أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (235)

شرح الكلمات :

{ لا جناح عليكم } : لا إثم عليكم في التعريض دون التصريح بالخطبة ، كما لا إثم في إضمار الرغبة في النفس . { حتى يبلغ الكتاب أجله } : أي حتى تنتهي العدة .

المعنى :

أما الآية الثانية ( 235 ) فقد تضمنت تحريم خطبة المرأة المعتدة من طلاق أو وفاة فلا يحل خطبتها لما في ذلك من الضرر ؟ إذ قد تحمل هذه الخطبة من رجل مرغوب فيه لماله أو دينه أو نسبه أن تدعى المرأة انقضاء عدتها وهي لم تنقض ، وقد تفوت على زوجها المطلق لها فرصة المراجعة بالخطبة دون اللفظ الصريح المحرم فقال تعالى : { ولا جناح عليكم } أيها المسلمون فيما عرضتم من خطبة النساء المعتدات نحو قوله : إني راغب في الزواج : أو إذا انقضت عدتك تشاورنيني إن أردت الزواج . كما تضمنت الكشف عن نفسية الرجل إذا قال تعالى : { علم الله أنكم ستذكرونهن } مبدين رغبتكم في الزواج منهم فرخص لكم في التعريض دون التصريح ولكن لا تواعدوهن سراً هذا اللفظ هو الدال على تحريم خطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق بائن ، أما الطلاق الرجعي فلا يصح الخطبة فيه تعريضاً ولا تصريحاً لأنها في حكم الزوجة ، وقوله إلا أن تقولوا قولا معروفاً هو الإِذن بالتعريض .

كما تضمنت هذه آية حرمة عقد النكاح على المعتدة حتى تنتهي عدتها إذ قال تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } ، والمراد من الكتاب المدة التي كتب الله على المعدة أن تتربص فيها .

وختمت الآية بوعظ الله تعالى المؤمنين حيث أمرهم أن يعلموا أن الله يعلم ما في أنفسهم ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم وتصرفاتهم ليحذروه غاية الحذر فلا يخالفوه في أمره ولا في نهيه . كما أعلمهم أنه تعالى غفور لمن تاب منهم بعد الذنب حليم عليهم لا يعاجلهم بالعقوبة ليتمكنوا من التوبة .

الهداية

من الهداية :

- حرمة خطبة المعتدة ، وجواز التعرض لها بلفظ غير صريح .

- حرمة عقدة النكاح على معتدة قبل انقضاء عدتها وهذا من باب أولى مادام الخطبة محرمة ومن عقد على امرأة قبل انقضاء عدتها يفرق بينهما ولا تحل له بعد عقوبة لهما .

- وجوب مراقبة الله تعالى في السر والعلن واتقاء الأسباب المفضية بالعبد إلى فعل محرم .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (235)

قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } . أي النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء ، والتعريض في الكلام ما يفهم به السامع ، مراده من غير تصريح ، والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول : رب راغب فيك ، من يجد مثلك ، إنك لجميلة ، وإنك لصالحة ، وإنك علي لكريمة ، وإني فيك لراغب ، وإن من غرضي أن أتزوج بك ، وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ، ولئن تزوجتك لأحسن إليك ، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني ، والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه ، وقال إبراهيم : لا بأس أن يهدي لها ، ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت غير شابة . روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد ابن علي الباقر في عدتها وقال : يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام ، فقالت سكينية : أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ عنك ؟ فقال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده .

والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة ، أما المعتدة عن فرقة الحياة ، ينظر : إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثاً والمبانة باللعان والرضاع : يجوز خطبتها تعريضاً ، وإن كانت ممن يحل للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها ، يجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً . وهل يجوز للغير تعريضا ؟ فيه قولان : أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثاً ، والثاني لا يجوز لأن المعاودة ثابتة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة . وقوله تعالى : ( من خطبة النساء ) الخطبة التماس النكاح ، وهي مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة ، وقال الأخفش : الخطبة الذكر ، والخطبة التشهد فيكون معناه : فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن .

قوله تعالى : { أو أكننتم } . أضمرتم .

قوله تعالى : { في أنفسكم } . من نكاحهن يقال : أكننت الشيء وكننته لغتان ، وقال ثعلب : أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته سترته ، وقال السدي : هو أن يدخل فيسلم ، ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) بقلوبكم .

قوله تعالى : { ولكن لا تواعدوهن سراً } . اختلفوا في السر المنهي عنه ، فقال قوم : هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها : دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك ، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال زيد بن أسلم : أي لا ينكحها سراً فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك . وقال مجاهد : هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك ، وقال الشعبي والسدي : لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره ، وقال عكرمة : لا ينكحها ولا يخطبها في العدة . قال الشافعي : السر هو الجماع ، وقال الكلبي : أي لاتصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ، فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك ، ويذكر السر ويراد به الجماع قال امرئ القيس :

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني *** كبرت وألا يحسن السر أمثالي

إنما قيل للزنا والجماع سر ، لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة .

قوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } . هو ما ذكرنا من التعريض بالخطبة .

قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } . أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) أي : حتى تنقضي العدة ، وسماها الله كتاباً لأنها فرض من الله كقوله تعالى ( كتب عليكم ) أي فرض عليكم .

قوله تعالى : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } . أي فخافوا الله .

قوله تعالى : { واعلموا أن الله غفور حليم } . لا يعجل بالعقوبة .