{ أمنة نعاسا } : الأمنة : الأمن ، والنعاس : استرخاء يصيب الجسم قبل النوم .
{ يغشى طائفة منكم } : يُصيب المؤمنين ليستريحوا ولا يصيب المنافقين .
{ أهمتهم أنفسهم } : أي لا يفكرون إلا في نجاة أنفسهم غير مكترثين بما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
{ ظن الجاهلية } : هو اعتقادهم أن النبيّ قتل أو أنه لا ينصر .
{ هل لنا من الأمر } : أي ما لنا من الأمر من شيء .
{ ما لا يبدون لك } : أي مالا يظهرون لك .
{ لبرز الذين } : لخرجوا من المدينة ظاهرين ليلقوا مصارعهم هناك .
{ كتب عليهم القتل } : يريد كتب في كتاب المقادير أي اللوح المحفوظ .
{ مضاجعهم } : جمع مضجع وهو مكان النوم والاضطجاع والمراد المكان الذي صرعوا فيه قتلى .
{ وليمحص } : التمحيص : التمييز وهو إظهار شيء من شيء كإظهار الإِيمان من النفاق ، والحب من الكره .
ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فأخبر تعالى في الآية الأولى ( 153 ) عن أمور عظام الأولى أنه تعالى بعد الغم الذي أصاب به المؤمنين أنزل على أهل اليقين خاصة أمناً كاملا فذهب الخوف عنهم حتى أن أحدهم لينام والسيف في يده فيسقط من يده ثم يتناوله قال تعالى : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أَمَنَةً نعاساً يغشى طائفة منك } والثاني إن أهل الشك والنفاق حرمهم الله تعالى من تلك الأمنة فما زال الخوف يقطع قلوبهم والغم يُسَيْطر على نفوسهم وهم لا يفكرون إلا في أنفسهم كيف ينجون من الموت وهم المعنيون بقوله تعالى { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } والثالث أن الله تعالى قد كشف عن سرائرهم فقال { يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } ، والمراد من ظنهم بالله غير الحق ظن المشركين أنهم يعتقدون أن الإِسلام باطل وأن محمداً ليس رسولاً ، وأن المؤمنين سينهزمون ويموتون وينتهي الاسلام ومن يدعوا إليه . والرابع أن الله تعالى قد كشف سرهم فقال عنهم : { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } هذا القول قالوه سراً فيما بينهم ، ومعناه ليس لنا من الأمر من شيء ولو كان لنا ما خرجنا ولا قاتلنا ولا أصابنا الذي أصابنا فأطلعه الله تعالى سرهم وقال له : رد عليهم بقولك : إن الأمر كله لله . ثم هتك تعالى مرة أخرى سترهم وكشف سرهم فقال : يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك أي يخفون في أنفسهم من الكفر والبغض والعداء لك ولأصحابك ما لا يظهرونه لك . والرابع لما تحدث المنافقون في سرهم وقالوا لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا ها هنا : يريدون لو كان الأمر بأيديهم ما خرجوا لقتال المشركين لأنهم إخوانهم في الشرك والكفر ، ولا قتلوا مع من قتل في أحد فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم } بالمدينة { لبرز } أي ظهر الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وصرعوا فيها واتوا ، لأن ما قدره الله نافذ على كل حال ، ولا حذر مع القدر .
ولا بد أن يتم خروجكم إلي أحد بتدبير الله تعالى ليبتلى الله أي يمتحن ما في صدوركم ويميز ما في قلوبكم فيظهر ما كان غيباً لا يعلمه إلا هو إلى عالم المشاهدة ليعلمه ويراه على حقيقته رسوله والمؤمنون ، وهذا لعلم الله تعالى بذات الصدور . هذا معنى قوله تعالى : { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم ، وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور } .
- إكرام الله تعالى لأوليائه بالأمان الذي أنزله في قلوبهم .
- إهانة الله تعالى لأعدائه بحرمانهم ما أكرم به أولياءه وهم في مكان واحد .
- تقرير مبدأ القضاء والقدر ، وأن من كتب موته في مكان لا بد وأن يموت فيه .
