أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

شرح الكلمات :

{ اتل } : اقرأ .

{ من إملاق } : من فقر .

{ الفواحش } : جمع فاحشة كل ما قبح واشتد قبحه كالزنى والبخل .

{ حرم الله } : أي حرم قتلها وهي كل نفس إلا نفس الكافر المحارب .

{ إلا بالحق } : وهو النفس بالنفس وزنى المحصن ، والردة .

المعنى :

ما زال السياق في إبطال باطل العادلين بربهم المتخذين له شركاء الذين يحرمون بأهوائهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم فقد أمر تعالى رسوله في هذه الآيات الثلاث أن يقول لهم : { تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } لا ما حرمتموه أنتم بأهوائكم وزينه لكم شركاؤكم . ففي الآية الأولى جاء تحريم خمسة أمور وهي : الشرك ، وعقوق الوالدين ، وقتل الأولاد ، وارتكاب الفواحش ، وقتل النفس فقال تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً } فأن تفسيرية ، ولا ناهية وهذا أول محرم وهو الشرك بالله تعالى ، { وبالوالدين إحساناً } ، وهذا أمر إذ التقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً ، والأمر بالشيء نهي عن ضده فالأمر بالإِحسان يقتضي تحريم الإِساءة والإِساءة إلى الوالدين هي عقوقهما ، فكان عقوق الوالدين محرماً داخلاً ضمن المحرمات المذكورة في هذه الآيات الثلاث . { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } فهذا المحرم الثالث وهو قتل الأولاد من الإِملاق الذي هو الفقر وهذا السبب غير معتبر إذ لا يجوز قتل الأولاد بحال من الأحوال وإنما ذكر لأن المشركين كانوا يقتلون أطفالهم لأجله وقوله تعالى { نحن نرزقكم وإياهم } تعليل للنهي عن قتل الأولاد من الفقر إذ ما دام الله تعالى يرزقكم أنتم أيها الآباء ويرزق أبناءكم فلم تقتلونهم ؟ وفي الجملة بشارة للأب الفقير بأن الله تعالى سيرزقه هو وأطفاله فليصبر وليرج ، ولا يتقل أطفاله . وقوله تعالى { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } . هذا الأمر الرابع مما حرم الله تعالى ، وهو فعل الفاحشة التي هي الزنى وسواء ما كان منه ظاهراً أو باطناً والتحريم شامل لكل خصلة قبيحة قد اشتد قبحها وفَحُش فأصبح هذا هو المحرم الخامس وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها وهي كل نفس ما عدا نفس المحارب فإنها مباحة للقتل ، الحق الذي تقتل به النفس المحرمة واحد من ثلاثة وهي القود والقصاص فمن قتل نفساً متعمداً جاز قتله بها قصاصاً . والزنى بعد الإِحصان فمن زنى وهو محصن وجب قتله رجماً بالحجارة كفارة له ، والردة عن الإِسلام ، وقد بينت هذه الحقوق السنة فقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وقوله تعالى في ختام الآية { لعلكم تعقلون } أي ليعدكم بترك هذه المحرمات الخمس لأن تكونوا في عداد العقلاء ، لأن من يشرك بربه صنماً أو يسىء إلى أبويه أو يقتل أولاده أو يفجر بنساء الناس أو يقتلهم ، لا يعتبر عاقلاً أبداً إذ لو كان له عقل ما أقدم على هذه العظائم من الذنوب والآثام .

الهداية

من الهداية :

- هذه الوصايا العشر عليها مدار الإسلام وسعادة الإِنسان في الدارين كان عبد الله بن مسعود يقول فيها " من سره أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام : { قل تعالوا . . . . تتقون } .

- حرمة الشرك وعقوق الوالدين وقتل الأولاد والزنى واللواط وكل قبيح من قول أو عمل أو اعتقاد وقتل النفس إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وبخس الكيل والوزن ، وقول الزور وشهادة الزور ، ونكث العهد وخلف الوعد . الردة عن الإِسلام ، واتباع المذاهب الباطلة والطرق الضالة .

