{ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } اختلف العلماء في تأوليها على خمسة أقوال :
أولها : أنها في قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر ، ولذلك لا يجوز إلا في حال الخوف على ظاهر الآية ، وهو قول عائشة وعثمان رضي الله عنهما .
الثاني : أن الآية تقتضي ذلك ولكن يؤخذ القصر في السفر دون الخوف من السنة ، ويؤيد هذا حديث ليعلي بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب إن الله يقول : { إن خفتم } وقد أمن الناس فقال : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر وهو آمن .
الثالث : أن قوله :{ إن خفتم } راجع إلى قوله :{ وإذا كنت فيهم } الآية التي بعد ذلك والواو زائدة وهذا بعيد .
الرابع : أنها في صلاة الخوف على قول من يرى أن تصلي كل طائفة ركعة خاصة ، قال ابن عباس : فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة .
الخامس أنها في صلاة المسايفة ، فالقصر على هذا هو من هيئة الصلاة كقوله : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا }[ البقرة :239 ] وإذا قلنا إنها في القصر في السفر ، فظاهرها أن القصر رخصة ، والإتمام أفضل وهو مذهب الشافعي ، وقال مالك : القصر أفضل ، وقيل : إنهما سواء ، وأوجب أبو حنيفة القصر ، وليس في لفظ الآية ما يدل على مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة ؛ لأن قوله : { إذا ضربتم في الأرض } معناه : السفر مطلقا ، ولذلك أجازت الظاهرية القصر في كل سفر طويل أو قصير ، ومذهب مالك والشافعي أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلا ؛ واحتجوا بآثار عن عمر وابن عباس ، وكذلك ليس في الآية ما يدل على تخصيص القصر بسفر القربة أو السفر المباح دون سفر المعصية ، فإن لفظها مطلق في السفر ولذلك أجاز أبو حنيفة القصر في سفر القربة وفي المباح وفي سفر المعصية ومنعه مالك في سفر المعصية ، ومنعه ابن حنبل في المعصية ، وفي المباح . وللقصر أحكام لا تتعلق بالآية فاضربنا عن ذكرها ، والمراد بالفتنة في هذه الآية القتال أو التعرض بما يكره .
ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة ، و{[22468]}كان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ؛ ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله سبحانه وتعالى : { وإذا ضربتم } أي بالسفر { في الأرض } أيّ سفر كان لغير معصية . ولما كان القصر رخصة غير عزيمة ، بينه بقوله : { فليس عليكم جناح } أي إثم وميل{[22469]} في { أن تقصروا } ولما كان القصر خاصاً ببعض الصلوات ، أتى بالجار لذلك{[22470]} ولإفادة{[22471]} أنه في {[22472]}الكم لا في{[22473]} الكيف فقال : { من الصلاة } أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم ، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات ، وكم يقصر منها من ركعة ، وأن{[22474]} القصر من الكمية {[22475]}لا من الكيفية{[22476]} بالإيماء{[22477]} مثلاً في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له : كيف تقصر وقد أمنا - : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك{[22478]} - ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته " وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه " من " ، وأما الإيماء{[22479]} ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر ، والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها ، وأنه لا يسقطها عن{[22480]} المكلف شيء ، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما ، فهذا سر قوله : { وإن خفتم أن يفتنكم } أي يخالطم مخالطة مزعجة { الذين كفروا } لا{[22481]} أنه شرط في القصر ، كما بينت{[22482]} نفي شرطيته السنة ، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد{[22483]} ، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق{[22484]} بشهادة السنة ؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين{[22485]} ركعتين ، فأتمت بعد الهجرة إشارة{[22486]} إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة ؛ روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
" فرضت الصلاة{[22487]} ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة{[22488]} أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر{[22489]} " .
ولما ذكر الخوف منهم ، علله مشيراً بالإظهار موضع الإضمار ، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما ، أعرق فيه ، أو إلى {[22490]}أن المجبول{[22491]} على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال{[22492]} : { إن الكافرين } أي الراسخين منهم في الكفر { كانوا } أي جبلة وطبعاً . ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله : { لكم } دون عليكم { عدواً } ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال : { مبيناً } أي ظاهر العداوة ، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلاً ، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها ، ولولا أنها لا رخصة{[22493]} فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة ، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت بالتأخير ، ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت{[22494]} من الوقت وغيره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.