التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ} (1)

مقدمة السورة:

سميت هذه السورة في أكثر المصاحف { سورة تبت } وكذلك عنونها الترمذي في جامعه وفي أكثر كتب التفسير ، تسمية لها بأول كلمة فيها .

وسميت في بعض المصاحف وفي بعض التفاسير { سورة المسد } . واقتصر في الإتقان على هذين .

وسماها جمع من المفسرين { سورة أبي لهب } على تقدير : سورة ذكر أبي لهب . وعنونها أبو حيان في تفسيره { سورة اللهب } ولم أره لغيره .

وعنونها ابن العربي في أحكام القرآن سورة ما كان من أبي لهب وهو عنوان وليس باسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة من السور نزولا ، نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة التكوير .

وعدد آيها خمس .

روي أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة . وسبب نزولها على ما في الصحيحين عن ابن عباس قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فنادى " يا صباحاه " كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبح القوم فاجتمعت إليه قريش فقال : إني نذير لكم من يدي عذاب شديد أرأيتم لو أني أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني? قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا? فنزلت تبت يدا أبي لهب . ووقع في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا إلى آخر الحديث المتقدم .

ومعلوم أن آية { وأنذر عشيرتك الأقربين } من سورة الشعراء وهي متأخرة النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين وقومك منهم المخلصين } ولم يقل من سورة الشعراء خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب .

أغراضها

زجر أبي لهب على قوله تبت لك ألهذا جمعتنا? ووعيده على ذلك ، ووعيد امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبي صلى الله عليه وسلم .

افتتاح السورة بالتبات مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد ، فذلك براعة استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ومنه قوله تعالى : { ويل للمطففين } [ المطففين : 1 ] إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمان بن الحكم من شعراء « الحماسة » :

لَحَا الله قَيْساً قَيسَ عَيلان إنها *** أضاعت ثُغور المسلمين وولَّتِ

وقول أبي تمام في طالعةِ هجاء :

النارُ والعارُ والمكروه والعطب

ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد :

مجشري فقد أنجز الإِقبال ما وعد

والتَّبُّ : الخسران والهلاك ، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع الله به عن نبيئه بمثل اللفظ الذي شَتَم به أبو لهب محمداً صلى الله عليه وسلم جزاءً وفاقاً .

وإسناد التبّ إلى اليدين لِما روي من أن أبا لهب لما قال للنبيء : « تباً لك سائرَ اليوم ألهذا جمعتنا » أخذ بيده حجراً ليرميه به . وروي عن طارق المحاربي قال : « بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا برجل حديث السن يقول : أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ، وإذا رجل خلفَه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول : « يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه » . فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا محمد يزعم أنه نبيء ، وهذا عمه أبو لهب ، فوقع الدعاء على يديه لأنهما سبب أذى النبي صلى الله عليه وسلم كما يقال للذي يتكلم بمكروه : « بفيك الحجارة أو بفيك الكثكث » .

وقول النابغة :

قعود الذي أبياتهم يثمدونهم *** رمى الله في تلك الأكف الكوانع

ويقال بضد ذلك للذي يقول كلاماً حسناً : لا فُضَّ فُوك ، وقال أعرابي من بني أسد :

دَعَوْتُ لِمَا نابنِي مِسْوَراً *** فلبَّى فلبَّيْ يَديْ مِسْورِ

لأنه دعاه لِما نابه من العدوِّ للنَّصر ، والنصر يكون بعمل اليد بالضرب أو الطعن .

