{ فَنَادَتْهُ الملئكة } وفي قوله سبحانه : { فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } [ الأنبياء : 90 ] وظاهر قوله جل شأنه في مريم : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ مريم : 7 ] اعتقاب التبشير الدعاء ، لا تأخره عنه ، وأثر إن بين الدعاء والإجابة أربعين سنة لم نجد له أثراً في الصحاح ، نعم ربما يشعر بعض الأخبار الموقوفة أن بين الولادة والتبشير مدة كما سنشير إلى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى ، والمراد من الملائكة جبريل عليه السلام فإنه المنادي وحده كما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وذكر عبد الرحمن بن أبي حماد أنه كان يقرأ فناداه جبريل ، فالجمع هنا مجاز عن الواحد للتعظيم ، أو يكون هذا من إسناد فعل البعض للكل ، وقيل : الجمع فيه مثله في قولك : فلان يركب الخيل ويلبس الديباج ، واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد واحد لا بعينه وههنا أريد المعين فلعل ما تقدم أولى بالإرادة ، وقيل : الجمع على حاله والمنادي كان جملة من الملائكة ، وقرأ حمزة والكسائي فناديه بالإمالة والتذكير . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال : ذكروا الملائكة ثم تلا { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى } [ النجم : 27 ] وكان يقرأها فناداه الملائكة ويذكر في جميع القرآن ، وأخرج الخطيب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كذلك .
{ وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء مقررة لما أشارت إليه الفاء على ما أشرنا إليه ، وقوله تعالى : { يُصَلّى } حال من المستكن في { قَائِمٌ } أو حال أخرى من المفعول على القول بجواز تعددها من غير عطف ولا بدلية ، أو خبر ثان للمبتدأ على رأي من يرى مثل ذلك ، وقيل : الجملة صفة لقائم والمراد بالصلاة ، ذات الأقوال والأفعال كما هو الظاهر وعليه أكثر المفسرين . وأخرج ابن المنذر عن ثابت قال : الصلاة خدمة الله تعالى في الأرض ولو علم الله تعالى شيئاً أفضل من الصلاة ما قال : { فَنَادَتْهُ الملا ئكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى } ، وقيل : المراد بها الدعاء والأول يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم { فِى المحراب } أي في المسجد ، أو في موقف الإمام منه ، أو في غرفة مريم . والظرف متعلق/ بيصلي أو بقائم على تقدير كون { يُصَلّى } حالا من ضمير { قَائِمٌ } لأن العامل فيه وفي الحال شيء واحد فلا يلزم الفصل بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية كذا قالوا : والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع فإن كلا من { قَائِمٌ } و { يُصَلّى } يصح أن يتسلط على { فِى المحراب } على أي وجه تقدم من وجه الإعراب فتدبر .
ثم اعلم أن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة الآن في مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة وإلى ذلك ذهب علي كرم الله وجهه وإبراهيم رحمه الله فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة وهي من البدع التي لم تكن في العصر الأول ، فعن أبي موسى الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى " وعن عبد الله بن أبي الجعد قال : «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد » وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «اتقوا هذه المذابح » يعني المحاريب ، والروايات في ذلك كثيرة ، وللإمام السيوطي «رسالة » مستقلة فيها .
{ أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } أي بأن الله ، وبعد إسقاط حرف الجر المطرد في أنّ وإن يجوز في المنسبك اعتبار النصب واعتبار الجر ، والأول : مذهب سيبويه ، والثاني : مذهب الخليل ، وقرأ نافع وابن عامر بكسر همزة { إن } وخرج على إضمار القول ، وهو مذهب البصريين ، أو على إجراء النداء مجرى القول لأنه نوع منه وهو مذهب الكوفيين وقرأ حمزة والكسائي { يُبَشّرُكِ } من الإبشار ، وقرأ { يبَشرُكِ } من الثلاثي . وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال : من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة ، ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الياء فإنه من السرور ويحيى اسم أعجمي على الصحيح ، وقيل : عربي منقول من الفعل والمانع له من الصرف على الأول العلمية والعجمة ، وعلى الثاني العلمية ووزن الفعل ، والقول بأنه لا قاطع لمنع صرفه ؛لاحتمال أن يكون مبنياً بجعل العلم جملة ؛ بأن يكون فيه ضمير كما في قوله :
نبئت أخوالي بني يزيد *** ليس بشيء لما في ذلك الاحتمال من التكلف المستغنى عنه ما يكاد يكون دليلاً قطعياً للقطع ، والقائلون بعربيته منهم من وجه تسميته بذلك بأن الله تعالى أحيا به عقر أمه ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومنهم من وجه ذلك بأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، وروي عن قتادة ، وقيل : سمي بيحيى لأنه علم الله سبحانه أن يستشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وقيل : لأنه يحيا بالعلم والحكمة اللتين يؤتاهما ، وقيل : لأن الله يحيي به الناس بالهدى ، قال القرطبي : «كان اسمه في الكتاب الأول حيا » ، ورأيت في «إنجيل متى » أنه عليه السلام كان يدعى يوحنا المعمداني لما أنه كان يعمد الناس في زمانه على ما يحكيه «كتب النصارى » ، وجمع يحيى يحيون رفعاً ، ويحيين جراً ونصباً ، وتثنيته كذلك يحييان ويحيين ، ويقال في النسب إليه يحي بحذف الألف ، ويحيوي بقلبها واواً ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية ، وفي تصغيره يحيى بوزن فعيعل قال مولانا شيخ الإسلام : وينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارة من الله عز وجل على منهاج ، { قُلْ ياعِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } [ الزمر : 53 ] الآية كما يلوح به مراجعته عليه السلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك ، والعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء : أمير المؤمنين يرسم لك كذا وللإيذان بأن ما حكى هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة ، كان كل ذلك بواسطة الملك بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل ، انتهى . وكان الداعي إلى/ اعتبار ما هنا محكياً بعبارة من الله تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكي من الله تعالى ، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك ، والملوح غير موجب كما لا يخفى ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذ التبشير لا يتعلق بالأعيان ، ويؤل في المعنى إلى ما هناك أي إن الله يبشرك بولادة علام اسمه يحيى .
{ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } نصب على الحال المقدرة من ( يحيى ) ، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعليه أجلة المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وجد بكلمة كن من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة ، أي بكلمة كائنة منه تعالى وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور . أخرج أحمد عن مجاهد قال : «قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك » . وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : «كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك » فذلك تصديقه له وكان أكبر من عيسى بستة أشهر كما قال الضحاك وغيره ، وقيل : بثلاث سنين ، قيل : وعلى كل تقدير يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمان مديد لأن مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر سنين ، واعترض بأن هذا إنما يتم لو كان دعاء زكريا عليه السلام زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة ، وليس في الآية سوى ما يشعر بأن زكريا عليه السلام لما تكرر منه الدخول على مريم ومشاهدته الرزق لديها وسؤاله لها وسماعه منها ذلك الجواب اشتاق إلى الولد فدعا بما دعا ، وهذا الدعاء كما يمكن أن يكون في مبادئ الأمر يمكن أن يكون في أواخره قبيل حمل مريم وكونه في الأواخر غير بعيد لما أن الرغبة حينئذ أوفر حيث شاهد عليه السلام دوام الأمر وثباته زمن الطفولية وبعدها ، وهذا قلما يوجد في الأطفال إذ الكثير منهم قد يلقي الله تعالى على لسانه في صغره ما قد يكون عنه بمراحل في كبره فليس عندنا ما يدل صريحاً على أن بين الولادة والتبشير مدة مديدة ولا بين الدعاء والتبشير أيضاً ، نعم عندنا ما يدل على أن يحيى أكبر من عيسى عليهما السلام وهو مما اتفق عليه المسلمون وغيرهم ، ففي »إنجيل متى » ما يصرح بأنه ولد قبله وقتله هيردوس قبل رفعه وأنه عمد المسيح ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وحكي عن أبي عبيدة أن معنى { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } بكتاب منه ، والمراد به الإنجيل وإطلاق الكلمة عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم كلمة الحويدرة للعينية المعروفة بالبلاغة .
{ وَسَيّدًا } عطف على ( مصدقاً ) ، وفسره ابن عباس بالكريم ، وقتادة بالحليم ، والضحاك بالحسن الخلق ، وسالم بالتقي ، وابن زيد بالشريف ، وابن المسيب بالفقيه العالم ، وأحمد بن عاصم بالراضي بقضاء الله تعالى ، والخليل بالمطاع الفائق أقرانه ، وأبو بكر الوراق بالمتوكل ، والترمذي بالعظيم الهمة ، والثوري بمن لا يحسد ، وأبو إسحق بمن يفوق بالخير قومه ، وبعض أهل اللغة بالمالك الذي تجب طاعته ، إلى غير ذلك من الأقوال وكل ما فيها من الأوصاف مما يصلح ليحيى عليه السلام لأنها صفات كمال ، وأحق الناس بصفات الكمال النبيون إلا أن التحقيق أن أصل معنى السيد من يسود قومه يكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا ، ويجوز أن يراد به هنا الفائق في الدين حيث إنه عليه السلام لم يهم بمعصية أصلا كما ورد ذلك من طرق عديدة . / وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا » وجوز أن يراد ما هو أصل معناه فإنه عليه السلام كان سيد قومه وله أتباع منهم ، غاية الأمر أن تلك رياسة شرعية والاتيان به إثر قوله تعالى : { مُصَدّقاً } للإشارة إلى أنه نبي كعيسى عليه السلام وليس من أمته كما يفهمه ظاهراً قوله سبحانه : { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } .
{ وَحَصُورًا } عطف على ما قبله ومعناه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك قاله ابن عباس في إحدى الروايات عنه وفي بعضها إنه العنين الذي لا ذكر له يتأتى به النكاح ولا ينزل ، وروى الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما معه عليه السلام كان كالأنملة ، وفي بعض الروايات كالقذاة ، وفي أخرى كالنواة وفي بعض كهدبة الثوب ، قيل : والأصح الأول ، إذ العنة عيب لا يجوز على الأنبياء ، وبتسليم أنها ليست بعيب فلا أقل أنها ليست بصفة مدح ، والكلام مخرج مخرج المدح ، وما أخرجه الحافظ على تقدير صحته يمكن أن يقال : إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه السلام بما عنده لعدم ميله للنكاح لما أنه في شغل شاغل عن ذلك .
ومن هنا قيل : إن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح استدلالاً بحال يحيى عليه السلام ومن ذهب إلى خلافه احتج بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة ، رجل جعله الله تعالى ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء ، وامرأة جعلها الله تعالى أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال ، والذي يضل الأعمى ، ورجل حصور ولم يجعل الله تعالى حصوراً إلا يحيى بن زكريا " وفي رواية «لعن الله تعالى والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيى بن زكريا » ويجوز أن يراد بالحصور المبالغ في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة وقد كان حاله عليه السلام أيضاً كذلك . أخرج عبد الرزاق عن قتادة موقوفاً وابن عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعاً أنه عليه السلام مرّ في صباه بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت .
{ وَنَبِيّا } عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة { مّنَ الصالحين } أي ناشئاً منهم أو معدوداً في عدادهم فمن على الأول للابتداء ، وعلى الثاني للتبعيض قيل : ومعناه على الأول ذو نسب ، وعلى الثاني معصوم ، وعلى التقديرين لا يلغو ذكره بعد نبياً وقد يقال : المراد من الصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة ألبتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السلام : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ في عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ] ولعله أولى مما قبل .
وهذا ومن باب البطون : في الآيات { فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ } على ساق الخدمة { يُصَلّى في المحراب } وهو محل المراقبة ومحاربة النفس { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } وسمي به لأن من شاهد الحق في جمال نبوته يحيا قلبه من موت الفترة ، أو لأنه هو يحيا بالنبوة والشهادة { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وهو ما ينزل به الملك على القلوب المقدسة { وَسَيّدًا } وهو الذي غلب عليه نور هيبة عزة الحق ، وقال الصادق : هو المباين للخلق وصفا وحالا وخلقا ؛ وقال الجنيد : هو الذي جاد بالكونين طلباً لربه ، وقال ابن عطاء : هو المتحقق بحقيقة الحق ، وقال ابن منصور : هو من خلا عن أوصاف البشرية وحلى بنعوت الربوبية ، وقال محمد بن علي : هو من استوت أحواله عند المنع والإعطاء والرد والقبول { وَحَصُورًا } وهو الذي حصر ومنع عن جميع الشهوات وعصم بالعصمة الأزلية ، وقال الاسكندراني : هو المنزه عن الأكوان وما فيها { وَنَبِيّا } أي مرتفع القدر بهبوط الوحي عليه ومعدوداً { مّنَ الصالحين } [ آل عمران : 39 ] وهم أهل الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة المشاهدة للحق في مرايا الخلق .
وبينما هو قائم في محرابه يتعبد لربه ويتضرع نادته الملائكة { أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله } أي : بعيسى عليه السلام ، لأنه كان بكلمة الله { وسيدًا } أي : يحصل له من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور { وحصورًا } أي : ممنوعا من إتيان النساء ، فليس في قلبه لهن شهوة ، اشتغالا بخدمة ربه وطاعته { ونبيًا من الصالحين } فأي : بشارة أعظم من هذا الولد الذي حصلت البشارة بوجوده ، وبكمال صفاته ، وبكونه نبيا من الصالحين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
إن الله جلّ ثناؤه، أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقلّ ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.
{وَهُوَ قائمٌ يُصَلّي فِي المِحْرَابِ أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى}: فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا. فقوله: {وَهُوَ قَائِمٌ} خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا. وأما المحراب: [فهو] مقدم المسجد.
{أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ} بتشديد الشين وضمّ الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد.
{بِيَحْيَى} فإنه اسم أصله يَفْعَل، من قول القائل: حي فلان فهو يحيا، وذلك إذا عاش فيحيى «يَفْعَل» من قولهم «حيي». وقيل: إن الله جلّ ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأوّل اسمه أحياه بالإيمان. {مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ}: إن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنا لك، {مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله}: يعني بعيسى ابن مريم، وعلى سننه ومنهاجه... كان أوّل رجل صدّق عيسى وهو كلمة من الله وروح.
{وَسَيّدا}: وشريفا في العلم والعبادة.
وتأويل الكلام: إن الله يبشرك بيحيى مصدّقا بهذا وسيدا، والسيد: من قول القائل: ساد يسود... في العبادة والحلم والعلم والورع... السيد: التقيّ... الكريم على الله... الفقيه العالم... الذي لا يغلبه الغضب.
{وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصّالِحِينَ}: ممتنعا من جماع النساء من قول القائل: حصرت من كذا أحصر: إذا امتنع منه ومنه قولهم: حصر فلان في قراءته: إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها، وكذلك حصر العدوّ: حبسهم الناس ومنعهم إياهم التصرّف.
وأصل جميع ذلك واحد: وهو المنع والحبس.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال ثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إلاّ ما كانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا»، قال: ثم دلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض، فأخذ عويدا صغيرا، ثم قال: «وَذَلكَ أنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما للرّجالِ إلاّ مِثْلَ هَذَا العودِ، وبذلك سماه الله سيدا وحصورا».
{وَحَصُورا}: هو الذي لا ماء له... الذي لا يقرب النساء.
{وَنَبِيّا مِنَ الصالِحِينَ}: رسولاً لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلغهم عنه ما أرسله به إليهم. {مِنَ الصّالِحِينَ}: من أنبيائه الصالحين.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه... {بيحيى}: قيل: سماه به لما حيي به الدين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة والأفعال المرضية،... ولهذا، والله أعلم، سمي سيدا، لأن السود في الخلق يكسب بهذا النوع من الأحوال، وسمي مسيحا بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسه بيده نحو أن يبرأ به، ويحيى، والله أعلم. وحقيقة السود أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة والأفعال المرضية. وجائز أن يكون عليه السلام جمعهما فيه، فسمي بهما، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً ونَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ} يدل على أن غير الله تعالى يجوز أن يُسمَّى بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى سَمَّى يحيى سيداً، والسيد هو الذي تَجِبُ طاعته؛ وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن معاذ للحُكْمِ بينه وبين بني قُرَيْظة:"قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"؛ وقال صلى الله عليه وسلم للحسن: "إنَّ ابْني هَذَا سَيِّدٌ"؛ ... وقال لبني سَلِمَةَ: "مَنْ سَيِّدُكُمْ يا بني سَلِمَةَ؟ "قالوا: الحرّ بن قيس على بُخْلٍ فيه، قال: "وأيّ دَاءٍ أدْوَى مِنَ الْبُخْلِ! ولَكِنْ سَيِّدُكُمْ الجَعْدُ الأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ"...
فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته يجوز أن يسمَّى سيداً. وليس السيد هو المالَك فحسب؛ ... وقد رُوي أن وفد بني عامر قَدِمُوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنت سيدنا وذو الطَّوْلِ علينا! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "السَّيِّدُ هو اللهُ تَكَلَّمُوا بكَلاَمِكُمْ ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ"، وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل السادة من بني آدم، ولكنه رآهم متكلّفين لهذا القول، فأنكره عليهم، كما قال:"إنَّ أَبْغَضَكُمْ إليَّ الثَّرْثَارُونَ المُتَشَدِّقُونَ المُتَفَيْهقُونَ"، فكره لهم تكلُّفَ الكلام على وجه التّصنّع...
وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تَقُولُوا للمُنَافِقِ سَيِّداً فإنّه إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ هَلِكْتُمْ"، فنهى أن يُسَمَّى المنافق سيداً، لأنه لا تجب طاعته...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين: أحدهما: أنه خلقه بكلمته من غير أب. والثاني: أنه سُمِيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله عز وجل...
