تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ} (63)

قوله تعالى : { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ } { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ } هذا ما يقولون في الآخرة في النار . هذا ليلزمهم الحجة وإلا { تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } [ الأعراف : 172 ] لأن هذه السورة مكية نزلت محاجة أهل مكة في إثبات التوحيد وإثبات الرسالة وإثبات البعث ، وإثبات البعث ، لأنهم كانوا على فرق ثلاث : منهم من ينكر التوحيد ، ومنهم من ينكر الرسالة ومنهم من ينكر البعث .

فذكر الآية المتقدمة لإثبات الرسالة في ما تقدم ، وذكرحجج البعث في هذه الآيات وحجج التوحيد في آخره . ذكر ذلك كله ليلزمهم الحجة ، وإن أنكروا ذلك لئلا يقولوا : { إنا كنا عن هذا غافلين } [ الأعراف : 172 ] .

ثم في هذه الآية دلالة أن عقوبة الله قد تلزم ، وإن لم يتحقق عنده الحق ، ولم يعرفه حقيقة حين أخبر أنهم يقولون في النار ما ذكر عز وجل : { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } لأنه معلوم أنهم لو علموا حقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا على حق ما تركوا اتباعه ، ولا سخروا منهم .

وعلى ذلك تخرج مباهلة أبي جهل يوم بدر حين قال : اللهم أينا أوصل رحما وأكثر كذا على ما ذكر فانظر إليه . ومعلوم أنه لو كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حق لكان لا يجترئ على المباهلة .

دل أنه لم يعلم حقيقة أنه على حق ، فعوقبوا ، وإن لم يعلموا لما أمكن لهم من العلم والمعرفة ، لو تأملوا ، وأحسنوا النظر في ذلك ، والله أعلم .

ثم قوله عز وجل : { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } قال أهل التأويل : إنهم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم في دينهم ، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ، ويسخرون منهم . يقولون : كنا نسخر منهم في الدنيا ، فأين هم ؟ وما لنا لا نراهم ؟ أم زاغت عنهم الأبصار ، أي حارت ، وشغلت أبصارنا ، فلا نراهم .

لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل ، ولكن يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم والسخرية منهم ، قد ظهر عندهم أن أولئك كانوا على حق ؛ أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأنهم على باطل .

فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على غير التلهف والتندم ، وقد عرفوا بماذا عذبوا ، وجعلوا في النار ؛ عرفوا أنهم يكذبون في النار ؛ يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كانوا على خلاف ما كان أولئك الكفرة ، والله أعلم .

أو أن يقولوا ذلك على الاستعانة بهم ؛ يقولون : أين أولئك الذي كانوا { أتخذناهم سخريا } في الدنيا : لعلهم يشفعون لنا ، فيغيثوننا ؟ يطمعون بالنجاة إذا اتبعناهم في ذلك الوقت أو نحو ذلك كقوله عز وجل : { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } [ الحجر : 2 ] وهذا الذي ذكرنا هو أشبه بما يقوله أهل التأويل ، والله أعلم .