البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (47)

{ وإذا قيل لهم أنفقوا } : لما أسلم حواشي الكفار من أقربائهم ومواليهم من المستضعفين ، قطعوا عنهم ما كانوا يواسونهم به ، وكان ذلك بمكة أولاً قبل نزول آيات القتال ، فندبهم المؤمنون إلى صلة قراباتهم فقالوا : { أنطعم من لو شاء الله أطعمه } .

وقيل : سحق قريش بسبب أذية المساكين من مؤمن وغيره ، فندبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة عليهم ، فقالوا هذا القول .

وقيل : قال فقراء المؤمنين : أعطونا ما زعمتم من أموالكم ، إنها لله ، فحرموهم وقالوا ذلك على سبيل الاستهزا .

وقال ابن عباس : كان بمكة زنادقة ، إذا أمروا بالصدقة قالوا : لا والله ، أيفقره الله ونطمعه نحن ؟ أو كانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الأفعال بمشيئة الله : لو شاء الله لأغنى فلاناً ، ولو شاء لأعزه ، ولو شاء لكان كذا ، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولون .

وقال القشيري : نزلت في قوم من الزنادقة لا يؤمنون بالصانع ، استهزاء بالمسلمين بهذا القول .

وقال الحسن : { وإذا قيل لهم } ، أي اليهود ، أمروا بإطعام الفقراء .

وجواب لو نشاء قوله : اطعمهم ، وورود الموجب بغير لام فصيح ، ومنه : { أن لو نشاء أصبناهم } { لو نشاء جعلناه أجاجاً } والأكثر مجيئه باللام ، والتصريح بالموضعين من الكفر والإيمان دليل على أن المقول لهم هم الكافرون ، والقائل لهم هم المؤمنون ، وأن كل وصف حامل صاحبه على ما صدر منه ، إذ كل إناء بالذي فيه يرشح .

وأمروا بالانفاق { مما رزقكم الله } ، وهو عام في الإطعام وغيره ، فأجابوا بغاية المخالفة ، لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق العام ، فكأنهم قالوا : لا ننفق ، ولا أقل الأشياء التي كانوا يسمحون بها ويؤثرون بها على أنفسهم ، وهو الإطعام الذي به يفتخرون ، وهذا على سبيل المبالغة .

كمن يقول لشخص : أعط لزيد ديناراً ، فيقول : لا أعطيه درهماً ، فهذا أبلغ لا أعطيه ديناراً .

والظاهر أن قوله : { إن أنتم إلا في ضلال مبين } من تمام كلام الكفار يخاطبون المؤمنين ، أي حيث طلبتم أن تطعموا من لا يريد الله إطعامه ، إذ لو أراد الله إطعامه لأطعمه هو .

ويجوز أن يكون من قول الله لهم استأنف زجرهم به ، أو من قول المؤمنين لهم .