{ في الدنيا والآخرة } في أمر الدارين فتأخذون بالأصلح والأنفع فيهما ، وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم ، أو يضركم أكثر مما ينفعكم . { ويسألونك عن اليتامى } لما نزلت { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } الآية اعتزلوا اليتامى ومخالطتهم والاهتمام بأمرهم فشق ذلك عليهم ، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { قل إصلاح لهم خير } أي مداخلتهم لإصلاحهم ، أو إصلاح أموالهم خير من مجانبتهم . { وإن تخالطوهم فإخوانكم } حث على المخالطة ، أي أنهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط الأخ . وقيل المراد بالمخالطة المصاهرة . { والله يعلم المفسد من المصلح } وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح ، أي يعلم أمره فيجازيه عليه . { ولو شاء الله لأعنتكم } أي ولو شاء الله إعناتكم لأعنتكم ، أي كلفكم ما يشق عليكم ، من العنت وهي المشقة ولم يجوز لكم مداخلتهم . { إن الله عزيز } غالب يقدر على الإعنات . { حكيم } يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة .
العنت : المشقة . لأعنتكم : لأوقعكم في مشقة .
وقوله تعالى { في الدنيا والآخرة } معناه : لعلكم تتفكرون فيما يعود عليكم من مصالح الدنيا وخير الآخرة ، فهو مرتبط بما قبله . ويسألونك يا محمد ، بشأن اليتامى وما يوجبه الإسلام حيالهم ، فقل : الخير لكم ولهم في إصلاحهم ، فضموهم إلى بيوتكم ، وخالطوهم بقصد الإصلاح ، فهم إخوانكم . إن اليتيم طفل فقد أباه والعائلَ الذي يرعاه ، فما أحوجه إلى عناية رؤوم تنتشلُه وتجعل له متنفّساً يسرّي به عن نفسه ! وما أحوجه إلى تشريع حكيم ، ووصية من رب رحيم تحفظ عليه نفسه ، وله مالَه ، وتعدّه كي يكون رجلاً عاملا في الحياة .
ولقد كان بعض الأوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم ، وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جيمعا ، وكان الغبن يقع أحيانا على اليتامى ، فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام . مثل { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } ، وآية { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى } [ النساء : 9 ] . عندئذ تحرّج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى عن طعامهم ، فكان الرجل يكون في حجره اليتيم ، يقدِّم له الطعام من ماله فإذا فضَل شيء منه بقي له حتى يعاود ، أو يفسد فيُطرح . وهذا تشدد ليس من طبيعة الإسلام ، فجاء القرآن هنا ليرد المسلمين إلى الاعتدال واليسر . فالصلاح لليتامى خير من إعزالهم ، والمخالطة لا حرج فيها إذا حققت الخير لليتيم . والله يعلم المفسد من المصلح ، فليس المعوَّل عليه هو ظاهر العمل وشكله ، بل النيَّةُ فيه وثمرته . ولو شاء الله لشقَّ عليكم فألزمكم رعاية اليتامى من غير أن تخالطوهم لكنهم إذ ذاك ينشأون على بغض الجماعة .
ويكون ذلك إفسادا لجماعتكم وإعناتاً لكم . . والله لا يريد إحراج المسلمين ولا المشقة عليهم فيما يكلفهم . وهو عزيز غالب على أمره ، حكيم لا يشرّع إلا ما فيه مصلحتكم .
والحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق ، وبالسؤال عن الخمر والميسر ، أن السؤالين الأولين بيّنا حال طائفتين من الناس في بذلهم وإنفاقهم ، فناسبَ أن يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس للإنفاق عليها ، وإصلاح شؤونها ، وهم اليتامى . وكأن الله تعالى يذكّرنا بأنه حين مخالطتهم وإصلاح أمورهم يجب أن تكون النفقة من العفو الزائد على حاجتنا من أموالنا ، ولا ينبغي أن نعكس ذلك ونطمع في أموالهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.