وأبو لهب : هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو عتبة تكنية باسم ابنه ، وأمّا كنيته بأبي لهب في الآية فقيل : كان يكنّى بذلك في الجاهلية ( لحسنه وإشراقِ وجهه ) وأنه اشتهر بتلك الكنية كما اقتضاه حديث طارق المحاربي ، ومثله حديث عن ربيعة بن عباد الديلي في « مسند أحمد » ، فسماه القرآن بكنيته دون اسمه لأن في اسمه عبادة العزى ، وذلك لا يُقره القرآن ، أو لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه العَلَمِ ، أو لأن في كنيته ما يتأتى به التوجيه بكونه صائراً إلى النار ، وذلك كناية عن كونه جهنمياً ، لأن اللهب ألسنةُ النار إذا اشتعلت وزال عنها الدخان . والأبُ : يطلق على ملازم ما أضيف إليه كقولهم : « أبوها وَكيَّالها » وكما كني إبراهيم عليه السلام : أبا الضيفان وكنَّى النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الرحمان بن صَخْر الدَّوْسي : أبا هريرة لأنه حمل هِرَّةً في كم قميصه ، وكُني شهرُ رمضان : أبَا البَركات ، وكني الذئب : أبا جَعدةٍ والجعدة سخلة المعز لأنه يلازم طلبها لافتراسها ، فكانت كنية أبي لهب صالحة موافقة لحاله من استحقاقه لهب جهنم فصار هذا التوجيه كناية عن كونه جهنمياً لينتقل من جعل أبي لهب بمعنى ملازم اللهب إلى لازم تلك الملازمة في العرف ، وهو أنه من أهل جهنم وهو لزوم ادعائي مبني على التفاؤل بالأسماء ونحوها كما أشار إليه التفتزاني في مبحث العَلَمِيَّة من « شرح المفتاح » وأنشد قول الشاعر :

قصدت أبا المحاسن كي أراه *** لشوق كان يجذبني إليه

فلمــا أن رأيتُ رأيت فرداً *** ولم أر من بنيه ابنا لديه

وقد يكون أبو لهب كنيته الحطب كما أنبأ عنه ما روي عن أبي هريرة : " إن ابنة أبي لهب قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم إن الناس يصيحون بي ويقولون إني ابنةُ حطب النار " الحديث .

وقرأ الجمهور لفظ { لهب } بفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير بسكون الهاء وهو لغة لأنهم كثيراً ما يسكنون عين الكلمة المتحركة مع الفاء ، وقد يكون ذلك لأن { لهب } صار جزءَ عَلَم والعرب قد يغيرون بعض حركات الاسم إذا نقلوه إلى العلمية كما قالوا : شُمْس بضم الشين ، لشَمْس بن مالك الشاعر الذي ذكره تأبط شراً في قوله :

إنّي لمُهْدٍ من ثَنائِي فقاصد *** به لابن عَمِّ الصدقِ شُمْس بنِ مالك

قال أبو الفتح بن جنّيّ في كتاب « إعراب الحماسة » : « يجوز أن يكون ضم الشين على وجه تغيير الأعلام نحو مَعدِ يكرب . وتَهْلُك ومَوْهَب وغير ذلك مما غُيِّر عن حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اه .

وكما قالوا : أبو سُلْمى بضم السين كُنية والدِ زهير بن أبي سُلمى لأنهم نقلوا اسم سَلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به لأنهم لا يكنون بأسماء النساء غالباً . ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من قوله تعالى : { ذات لهب } وقراءةُ ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقاً لكثرة دورانها على الألسنة في زمانه .

وجملة : { وتب } إما معطوفة على جملة : { تبت يدا أبي لهب } عطف الدعاء على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي بالحجارة كما في خبر طارق المحاربي ، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظاً له في الشتم والتقريع ، وتفيدُ بذلك تأكيداً لجملة : { تبت يدا أبي لهب } لأنها بمعناها ، وإنما اختلفتا بالكلية والجزئية ، وذلك الاختلاف هو مقتضِي عطفها ، وإلا لكان التوكيد غير معطوف لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم في سورة الكافرون .

