" يقول: لتشكروني على تسخيرها لكم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{من شعائر الله} أي من معالم دين الله وعبادته ونسكه، لأن الشعائر، هي المعالم في اللغة خصت بها المناسك دون غيرها من العبادات، فجعلها معالم لها...
{فاذكروا اسم الله عليها صواف} دل هذا أن يذكر اسم الله من شرط الذبيحة...
{صواف}، فيه لغات ثلاث: إحداها: صوافي بالياء، وهو من الإخلاص لله والصفو لله. والثانية: صوافن بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها وترك واحدة مطلقة. والثالثة: صوافا بالتنوين أي قياما مصطفة. وكان جميع ما ذُكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم والقيام. وكذلك جاءت السنة والآثار...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحَمْل عليها وشرب ألبانها وأكل لحومها والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بخِلْقَتِها كيف سُخِّرت للناس على قوتها وصورتها، ثم كيف تنقاد للصبيان في البروكِ عند الحَمْل عليها وركوبها والنزول منها ووضع الحمل عنها وصبرها على العطش في الأسفار، وعلى قليل العَلَف، ثم ما في طبْعهِا من لُطفِ الطبع، وحيث تستريح بالحُدَاء مع كثافة صورتها إلى غير ذلك...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} كقوله: {لَكُمْ فِيهَا منافع} ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع بشهادة الله [تعالى].
أما قوله: {كذلك سخرناها لكم} فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما قدم سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها، وكانت الإبل أعظمها خلقاً، وأجلها في أنفسهم أمراً، خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة مرتين معبراً بالاسم الدال على عظمها، أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون الأمم الماضية ولما كان ربما ظن أنه يحرم الأكل منها للأمر بتقريبها لله تعالى، قال نافياً لذلك: {فكلوا منها} إذا كانت تطوعاً إن شئتم الأكل، فإن ذلك لا يخرجها عن كونها قرباناً..
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي: سقطت في الأرض جنوبها، حين تسلخ، ثم يسقط الجزار جنوبها على الأرض، فحينئذ قد استعدت لأن يؤكل منها، {فَكُلُوا مِنْهَا} وهذا خطاب للمهدي، فيجوز له الأكل من هديه، {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} أي: الفقير الذي لا يسأل، تقنعا، وتعففا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويخص البدن بالذكر لأنها أعظم الهدي، فيقرر أن الله أراد بها الخير لهم، فجعل فيها خيرا وهي حية تركب وتحلب، وهي ذبيحة تهدى وتطعم فجزاء ما جعلها الله خيرا لهم أن يذكروا اسم الله عليها ويتوجهوا بها إليه وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {ولكل أمة جعلنا منسكاً} [الحج: 34] أي جعلنا منسكاً للقربان والهدايا، وجعلنا البدن التي تُهدى ويتقرب بها شعائرَ من شعائر الله.
والمعنى: أنّ الله أمر بقربان البُدْن في الحجّ من عهد إبراهيم عليه السلام وجعلها جزاء عما يترخص فيه من أعمال الحجّ. وأمر بالتطوع بها فوعد عليها بالثواب الجزيل فنالت بذلك الجَعل الإلهي يُمناً وبركة وحرمة ألحقتها بشعائر الله، وامتن بذلك على الناس بما اقتضته كلمة {لكم}.
والبدن: جمع بَدنَة بالتحريك، وهي البعير العظيم البَدن. وهو اسم مأخوذ من البَدانة، وهي عِظم الجثّة والسمن، وفعله ككرم ونصر، وليست زنة بدنة وصفاً ولكنها اسم مأخوذ من مادة الوصف، وجمعه بُدْن. وقياس هذا الجمع أن يكون مضموم الدال مثل خُشُب جمع خشبة، وثُمرُ جمع ثَمرة، فتسكين الدال تخفيف شائع، وغلب اسم البدنة على البعير المعيّن للهدي...
وتقديم {البُدن} على عامله للاهتمام بها تنويهاً بشأنها.
والاقتصار على البدن الخاصصِ بالإبل لأنها أفضل في الهَدي لكثرة لحمها، وقد ألحقت بها البقر والغنم بدليل السنّة، واسم ذلك هَدي.
ومعنى كونها من شعائر الله: أنّ الله جعلها معالم تؤذن بالحج وجعل لها حرمة. وهذا وجه تسميتهم وضع العلامة التي يعلّم بها بعير الهَدْي في جلده إشعاراً.
