التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

{ ولو شئنا لرفعناه بها } أي : لرفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده .

{ ولكنه أخلد إلى الأرض } عبارة عن فعله لما سقطت به منزلته عند الله . { فمثله كمثل الكلب } أي : صفته كصفة الكلب ، وذلك غاية في الخسة والرداءة .

{ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } اللهث هو تنفس بسرعة وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان ، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب ، وهي حالة دائمة للكلب ، ومعنى إن تحمل عليه : إن تفعل معه ما يشق عليه من طرد أو غيره أو تتركه دون أن تحمل عليه ، فهو يلهث على كل حال ، ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال فضلالته على كل حال كما أن لهث الكلب على كل حال ، وقيل : إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقة .

{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي : صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه وكصفة الرجل المشبه به لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا ، وإن تركوا لم يهتدوا ، وشبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم ، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

قوله : { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وابتع هواه } أي لو شاء الله لرفعه بآياته التي آتاها إياه . والمراد بالرفع : ما كان في المنزلة . ومنها : الرفع في شرف الدنيا . ومنها : الرفع في الذكر الجميل والثناء الحميد . أو أن الله أعطاه كل هذه المعاني مجتمعة بان وفقه للعمل بآياته والتي كان قد آتاه إياها ؛ وقيل في تأويل الآية : لو شئنا لأمتناه قبل أن يضل ويعصي ربه ، فرفعناه إلى الجنة بذلك . أي بعمله الذي يستوجب ( الجنة ) { ولاكنه أخلد إلى الأرض } من الإخلاد ، وهو الركون واللزوم . أخلد بالمكان ؛ أي لزمه فاطمأن وسكن{[1579]} . والمعنى : أنه ركن إلى الأرض أو نزع إليها أو مال إلى ملذاتها وشهواتها وزخارفها وعزف عن الحق واليقين الذي كان متلبسا به من قبل أن يضل .

وقوله : { واتبع هواه } وهو الضلال والفسق عن أمر الله نزوعا للدنيا وما فيها من خسائس ومغريات موبقات ، أو كان هواه مع القوم الظالمين الذين حرضوه على الإخلاد للأرض والزيغ عن عقيدة التوحيد ركونا للهوى والأموال والشهوات .

قوله : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث } يلهث من اللهاث بالضم ؛ وهو حر العطش في الجوف . يقال : هو يقاسي لهاث الموت ؛ أي شدته . لهث الكلب لهثا ولهاثا : أخرج لسانه من حر أو عطش{[1580]} . ذلك مثل ضربه الله للذي ضل وغوى وخرج عن ملة الإسلام بعد أن آتاه الله آياته فانسلخ منها . فهو أشبه ما يكون بالكلب الذي دأبه اللهاث ؛ فهو يلهث إذا طردته ، ويلهث إذا تركته .

قال القتبي في هذا الصدد : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب ؛ فغنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال المرض ، وحال الصحة ، وحال الري ، وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل ، وإن تركته ضل ؛ فهو كالكلب إن تركته لهث ، وإن طردته لهث ، وقيل في تأويل الآية : إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ؛ ودبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان .

وتلك هي حال الذي انسلخ من آيات الله وفسق عن دينه بعد علم به وهداية ؛ فإنه صار بذلك من غير فؤاد . أو أن فؤاده بات غليظا أجوف لا مكان فيه للإيمان أو اليقين ؛ فهو سواء وعظ أو لم يوعظ ، لم يأت بخير ؛ لأن قلبه خال من الخير ولا يستسيغه ؛ فهو بذلك ضال مجانب لدين الله . لا تجدي معه النصائح والمواعظ ، ولا تعطف قلبه النواهي والزاجر ، ولا يؤثر فيه الترغيب والترهيب ليثنيه عن فعل المعاصي والموبقات . فمثله في ذلك مثل الكلب اللاهث تماما ؛ إذ يلهث في كل الأحوال . فما أروع هذا التعبير ، وما أكمل هذا التصوير الذي لا يصدر بهذا الجمال والرصانة وقوة التأثير إلا عن حكيم خبير !

وقوله : { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } أي أقصص على المشركين واليهود هذه الأخبار عن نقم الله وما أنزله بالمجرمين المضلين من العقوبات والمثلاث . وكذا قص عليهم خبر أي انسلخ من آيات الله ثم ركن إلى الدنيا والشهوات فانتقم الله منه وهو من جنسهم –أي اليهود- أقصص عليهم هذه الأخبار لعلهم يرجعون إلى عقولهم فيفهمون وينزجرون عن الباطل والضلال .


[1579]:مختار الصحاح ص 184 والمعجم الوسيط جـ 1 ص 249.
[1580]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 841.