- أفعال الله تعالى لا تخلو أبدا من حكم عالية فيجب التسليم لله تعالى والرضا بأفعاله في خلقه .
قوله تعالى : " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا " الأمنة والأمن سواء . وقيل : الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف ، والأمن مع عدمه . وهي منصوبة ب " أنزل " ، و " نعاسا " بدل منها . وقيل : نصب على المفعول له ، كأنه قال : أنزل عليكم للأمنة نعاسا{[3598]} . وقرأ ابن محيصن " أمْنَة " بسكون الميم . تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم ؛ وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام . روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه . " يغشى " قرئ بالياء والتاء . الياء للنعاس ، والتاء للأمنة . والطائفة تطلق على الواحد والجماعة " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " يعني المنافقين : معتب بن قشير وأصحابه ، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ، ويقولون الأقاويل . ومعنى " قد أهمتهم أنفسهم " حملتهم على الهم ، والهم ما هممت به ، يقال : أهمني الشيء أي كان من همي . وأمر مهم : شديد . وأهمني الأمر : أقلقني : وهمني : أذابني{[3599]} . والواو في قوله " وطائفة " واو الحال بمعنى إذ ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، وأنه لا ينصر . " ظن الجاهلية " أي ظن أهل الجاهلية ، فحذف . " يقولون هل لنا من الأمر من شيء " لفظه استفهام ومعناه الجحد ، أي ما لنا شيء من الأمر ، أي من أمر الخروج ، وإنما خرجنا كرها ، يدل عليه قوله تعالى إخبارا عنهم : " لو كان لنا من الأمر شيء ما قلنا ها هنا " . قال الزبير : أرسل علينا النوم ذلك اليوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا . وقيل : المعنى يقول ليس لنا من الظفر الذي وعدنا به محمد شيء . والله أعلم .
قوله تعالى : " قل إن الأمر كله لله " قرأ أبو عمرو ويعقوب " كله " بالرفع على الابتداء ، وخبره " لله " ، والجملة خبر " إن " . وهو كقوله : " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " {[3600]} [ الزمر : 60 ] . والباقون بالنصب ، كما تقول : إن الأمر أجمع لله . فهو توكيد ، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم ، وأجمع لا يكون إلا توكيدا . وقيل : نعت للأمر . وقال الأخفش : بدل ، أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء . وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " يعني التكذيب بالقدر . وذلك أنهم تكلموا فيه ، فقال الله تعالى : " قل إن الأمر كله لله " يعني القدر خيره وشره من الله . " يخفون في أنفسهم " أي من الشرك والكفر والتكذيب . " ما لا يبدون لك " يظهرون لك . " يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا " أي ما قتل عشائرنا . فقيل : إن المنافقين قالوا لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة ، ولما قتل رؤساؤنا . فرد الله عليهم فقال : " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز " أي لخرج . " الذين كتب " أي فرض . " عليهم القتل " يعني في اللوح المحفوظ . " إلى مضاجعهم " أي مصارعهم . وقيل : " كتب عليهم القتل " أي فرض عليهم القتال ، فعبر عنه بالقتل ؛ لأنه قد يؤول إليه . وقرأ أبو حيوة " لبرز " بضم الباء وشد الراء ؛ بمعنى يُجعل يَخرج . وقيل : لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين . والواو في قوله " وليبتلي " مقحمة كقوله : " وليكون من الموقنين " {[3601]} [ الأنعام : 75 ] أي ليكون ، وحذف الفعل الذي مع لام كي . والتقدير " وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم " فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم . وقيل : معنى " ليبتلي " ليعاملكم معاملة المختبر . وقيل : ليقع منكم مشاهدة ما علمه غيبا . وقيل : هو على حذف مضاف ، والتقدير ليبتلي أولياء الله تعالى . وقد تقدم معنى التمحيص . " والله عليم بذات الصدور " أي ما فيها من خير وشر . وقيل : ذات الصدور هي الصدور ؛ لأن ذات الشيء نفسه .