قال مالك في « الموطأ»: « كان عبد الله بن عمر إذا أهدى هدْياً من المدينة قلّده وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يُشعره... يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر...» بطعن في سنامه فالإشعار إعداد للنحر.
وقد عدها في جملة الحرمات في قوله: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي} في سورة العقود (2).
وتقديم {لكم} على المبتدأ ليتأتى كون المبتدأ نكرة ليفيد تنوينه التعظيم، وتقديم {فيها} على متعلّقه وهو {خير} للاهتمام بما تجمعه وتحتوي عليه من الفوائد.
والخير: النّفع، وهو ما يحصل للناس من النفع في الدنيا من انتفاع الفقراء بلحومها وجلودها وجِلالها ونعالها وقَلائدها. وما يحصل للمُهدين وأهلهم من الشبع من لحمها يوم النّحر، وخير الآخرة من ثواب المُهدين، وثواب الشكر من المعطَيْن لحومَها لربّهم الذي أغناهم بها.
وفرع على ذلك أن أمَرَ الناس بأن يذكروا اسم الله عليها حين نحرها.
وصوافّ: جمع صافّة. يقال: صف إذا كان مع غيره صفّا بأن اتّصل به. ولعلّهم كانوا يصفُّونها في المنحر يوم النّحر بمِنى، لأنه كان بمِنى موضع أُعدّ للنحر وهو المنحَر.
وقد ورد في حديث مسلم عن جابر بن عبدالله في حجّة الوداع قال فيه: « ثم انصرف رسول الله إلى المنحرَ فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثاً وستين بَدنة جعل يطعنها بحَربة في يده ثم أعطى الحربة عليّاً فنحر ما غَبَر، أي ما بقي وكانت مائة بدنة» وهذا يقتضي أنها كانت مجتمعة متقاربة...
وفائدة هذه الحال ذكر محاسن من مَشاهد البُدن فإن إيقاف الناس بدنهم للنحر مجتمعة ومنتظمة غير متفرقة مما يزيد هيئتها جلالاً. وقريب منه قوله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4].
ومعنى {وجبت} سقطت، أي إلى الأرض، وهو كناية عن زوال الروح التي بها الاستقلال. والقصد من هذا التوقيت المبادرة بالانتفاع بها إسراعاً إلى الخير الحاصل من ذلك في الدنيا بإطعام الفقراء وأكل أصحابها منها فإنه يستحب أن يكون فطور الحاج يوم النحر مِن هديه، وكذلك الخير الحاصل من ثواب الآخرة.
والأمر في قوله {فكلوا منها} مجمل، يحتمل الوجوب ويحتمل الإباحة ويحتمل الندب، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة لأنّ المكلف لا يفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه. وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المُهدي من لحوم هديه فبقي النظر في أنه مباح بحت أو هو مندوب...
وأما الأمر في قوله: {وأطعموا القانع والمعتر} فقال الشافعي: للوجوب، وهو الأصح. قال ابن العربي وهو صريح قول مالك. وقلت: المعروف من قول مالك أنه لو اقتصر المُهدي على نحر هديه ولم يتصدق منه ما كان آثماً...
والقانع: المتصف بالقنوع، وهو التذلل. يقال: قنَع من باب سَأل...
والمعتَرّ: اسم فاعل من اعترّ، إذا تعرّض للعطاء، أي دون سؤال بل بالتعريض وهو أن يحضر موضع العطاء، يقال: اعترّ، إذا تعرّض...
وجملة {وكذلك سخرناها لكم} استئناف للامتنان بما خلق من المخلوقات لنفع الناس. والأمارة الدالة على إرادته ذلك أنه سخّرها للناس مع ضعف الإنسان وقوّة تلك الأنعام فيأخذ الرجل الواحد العدد منها ويسوقها منقادة ويؤلمونها بالإشعار ثم بالطعن. ولولا أنّ الله أودع في طباعها هذا الانقياد لما كانت أعجزَ من بعض الوحوش التي هي أضعف منها فتنفر من الإنسان ولا تسخّر له.
وقوله {كذلك} هو مثل نظائره، أي مثلَ ذلك التسخير العجيب الذي ترونه كان تسخيرها لكم.
ومعنى {لعلكم تشكرون} خلقناها مسخرة لكم استجلاباً لأن تشكروا الله بإفراده بالعبادة. وهذا تعريض بالمشركين إذا وضعوا الشكر موضع الشكر.