الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أي فضلناه وشرفناه ورفعنا منزلته بالآيات . وقال ابن عباس : رفعناه بها .

وقال مجاهد وعطاء : يعني لرفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه .

{ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ } قال سعيد بن جبير : ركن الى الأرض . مجاهد : سكن . مقاتل : رضي بالدنيا . أبو عبيدة : لزمها وأبطأ ، والمخلد من الرجال هو الذي يبطئ شيبه ومن الدواب التي تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه .

قال الزجاج : خلد وأخلد واحد وأجعله من الخلود وهو الدوام والمقام يقال خلد فلان بالمقام إذا أقام به . ومنه قول زهير :

لمن الديار غشيتها بالغرقد *** كالوحي في حجر المسيل المخلد

يعني : المقيم .

وقال مالك بن نويرة :

فما نبأ حيّ من قبائل مالك *** وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

{ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } قال الكلبي : يتبع [ خسيس ] الأمور ويترك معاليها .

وقال أبو روق : اختار الدنيا على الآخرة . وقال ابن زيد : كان هواه مع [ القدم ] قال عطاء : أراد الدنيا وأطاع شيطانه ، وقال يمان : واتبع هواه أي امرأته لأنّها حملته على الخيانة .

{ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } قال مجاهد : هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به ، وقال ابن جريج : الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع .

وروى معمر عن بعضهم قال : هو الكافر ضال إن وعظته أو لم تعظه .

قال ابن عباس : معناه إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تتركه لم يهتدِ بخير كالكلب إن كان [ رابضاً ] لهث وإن طرد لهث . وقال الحسن : هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أو لم يدع وعظ أو لم يوعظ [ كالكلب ] يلهث طرد أو ترك ، قال عطاء : ينبح إن يحمل عليه وإن لم يحمل ، وقال القتيبي : كل شيء يلهث من إعياء أو عطش إلاّ الكلب ، فإنّه يلهث في حال الكلال وحال الراحة ، وحال الصحة وحال المرض ، وحال [ الجوع ] وحال العطش فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته .

فقال : إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته لهث ونظيره قوله { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } [ الأعراف : 193 ] { ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } روى محمد بن إسحاق عن سالم [ أبي الخضر ] قال : يعني مثل بني إسرائيل أي إن جئتهم بخبر ما كان فيهم ما غاب عنك ( لعلهم يتفكرون ) .

فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلاّ نبي يأتيهم خبر السماء