{أتى أمر الله فلا تستعجلوه} كانوا يستعجلون ما أو عدهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قيام الساعة ، أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيبا ، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت ، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع ، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه . { سبحانه تعالى عما يشركون } تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم . وقرأ حمزة و الكسائي بالتاء على وفق قوله : { فلا تستعجلوه } والباقون بالياء على تلوين الخطاب ، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم ، لما روي أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت { فلا تستعجلوه } .
ألف الوصل في { بسم الله } لم يكن لها في التحقيق أصل ، جلبت للحاجة إليها للتوصل بها إلى النطق بالساكن ، وإذ وقع ذلك أنفا عنها أسقطت في الإدراج ، ولكن كان لها بقاء في الخط وإن لم يكن لها ظهور في اللفظ ، فلما صارت إلى { بسم الله } أسقطت من الخط كذلك . . . وكذلك من ازداد صحبة استأخر رتبة .
ويقال أي استحقاق لواو عمرو حتى ثبتت في الخط ؟ وأي استحقاق إلى الألف في قولهم قتلوا وفعلوا ؟ وأي موجب لحذف الألف من السماوات ؟
طاحت العلل في الفروق ، وليس إلا اتفاق الوضع . . كذلك الإشارة في أرباب الرد والقول ، قال تعالى { إن ربك فعال لما يريد } [ هود : 107 ] .
صيغة أتى للماضي ، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من أمر الساعة ، والمعنى " سيأتي " أمر القيامة ، والكائناتُ كلُّها والحادثات بأَسْرِها من جملة أمره ، أي حصل أمرُ تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصلٌ بتقديره وتيسيره ، وقَضَائه وتدبيره ؛ فما يحصل من خير وشرَّ ، ونفع وضرِّ ، وحلو ومُرِّ . فذلك من جملة أمره تعالى .
{ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئاً باختيارهم لأنهم قد سقطت عنهم الإرادات والمطالبات ، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار ؛ فليس لهم إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمراً ، وإذا أَمَّلوا شيئاً ، أو أُخْبِروا بحصول شيءٍ فلا استعجال لهم ، بل شأنهم التأنِّي والثباتُ والسكونُ ، وإذا بَدَا من التقدير حُكمٌ فلا استعجالَ لهم لما يَرِدُ عليهم ، بل يتقبلون مفاجأةَ التقدير بوجهٍ ضاحك ، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردِّ والقبول ، والمنع والفتوح بوصف الرضا ، ويحمدون الحق - سبحانه وتعالى - على ذلك .
{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } : تعالى عما يشركون بربهم ، والكفار لم ييسر لهم حتى أَنَّه لا سكَنَ لقلوبهم من حديثه .
سورة النحل مكية ، آياتها مائة وثمان وعشرون ، وقال كثير من العلماء أن الآيات الثلاث الأخيرة مدنية وهي قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . . الآيات } .
ابتدأت السورة بتأكيد وعيد الله تعالى للمشركين ، وبيان قدرته على تنفيذه بدليل خلقه السماوات والأرض ، ثم الامتنان على عباده بخلق الأنعام
وما فيها من منافع ، وإنباته الزرع ، وما خلق في البحر من أسماك تؤكل ، وجواهر للزينة . ثم أشار إلى ما تستوجبه هذه النعم من شكره ، ووجوب عبادته ، وإلى افتراء المشركين على القرآن الكريم وادعاء أنه من أساطير الأولين ، وإنذارهم بأن يحلّ بهم ما حل بمن قبلهم من العذاب . ثم ذكر سبحانه إنكار المشركين للبعث ولجاجتهم في الإنكار ، واحتجاج المشركين بعدم الحاجة إلى إرسال الرسل ، وبيّن أن وظيفة الرسل البلاغ والإنذار لا خلق الهداية والإيمان . وأجمل دعوة الأنبياء بأنها عبادة الله واجتناب الطاغوت . فمن الناس من استجاب لدعوتهم ، ومنهم من حقّت عليهم الضلالة .