- كمال العقل باجتناب المحرمات الخمس الأولى .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

ولما أبطل دينهم كله أصولاً وفروعاً في التحريم والإشراك ، وبين فساده بالدلائل النيرة ، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق{[31611]} مما{[31612]} حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره{[31613]} ، فليس التحريم لأحد غيره فقال : { قل تعالوا } أي أقبلوا إليّ صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال ؛ قال صاحب الكشاف : هو من الخاص{[31614]} الذي صار عاماً ، يعني حتى صار يقوله الأسفل للأعلى { أتل } أي أقرأ ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً . و{[31615]} لما كان{[31616]} القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك{[31617]} ، و{[31618]} كان المحرم أهم ، قدمه فقال : { ما حرم ربكم } أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم { عليكم } فسخطه منكم ، وما وصاكم به إقداماً وإحطاماً فرضيه{[31619]} لكم من قبيلي{[31620]} الأصول والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهياً عن الشرك ، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها ، فقال : { ألا تشركوا به شيئاً } الآيات مرتباً جملها أحسن ترتيب ، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل ، فإن التقية{[31621]} بالحمية قبل الدواء ، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيماً لأمر العقوق ، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك ، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله{[31622]} خوف القلة ، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم ، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في{[31623]} الوجود ، فقال ناهياً عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما ، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأموراً بها منهياً عن أضدادها ، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم : { وبالوالدين } أي افعلوا بهما { إحساناً } .

ولما أوصى بالسبب في الوجود ، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال : { ولا تقتلوا أولادكم } ولما كان النهي عاماً ، وكان ربما وجب على الولد قتل ، خص لبيان{[31624]} الجهة فقال : { من إملاق } أي من أجل فقر حاصل بكم ، ثم علل ذلك ، ولأجل أن الظاهر هو{[31625]} حصول الفقر قدم الآباء فقال : { نحن نرزقكم } بالخطاب ، أي أيها الفقراء ، ثم عطف عليه الأبناء فقال : { وإياهم } وظاهر قوله في الإسراء

{ خشية إملاق{[31626]} }[ الإسراء : 31 ] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر ، فبدأ بالأولاد فقال : " نحن{[31627]} نرزقهم " ثم عطف الآباء فقال " وإياكم " - نبه عليه أبو حيان .

ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد{[31628]} الشرك ، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش ، وهي ما غلظت{[31629]} قباحته ، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلاً عن الغشيان فقال : { ولا تقربوا الفواحش } ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله : { ما ظهر منها } أي الفواحش { وما بطن } ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص{[31630]} بعد التعميم فقال : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } أي الملك الأعلى عليكم قتلها { إلا بالحق } أي الكامل ، ولا يكون كاملاً إلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه ، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله : { ذلكم } أي الأمر العظيم في هذه المذكورات .

ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس ، ختمها بما لا يقوله{[31631]} إلا المحب الشفوق ليتقبلها{[31632]} القلب فقال : { وصّاكم به } أمراً ونهياً ؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال : { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا{[31633]} على رجاء من المشي على منهاج العقلاء{[31634]} ، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها ، فصار شأنها مؤكداً من وجهين : التصريح بالتوصية{[31635]} بها ، والنهي عن أضدادها .


[31611]:زيد من ظ.
[31612]:من ظ، وفي الأصل: بما.
[31613]:زيد من ظ.
[31614]:في ظ "و".
[31615]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31616]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31617]:زيد من ظ.
[31618]:زيد بعده في ظ: لما.
[31619]:من ظ، وفي الأصل: فرضته.
[31620]:من ظ، وفي الأصل: قبيل.
[31621]:في ظ: التنقية.
[31622]:في ظ: فلعله- كذا.
[31623]:في ظ: إلى.
[31624]:في ظ: بيان.
[31625]:سقط من ظ.
[31626]:آية 31.
[31627]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[31628]:في ظ: ثم.
[31629]:من ظ، وفي الأصل: عطفت.
[31630]:من ظ، وفي الأصل: بالتخفيف.
[31631]:من ظ، وفي الأصل: لا تقوله.
[31632]:في ظ: ليقبلها.
[31633]:من ظ، وفي الأصل: ليكونوا.
[31634]:في ظ: العقل.
[31635]:من ظ، وفي الأصل: بالوصية.