وسَيِّداً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الخليفة. والخامس: سيد المؤمنين، يعني بالرياسة عليهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لما سأل السؤال، ولازم الباب أَتَتْهُ الإجابةُ. وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة...
"مصدقاً بكلمة من الله": أن تصديقه بكلمة "الله "فيما تعبده به، أو هو مكوَّن بكلمة الله...
"وَسَيِّدًا": السيدُ من ليس في رق مخلوق، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال:السيد: من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى عليه السلام...
"وَحَصُورًا": أي مُعْتَقاً من الشهوات، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر...
{وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}: مستحقاً لبلوغ رتبتهم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب؟ كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن، ولا تتقيد بمألوف الناس؛ لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد: (فنادته الملائكة -وهو قائم يصلي في المحراب- أن الله يبشرك بيحيى، مصدقا بكلمة من الله. وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)...
. لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء؛ ويملك الإجابة حين يشاء. وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر، اسمه معروف قبل مولده؛ " يحيى"؛ وصفته معروفة كذلك: سيدا كريما، وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات، ويملك زمام نزعاته من الانفلات. ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله. ونبيا صالحا في موكب الصالحين...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
قوله: {فنادته الملائكة} للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت. وقوله: {وهو قائم} جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته...
والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم، واعترفوا له بالفضل...
والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً...
وفي الحديث "أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر "وفيه « إنّ ابني هذا سيّد» يعني الحسنَ بن علي فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة، ولإصلاح ذات البين،...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
قوله تعالى: {أن الله يبشرك بيحيى}... واقتران التبشير بالتسمية بيحيى للإشارة إلى ان ذلك المولود سيحيى اسمه وذكره بعد موته،وبذلك تتحقق الإجابة الكاملة للدعاء،إذ قال كما في سورة مريم {يرثني ويرث آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم 6]. وقد أجاب المولى القدير كل دعاء زكريا،فكان المبشر به رضيا في خلقه ودينه؛ ولذا قال سبحانه في وصفه: {مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين}... والسيد فيعل من السيادة،وهي الشرف والتفوق والعلو،وتبتدئ السيادة بسيادة الإنسان على نفسه بأن يملك زمامها،ويضبطها ويأخذ بعنانها،فلا تذل،ولا تتكبر ولا تجمح،ولا يزال يترقى في معنى السيادة من ضبط النفس والعلو عن سفساف الأمور،والاستغناء عما في هذا المصر؟فقيل له:الحسن البصري فقال:وبم ساده؟قيل استغنى عما في أيدي الناس،واحتاج الناس إلى ما في يده،فقال:ذلك هو السيد حقا. فكلمة السيد في النص القرآني الكريم تتضمن كل معاني السؤدد ومكارم الأخلاق...
أنه نبي من الصالحين،وفي هذا بشارة أخرى لزكريا بأن الله سيختار ابنه نبيا؛ فإن الوصاف السابقة فيها إجابة لدعائه،ولكن الله سبحانه وتعالى من عليه بأعظم مما دعا به، وأعطاه النبوة وقوله {ومن الصالحين} إشارة إلى موطن النبوة.وموضع اختيارها،والله سبحانه وتعالى اعلم حيث يجعل رسالته،وهو سبحانه وتعالى لا يختارهم إلا من الصالحين،فالله سبحانه يقيهم الانغماس في الشر قبل النبوة،ويعصمهم عن المعاصي بعدها...
إن زكريا قد دعا الله في الأمر الذي حزبه، وبمجرد أن دعا في الأمر الذي حزبه، قام إلى الصلاة، فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي، إن الملائكة لم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته، {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ}...
والبشارة هي إخبار بخير زمنه لم يأت، فإذا كانت البشارة بخير زمنه لم يأت فلنر من الذي يخبر بالبشارة؟ أمن يقدر على إيجاده أم من لا يقدر؟ فإذا كان الله هو الذي يبشر، فهو الذي يقدر، لذلك فالمبشر به قادم لا محالة، {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} لقد قال له الله: سأعطيك. وزيادة على العطاء سماه الله ب {يَحْيَى} وفوق كل ذلك: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ}...
ولننظر إلى دقة الحق حين يقول: {بِيَحْيَى مُصَدِّقاً}. هذا دليل على أنه سيعيش بمنهج الله وما يعرفه من الطاعات سيسير في هذا الطريق وهو مصدق، وهو سيأتي بكلمة من الله، أو هو يأتي ليصدق بكلمة من الله، لأن سيدنا يحيى هو أول من آمن برسالة عيسى عليه السلام...