ثم أورد إنكار المشركين للبعث والنشور وحلفهم على ذلك . وعطف إلى إنكارهم رسالة محمد وبعثه وأنه رجل لا ملك . فكذبهم الله بأن الأنبياء جميعا كانوا رجالا لا ملائكة . ثم أكد إنذار المشركين بعذاب الخسف ، وذكّر أنهم جعلوا الملائكة بنات مع حزنهم إذا بشر أحدهم بالأنثى . كذلك بين الله رحمته بعبادة وعدم مؤاخذتهم بذنوبهم ، وأنه لو آخذهم لما ترك على ظهر الأرض دابة ، وعدّد بعض نعمه الكثيرة عليهم ، ومنها إنزال اللبن من بين الفرث والدم ، وما خلقه من ثمرات من النخيل والأعناب ، والعسل والنخل .
وبعد ذلك ضرب الأمثال لقدرته ، ومنها خلق السمع والبصر وتسخير الطير في جو السماء . كذلك أنه جعل لهم البيوت سكنا ، ومكنهم أن يتخذوا سرابيل تقيهم الحر وبأس العدو . كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم ، وأمر عباده بالعدل والإحسان وصلة الأرحام ، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، كما أمرهم بالوفاء بالعهود وضرب الأمثال على ذلك . ثم وجّه سبحانه وتعالى الأنظار إلى عظم المخلوقات الدالة بدورها على عظمة الخالق ، وكيف قابل المشركون هذا الفضل العميم .
وبعد أن بيّن مطالب الإسلام في كل فضيلة أشار إلى إعجاز القرآن ، وكفر المشركين به وافترائهم عليه ، ثم أشار إلى حال هؤلاء يوم القيامة ، وبيّن كيف كانوا يحلون ويحرمون من غير حجة ، كما فعل اليهود أيضا . وجاء على ذكر إبراهيم فمدحه بصفات لم يوصف بها نبي غيره ، وأمر النبي محمدا صلى الله عليه وسلم باتباعه وسلوك طريقته .
فالسورة مملوءة حافلة ، موضوعاتها الرئيسية متنوعة ، والعرض فيها هادئ رصين ، يرد في تناسق ملحوظ بين الصور والعبارات ، والقضايا والموضوعات . وتختم السورة بهذه الآية اللطيفة المبشرة : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } .
أتى أمر الله : دنا وقرب . أمر الله : وعده وحكمه .
كان مشركو مكةَ يستعجلون الرسولَ عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، فجاء مطلعُ هذه السورة حاسماً : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوه } .
وقد تحقَّقَ هذا الوعيدُ بأن أهلك الله عدداً من صناديِدهم في هذه الدنيا ونصر رسولَه والمؤمنين ، ولَعذابُ الآخرة أشدّ ، وهو واقعٌ لا ريب فيه . تَنَزَّه الله عن أن يكون له شريك يُعبد دونه .
قرأ حمزة والكسائي : «تشركون » بالتاء ، والباقون «يشركون » بالياء كما هي في المصحف .
مكية إلا قولة تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ، إلى آخر السورة وآياتها مائة وثمان وعشرون آية .
قوله تعالى : { أتى } أي : جاء ودنا وقرب ، { أمر الله } ، قال ابن عرفة : تقول العرب : أتاك الأمر وهو متوقع بعد ، أي : أتى أمر الله وعده { فلا تستعجلوه } وقوع { أمر الله } قال الكلبي وغيره : المراد منه القيامة . قال ابن عباس : لما نزلت قوله تعالى : { اقتربت الساعة } [ القمر -1 ] قال الكفار بعضهم لبعض : إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن ، فلما لم ينزل شيء قالوا : ما نرى شيئاً فنزل قولة : { اقترب للناس حسابهم } [ الأنبياء-1 ] ، فأشفقوا ، فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى : { أتى أمر الله } فوثب النبي صلى الله علية وسلم ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزلت { فلا تستعجلوه } فاطمأنوا . والاستعجال : طلب الشيء قبل حينه . ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة كهاتين ، وأشار بإصبعيه ، وإن كادت لتسبقني . قال ابن عباس : كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مر جبريل عليه السلام بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : الله أكبر قامت الساعة . وقال قوم : المراد بالأمر هاهنا : عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف ، وذلك أن النضر ابن الحارث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، فاستعجل العذاب ، فنزلت هذه الآية . وقتل النضر يوم بدر صبراً . { سبحانه وتعالى عما يشركون } ، معناه تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون .