أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

شرح الكلمات :

{ أسرى } : جمع أسير وهو من أخذ في الحرب يشد عادة بإسار وهو قيد من جلد فأطلق لفظ الأسير عل كل من أخذ في الحرب .

{ حتى في الأرض } : أي تكون له قوة وشدة يرهب بها العدو .

{ عرض الدنيا } : أي المال لأنه عارض ويزول فلا يبقى .

المعنى :

ما زال السياق في أحداث غزوة بدر من ذلك أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عمر وسعد بن معاذ رضي الله عنهما رغبوا في مفاداة الأسرى بالمال للظروف المعاشية القاسية التي كانوا يعيشونها ، وكانت رغبتهم في الفداء بدون علم من الله تعالى بإحلالها أو تحريمها أما عمر فكان لا يعثر على أسير إلا قتله وأما سعد فقد قال ( الأثخان في القتال أولى من استبقاء الرجال ) ولما تم الفداء نزلت هذه الآية الكريمة تعاتبهم أشد العتاب فيقول تعالى { ما كان لنبّي } أي ما صح منه ولا كان ينبغي له أن يكون له أسرى حرب يبقيهم ليفاديهم أو يمن عليهم مجاناً { حتى يثخن في الأرض } أرض العدو قتلاً وتشريداً فإذا عرف بالبأس والشدة وهابه الأعداء جاز له الأسر أي الإِبقاء على الأسرى أحياء ليمن عليهم بلا مقابل أو ليفاديهم بالمال ، وقوله تعالى { تريدون عرض الدنيا } هذا من عتابه تعالى لهم ، إذ ما فادوا الأسرى إلا لأنهم يريدون حطام الدنيا وهو المال ، وقوله { والله يريد الآخرة } فشتان ما بين مرادكم ومراد ربكم لكم تريدون العرض الفاني والله يريد لكم النعيم الباقي ، وقوله تعالى { الله عزيز حكيم } أي غالب على أمره ينصر من توكل عليه وفوّض أمره إليه ، حكيم في تصرفاته فلا يخذل أولياءه وينصر أعداءه فعليكم إياها المؤمنون بطلب مرضاته بترك ما تريدون لما يريد هو سبحانه وتعالى .

الهداية

من الهداية :

- إرشاد الله تعالى لقادة الأمة الإِسلامية في الجهاد أن لا يفادوا الأسرى وأن لا يمنوا عليهم بإطلاقهم إلا بعد أن يخنثوا في أرض العدو قتلاً وتشريداً فإذا خافهم العدو ورهبهم عندئذ يمكنهم أن يفادوا الأسرى أو يمنوا عليهم .

- التزهيد في الرغبة في الدنيا لحقارتها ، والترغيب في الآخرة لعظم أجرها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

ولما تقدم الأمر بالإثخان في { فشرد بهم } ثم بإعداد القوة ، ثم التحريض{[35325]} على القتال بعد الإعلام بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف إلى اثنين ؛ كان ذلك مقتضياً للإمعان في الإثخان ، فحسن عتاب الأحباب في اختيار{[35326]} غير ما أفهمه هذا الخطاب ، لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر ، وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم ، وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم : " لو نزل من السماء عذاب - أي في هذا - ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ{[35327]} رضي الله عنهما " فقال تعالى استئنافاً واستنتاجاً : { ما كان } أي ما صح وما استقام { لنبي{[35328]} } أي في شرع نبي الأنبياء مستقل ولا مقر ، ولعله عبر{[35329]} بوصف النبوة ليفيد مع العموم أن كلاً من رفعة القدر والإخبار من الله يمنع من{[35330]} الإقدام على فعل بدون إذن خاص { أن يكون له أسرى } أي أن يباح له أسر العدو { حتى يثخن في الأرض } أي يبالغ في قتل أعدائه ، فهو عتاب لمن أسر من الصحابة غير من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك ، وإنما أسند إلى نبي - وقرىء شاذاً بالتعريف - ولم يقل : ما كان في شرع نبي ، تهويلاً للأسر{[35331]} تعظيماً للعفو للمبالغة في القيام بالشكر ، وهذا كان يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى{ فإما منّاً بعد وإما فداء }سورة 47 آية 4 . [ محمد : 4 ] قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، ومادة ثخن تدور على الضخامة ، وتارة يلزمها اللين والضعف ، وتارة الصلابة والقوة ، فحقيقته : يبالغ في القتل فيغلط أمره فيقوى{[35332]} ، ويلين له أعداؤه ويضعفوا ؛ ثم بين لهم أن الميل عن ذلك إنما هو لإرادة{[35333]} الأعراض الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى{ يأخذون عرض هذا الأدنى }{[35334]}[ الأعراف : 196 ] كما أن النزاع في الأنفال ميل{[35335]} إلى الدنيا ، وكل ذلك{[35336]} بمعزل عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا ، معللاً لعدم الكون المذكور بما تقديره : لأن الأسر إنما يراد به الدنيا ، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب لأنه أوقع في النفس فقال{[35337]} : { تريدون } أي أيها المؤمنون المرغبون في الإنفاق لا في الجمع ، باستبقائهم { عرض الدنيا } قال الراغب : العرض ما لا ثبات له ، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون ، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة ، أي المتاع الفداء بأخذ الرجال { والله } أي الذي له الكمال كله { يريد } أي لكم { الآخرة } اي جوهرها{[35338]} لأنه يأمر بذلك أمراً{[35339]} هو في تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها ، وذلك بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة{[35340]} ، ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه { والله } أي الملك الأعظم { عزيز } أي منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول { حكيم* } أي لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة المشركين ، فإذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار ، ولا يصح ادعاء ولايته إلا لمن ترقى في معارج صفاته ، فيكون عزيزاً في نفسه فلا يدنسها بالأطماع الفانية ، وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي ، وحكيماً فلا ينشأ عنه فعل{[35341]} إلا وهو في غاية الإتقان .


[35325]:في ظ: بالتحريض.
[35326]:زيد من ظ.
[35327]:وعلل في روح المعاني نجاته بأنها لقوله: الإتخان في القتل أحب إلي.
[35328]:في الأصل: للنبي، وأما ما أثبتناه من ظ فهو قراءة الجمهور وقد ينسجم مع ما يتلوه من التفسير.
[35329]:في ظ: عبره.
[35330]:سقط من ظ.
[35331]:زيد من ظ.
[35332]:في ظ: ويقوى.
[35333]:في ظ: رادة.
[35334]:آية 169.
[35335]:زيد من ظ.
[35336]:في ظ: ذلكم.
[35337]:زيد بعده في الأصل: ثم، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[35338]:في ظ: ثابت ظاهره.
[35339]:في ظ: ثابت ظاهره.
[35340]:زيد في ظ: انتهى.
[35341]:زيد من ظ.