التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} (92)

{ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ( 1 ) حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) } .

( 1 ) البر : هنا بمعنى رضاء الله ورحمته على ما هو المتبادر . وقد جاءت في هذا المعنى في آية سورة البقرة [ 177 ] ولقد أولها بعضهم بالجنة ولكن المعنى الأول هو الأوجه .

تعليق على الآية

{ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ . . . } إلخ

عبارة الآية واضحة ، والخطاب فيها موجه على ما يتبادر إلى المسلمين ، ولم نطلع على رواية خاصة بمناسبة نزولها . وتبدو الصلة منقطعة بينها وبين ما سبقها وما لحقها .

ولقد رويت رواية في صدد الآية التالية لها تفيد أن إسرائيل نذر تحريم أحبّ المطعومات إليه تقربا إلى الله . وبين مفهوم هذا النذر ومفهوم الآية شيء من الاتصال كما هو المتبادر ولا ندري إذا كان هذا يسوغ القول إذا صحت الرواية أن هذه الآية تمهيد للمشهد الذي احتوته الآيات التالية لها وأنها متصلة بها . ومثل هذه التمهيدات من أساليب النظم القرآني مما مرت منه أمثلة عديدة . بل نحن نرجح ذلك ؛ لأن الآية بدون هذا الغرض تبدو كما قلنا منقطعة عن السياق السابق واللاحق الذي هو في حق اليهود بدون حكمة مفهومة . والله تعالى أعلم .

والآية في حد ذاتها جملة تامة محكمة ؛ ولذلك أفردناها لحدتها . وقد احتوت تعليما في آداب الصدقات موجها إلى السامعين الذين هم المسلمون أو الذين منهم المسلمون . وقد جاء هذا الأدب بأسلوب آخر في آية سورة البقرة [ 267 ] وهو وجوب التصدق من طيب ما في حيازة المتصدق وطيب كسبه وكراهيته التصدق بالرديء غير المحبب إلى صاحبه . وأسلوب الآية هنا قوي يجعل هذا الشرط واجبا . وهو أقوى من أسلوب آية البقرة ، وفيه توكيد للتلقين الجليل الذي نبهنا عليه في سياق تفسير سورة البقرة .

ومن تحصيل الحاصل أن يقال : إن هذا الشرط يتناول الزكاة ونوافل الصدقات معا . وإطلاق الآية يلهم ذلك . وهذا متسق مع المبادئ القرآنية العامة التي تأمر بالإحسان في جميع الأعمال أيضا .

وهناك أحاديث تذكر ما كان من تأثر بعض أصحاب رسول الله بهذه الآية . من ذلك حديث رواه البخاري والترمذي عن أنس قال : " كان أبو طلحة أكثر أنصاريي المدينة نخلا . وكان أحبّ أمواله إليه ( بيرحا ) وكانت مستقبلة المسجد . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب . فلما نزلت الآية قال : يا رسول الله إن الله يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون . وإن أحب أموالي إليّ ( بيرحا ) وإنها لصدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله . فقال : بخ بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . قال أفعل يا رسول الله فقسمها في أقاربه وبني عمه " {[444]} .

ومن ذلك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال : " أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال : يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قطّ هو أنفس عندي منه فما تأمرني به ؟ قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فتصدق بها على أن لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا تورث ولا توهب . وتصدق بها عمر في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف . وعلى أن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول " {[445]} . ومنها حديث رواه ابن كثير في سياق الآية عن ابن عمر قال : " حضرتني هذه الآية فذكرت ما أعطاني الله فلم أجد شيئا أحبّ إليّ من جارية لي رومية . فقلت : هي حرة لوجه الله . فلو أني أعود في شيء جعلته لله لتزوجتها " .

والفقهاء يعتبرون حديث ابن عمر عن أرض خيبر لعمر مستندا لإجازة الوقف في الإسلام . وظاهر أن ما يعنيه هو الوقف الخيري البحت . والاستناد في محله على هذا الوجه وفي العمل أسوة للقادرين من المسلمين .


[444]:التاج، ج 4 ص 71، والمتبادر أن أقاربه كانوا فقراء.
[445]:التاج، ج 2 ص 222 ـ 223.