وإمّا أن تكون في موضع الحال ، والواو واوَ الحال ولا تكون دعاء إنما هي تحقيق لحصول ما دُعي عليه به كقول النابغة :

جَزَى ربُّه عني عديَّ بن حاتم *** جَزَاء الكلاب العاويات وقَدْ فَعَلْ

فيكون الكلام قبله مستعملاً في الذم والشماتة به أو لطلب الازدياد ، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود « وقد تَب » فيتمحض الكلام قبله لمعنى الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له ، وذلك كقول عبد الله بن رواحة حين خروجه إلى غزوة مُؤتة التي استشهد فيها :

حتَّى يقولوا إذا مَرُّوا على جَدثي *** أرْشَدَك اللَّهُ من غَازٍ وقَدْ رَشِدا

يعني ويقولوا : وقد رشدا ، فيصير قوله : أرشدك الله من غازٍ ، لمجرد الثناء والغبطة بما حصّله من الشهادة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المسد مكية وآياتها خمس

أبو لهب - [ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب ] هو عم النبي [ ص ] وإنما سمي أبو لهب لإشراق وجهه ، وكان هو وامرأته " أم جميل " من أشد الناس إيذاء لرسول الله [ ص ] وللدعوة التي جاء بها . .

قال ابن إسحاق : " حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال : سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول : " إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله [ ص ] يتبع القبائل ، ووراءه رجل أحول ، وضيء الوجه ذو جمة ، يقف رسول الله [ ص ] على القبيلة فيقول : " يا بني فلان . إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به " وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه : يا بني فلان . هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقمس ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تسمعوا له ، ولا تتبعوه . فقلت لأبي : من هذا ? قال عمه أبو لهب . [ ورواه الإمام أحمد والطبراني بهذا اللفظ ] .

فهذا نموذج من نماذج كيد أبي لهب للدعوة وللرسول [ ص ] ، وكانت زوجته أم جميل في عونه في هذه الحملة الدائبة الظالمة . [ وهي أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان ] .

ولقد اتخذ أبو لهب موقفه هذا من رسول الله [ ص ] منذ اليوم الأول للدعوة . أخرج البخاري - بإسناده - عن ابن عباس ، أن النبي [ ص ] خرج إلى البطحاء ، فصعد الجبل فنادى : " يا صباحاه " فاجتمعت إليه قريش ، فقال : أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ? أكنتم مصدقي ? قالوا : نعم . قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . فقال أبو لهب . ألهذا جمعتنا ? تبا لك . فأنزل الله( تبت يدا أبي لهب وتب . . . )الخ . وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول : تبا لك سائر اليوم ! ألهذا جمعتنا ? ! فأنزل الله السورة .

ولما أجمع بنو هاشم بقيادة أبي طالب على حماية النبي [ ص ] ولو لم يكونوا على دينه ، تلبية لدافع العصبية القبلية ، خرج أبو لهب على إخوته ، وحالف عليهم قريشا ، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم وتجويعهم كي يسلموا لهم محمدا [ ص ] .

وكان قد خطب بنتي رسول الله [ ص ] رقية وأم كلثوم لولديه قبل بعثة النبي [ ص ] فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما حتى يثقل كاهل محمد بهما !

وهكذا مضى هو وزوجته أم جميل يثيرانها حربا شعواء على النبي [ ص ] وعلى الدعوة ، لا هوادة فيها ولا هدنة . وكان بيت أبي لهب قريبا من بيت رسول الله [ ص ] فكان الأذى أشد . وقد روي أن أم جميل كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي ؛ وقيل : إن حمل الحطب كناية عن سعيها بالأذى والفتنة والوقيعة .

نزلت هذه السورة ترد على هذه الحرب المعلنة من أبي لهب وامرأته . وتولى الله - سبحانه - عن رسوله [ ص ] أمر المعركة !

( تبت يدا أبي لهب وتب ) . . والتباب الهلاك والبوار والقطع . ( وتبت )الأولى دعاء . ( وتب )الثانية تقرير لوقوع هذا الدعاء . ففي آية قصيرة واحدة في مطلع السورة تصدر الدعوة وتتحقق ، وتنتهي المعركة ويسدل الستار !

فأما الذي يتلو آية المطلع فهو تقرير ووصف لما كان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مكية بإجماع ، وهي خمس آيات .

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب } في الصحيحين وغيرهما -واللفظ لمسلم- عن ابن عباس قال : لما نزلت ( " وأنذر عشيرتك الأقربين " {[16526]} [ الشعراء : 214 ] ورهطك منهم المخلصين ){[16527]} ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا ، فهتف : " يا صباحاه " ! فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد . فاجتمعوا إليه . فقال : " يا بني فلان ، يا بني فلان ، يا بني فلان ، يا بني عبد مناف ، يا بني عبد المطلب " ، فاجتمعوا إليه . فقال : " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي " ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . فقال أبو لهب : تبا لك ، أما جمعتنا إلا لهذا ! ثم قام ، فنزلت هذه السورة : { تبت يدا أبي لهب وقد تب } كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة . زاد الحميدي وغيره : فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن ، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه ، وفي يدها فهر{[16528]} من حجارة ، فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا ترى إلا أبا بكر . فقالت : يا أبا بكر ، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، والله إني لشاعرة :

مُذَمَّمًا عصينا *** وأمره أبينا *** ودينَه قَلَيْنَا

ثم انصرفت . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أما تراها رأتك ؟ قال : " ما رأتني ، لقد أخذ الله بصرها عني " . وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما ، يسبونه ، وكان يقول : " ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش ، يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد " .

وقيل : إن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن زيد أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا أُعطى إن آمنت بك يا محمد ؟ فقال : " كما يُعطى المسلمون " . قال ما لي عليهم فضل ؟ قال : " وأي شيء تبغي " ؟ قال : تبا لهذا من دين ، أن أكون أنا وهؤلاء سواء ، فأنزل الله تعالى فيه . { تبت يدا أبي لهب وتب } .

وقول ثالث حكاه عبد الرحمن بن كيسان قال : كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وقد انطلق إليهم أبو لهب فيسألونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقولون له : أنت أعلم به منا . فيقول لهم أبو لهب : إنه كذاب ساحر . فيرجعون عنه ولا يلقونه . فأتى وفد ، ففعل معهم مثل ذلك ، فقالوا : لا ننصرف حتى نراه ، ونسمع كلامه . فقال لهم أبو لهب : إنا لم نزل نعالجه ، فتبا له وتعسا . فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتأب لذلك ، فأنزل الله تعالى : { تبت يدا أبي لهب } . . . السورة .

وقيل : إن أبا لهب أراد أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر ، فمنعه الله من ذلك ، وأنزل الله تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب } للمنع الذي وقع به .

ومعنى " تبت " : خسرت ، قاله قتادة . وقيل : خابت ، قاله ابن عباس . وقيل : ضلت ، قاله عطاء . وقيل : هلكت ، قاله ابن جبير . وقال يمان بن رئاب : صفرت من كل خير . حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان رحمه الله سمع الناس هاتفا يقول :

لقد خلَّوْكَ وانصرفوا *** فما آبُوا ولا رجعُوا

ولم يوفُوا بنذرهم *** فيا تَبًّا لما صَنَعُوا{[16529]}

وخص اليدين بالتباب ؛ لأن العمل أكثر ما يكون بهما ، أي خسرتا وخسر هو . وقيل : المراد باليدين نفسه . وقد يعبر عن النفس باليد ، كما قال الله تعالى : { بما قدمت يداك }{[16530]} [ الحج :10 ] . أي نفسك . وهذا مَهيَع{[16531]} كلام العرب ، تعبر ببعض الشيء عن كله ، تقول : أصابته يد الدهر ، ويد الرزايا والمنايا ، أي أصابه كل ذلك . قال الشاعر :

لَمَّا أَكَبَّتْ يدُ الرَّزَايَا *** عليه نادى ألا مُجِيرُ

" وتب " قال الفراء : التب الأول دعاء ، والثاني خبر ، كما يقال : أهلكه الله وقد هلك . وفي قراءة عبد الله وأُبي " وقد تب " .

وأبو لهب اسمه عبد العزى ، وهو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم . وامرأته العوراء أم جميل ، أخت أبي سفيان بن حرب ، وكلاهما كان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم . قال طارق بن عبد الله المحاربي : إني بسوق ذي المجاز ، إذ أنا بإنسان يقول : " يا أيها الناس ، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " ، وإذا رجل خلفه يرميه ، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ، ويقول : يا أيها الناس ، إنه كذاب فلا تصدقوه . فقلت من هذا ؟ فقالوا : محمد ، زعم أنه نبي . وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب . وروى عطاء عن ابن عباس قال : قال أبو لهب : سحركم محمد ، إن أحدنا ليأكل الجذعة{[16532]} ، ويشرب العس{[16533]} من اللبن فلا يشبع ، وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ شاة ، وأرواكم من عس لبن .

الثانية : قوله تعالى : { أبي لهب } قيل : سمي باللهب لحسنه ، وإشراق وجهه . وقد ظن قوم أن في هذا دليلا على تكنية المشرك ، وهو باطل ، وإنما كناه الله بأبي لهب - عند العلماء - لمعان أربعة :

الأول : أنه كان اسمه عبد العزى ، والعزى : صنم ، ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم .

الثاني : أنه كان بكنيته أشهر منه باسمه ، فصرح بها .

الثالث : أن الاسم أشرف من الكنية ، فحطه الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص ، إذا لم يكن بد من الإخبار عنه ، ولذلك دعا الله تعالى الأنبياء بأسمائهم ، ولم يكن عن أحد منهم . ويدلك على شرف الاسم على الكنية : أن الله تعالى يُسمى ولا يُكنى ، وإن كان ذلك لظهوره وبيانه ، واستحالة نسبة الكنية إليه ، لتقدسه عنها .

الرابع : أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته ، بأن يدخله النار ، فيكون أبا لها ، تحقيقا للنسب ، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه .

وقد قيل : اسمه كنيته . فكان أهله يسمونه أبا لهب ، لتلهب وجهه وحسنه ، فصرفهم الله عن أن يقولوا : أبو النور ، وأبو الضياء ، الذي هو المشترك بين المحبوب والمكروه ، وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى اللهب الذي هو مخصوص بالمكروه المذموم ، وهو النار . ثم حقق ذلك بأن يجعلها مقره .

وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير وابن محيصن :{ أبي لهب } بإسكان الهاء . ولم يختلفوا في { ذات لهب } أنها مفتوحة ؛ لأنهم راعوا فيها رؤوس الآي .

الثالثة : قال ابن عباس : لما خلق الله عز وجل القلم قال له : اكتب ما هو كائن ، وكان فيما كتب { تبت يدا أبي لهب } . وقال منصور : سئل الحسن عن قوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب } ، هل كان في أم الكتاب ؟ وهل كان أبو لهب يستطيع ألا يصلى النار ؟ فقال : والله ما كان يستطيع ألا يصلاها ، وإنها لفي كتاب الله من قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه . ويؤيده قول موسى لآدم : " أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، خيبت{[16534]} الناس ، وأخرجتهم من الجنة . قال آدم : وأنت موسى الذي اصطفاك بكلامه ، وأعطاك التوراة ، تلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلق الله السموات والأرض " . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فحج آدم موسى{[16535]} " . وقد تقدم هذا{[16536]} . وفي حديث همام عن أبي هريرة أن آدم قال لموسى : " بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني ؟ قال : بألفي عام . قال : فهل وجدت فيها : { وعصى آدم ربه فغوى } قال : نعم . قال : أفتلومني على أمر وكتب الله علي أن أفعله من قبل أن أخلق بألفي عام . فحج{[16537]} آدم موسى " . وفي حديث طاووس وابن هرمز والأعرج عن أبي هريرة : ( بأربعين عاما ) .


[16526]:آية 214 سورة الشعراء.
[16527]:قال النووي في شرح مسلم: "وظاهر هذه العبارة أن قوله ورهطك منهم المخلصين كان قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته".
[16528]:الفهر (بالكسر): الحجر ملء الكف وقيل: الحجارة مطلقا.
[16529]:في بعض نسخ الأصل: *فتبا للذي صنعوا *
[16530]:آية 10 سورة الحج.
[16531]:يقال طريق مهيع: أي واضح واسع بين.
[16532]:الجذعة: ولد الشاة في السنة الثانية.
[16533]:العس (بالضم): القدح الكبير.
[16534]:في الأصول: "أغويت".
[16535]:أي غلبه بالحجة.
[16536]:راجع جـ 11 ص 256.
[16537]:أي غلبه بقوة حجته.