الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (150)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام}: يعني الحرم كله، فإنه مسجد كله.

{وحيث ما كنتم}: من الأرض.

{فولوا وجوهكم شطره}: يعني فحولوا وجوهكم تلقاءه.

{لئلا يكون للناس عليكم حجة}: يعني اليهود في أن الكعبة هي القبلة ولا حجة لهم عليكم في انصرافكم إليها، ثم استثنى، فقال:

{إلا الذين ظلموا منهم}، يعني من الناس، يعني مشركي العرب، وذلك أن مشركي مكة قالوا: إن الكعبة هي القبلة، فما بال محمد تركها وكانت لهم في ذلك حجة، يقول الله عز وجل:

{فلا تخشوهم}: أن يكون لهم عليكم حجة في شيء غيرها.

{واخشوني}: في ترك أمري في أمر القبلة، ثم قال عز وجل:

{ولأتم نعمتي عليكم}: في انصرافكم إلى الكعبة وهي القبلة.

{ولعلكم}: ولكي

{تهتدون}: من الضلالة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام": من أيّ مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فولّ وجهك تلقاء المسجد الحرام وهو شطره.

"وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ": وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده.

"لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي".

فقال جماعة من أهل التأويل: عنى الله تعالى بالناس في قوله: "لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ": أهل الكتاب... قالوا حين صرف نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه...

فإن قال قائل: فأية حجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما رُوي في ذلك، قيل إنهم كانوا يقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين. وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه: "لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ "يعني بالناس: الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.

"إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ": فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوّله أهل التأويل.

فإن قال قائل: وأية حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به أو نهاهم عنه؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إليه، وإنما الحجة في هذا الموضع الخصومة والجدال. ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة، غير مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى باطلة وخصومة بغير حقّ بقيلهم لكم: رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. فذلك من قولهم وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة... وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله: "إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ": ولا الذين ظلموا منهم، وأن «إلا» بمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحوّلهم نحو الكعبة بوجوههم مبينا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك: "إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ": إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يضاف إليه، أو يوصف به. هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا» إلى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة (إلا) في شيء من كلامها بمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها.

وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تخشوهم، كقول القائل في كلامه: الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم المعتدي عليك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الحمد لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سمي ظالما لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدا على خطأ مقالته إجماعهم على تخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلموا هَهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى، فكانوا يحتجون على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأما سائر العرب فلم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتجّ منكسرة لأنك تقول لمن تريد أن تكسر عليه حجته: إن لك عليّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتحتجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجّه معنى: "إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ "إلى معنى: إلا الذين ظلموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم عليكم حجة واهية أو حجة ضعيفة.

ووَهْيُ قول من قال: «إلا» في هذا الموضع بمعنى «لكن»، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم، لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلموا منهم أنهم يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصد في ذلك إلى الخبر عن صفة حجتهم بالضعف ولا بالقوّة وإن كانت ضعيفة لأنها باطلة وإنما قصد فيه الإثبات للذين ظلموا ما قد نفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة...

"فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي": يعني فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لكم أمرهم من الظّلَمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون من أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، أو أن يقدروا لكم على ضرّ في دينكم أو صدّكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق ولكن اخشوني، فخافوا عقابي في خلافكم أمري إن خالفتموه. وذلك من الله جل ثناؤه تقدّمٌ إلى عباده المؤمنين بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها، وبالنهي عن التوجه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشوني أيها المؤمنون في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شطر المسجد الحرام... لا تخشوا أن أردكم في دينهم.

"وَلأتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ": ومن حيث خرجت من البلاد والأرض إلى أيّ بقعة شخصت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث كنت يا محمد والمؤمنون، فولوا وجوهكم في صلاتكم شطره، واتخذوه قبلة لكم، كيلا يكون لأحد من الناس سوى مشركي قريش حجة، ولأتمّ بذلك من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام الذي جعلته إماما للناس نعمتي فأكمل لكم به فضلي عليكم، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيت بها نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم. وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناؤه أنه متمّها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه.

"وَلَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ": وكي ترشدوا للصواب من القبلة.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني}: أي لا تخشوا الذين ظلموا في الضرر لكم، ولكن اخشوني في ترككم إياها، ويقال: لا تخشوهم بالقتال والغلبة؛ فذلك لهم منة أمن من الأعداء.

وعلى هذا يخرج قوله: {ولأتم نعمتي عليكم} يعني الأمن من الأعداء.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

ومعنى الحجة في هذين القولين: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]: أي لا خصومة، وقوله {أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} [البقرة: 139] وليحاجوكم وتحاجون وحاججتم كلّها بمعنى المجادلة والمخاصمة لا بمعنى الدليل والبرهان،

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

ثم قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمُ} ليس يريد أن لهم عليكم حجة. وفيه قولان: أحدهما: أن المعنى، ولكن الذين ظلموا قد يحتجون عليكم بأباطيل الحجج، وقد ينطلق اسم الحجة على ما بطل منها، لإقامتها في التعلق بها مقام الصحيح حتى يظهر فسادها لمن علم، مع خفائها على من جهل، كما قال تعالى {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ}.

والقول الثاني: أن المعنى لِئَلاَّ يكون للناس عليكم حُجَّةٌ بعد الذين ظلموا، فتكون (إلاّ) بمعنى (بعد) كما قيل في قوله تعالى: {وَلاَ تَنكَحُوا مَا نَكَحَ آبَاءُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] أي بعدما قد سلف. وكما قيل في قوله تعالى: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوتَ إِلاَّ المَوتَةَ الأولى} [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأولى...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني} فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم "واخشوني". يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم،

وهذه الآية تدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب الله، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء البتة، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم...

فإن قيل: إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية: {ولأتم نعمتي عليكم} قلنا: تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به... وعن علي رضي الله عنه: تمام النعمة الموت على الإسلام...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

وإتمام النعمة بما هداهم إليه من القبلة، أو بما أعدّه لهم من ثواب الطاعة، أو بما حصل للعرب من الشرف بتحويل القبلة إلى الكعبة، أو بإبطال حجج المحتجين عليهم، أو بإدخالهم الجنة... أو النعمة سنة الإسلام، والقرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم، والستر، والعافية، والغنى عن الناس؛ أو بشرائع الملة الحنيفية، أقوال ثمانية صدرت مصدر المثال، لا مصدر التعيين، وكل فيها نعمة. {ولعلكم تهتدون}: لتكونوا على رجاء إدامة هدايتي إياكم على استقبال الكعبة، أو لكي تهتدوا إلى قبلة أبيكم إبراهيم، والظاهر رجاء الهداية مطلقاً.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

والآية ترشدنا إلى أن صاحب الحق هو الذي يُخشى جانبه وأن المبطل لا ينبغي أن يخشى، فإن الحق يعلو ولا يعلى، وما آفة الحق إلا ترك أهله له، وخوفهم من أهل الباطل فيه. وذكر الأستاذ الإمام هنا من له شبهة حق كصاحب النية السليمة يشبه عليه الأمر فيترك الحق لأنه عمي عليه، ولو ظهر له لأخذ به، وهو أيضا لا يخشى جانبه خلافا لما فهم بعض الطلاب من كلام الأستاذ، وإنما استثناه من مشاركة الظالمين في عدم المبالاة به، فأولئك لا يخشون ولا يبالون بهم، وهذا لا يخشى على الحق ولكنه يبالي به، ويعتني بأمره، بتوضيح السبيل، وتفصيل الدليل، لما يرجى من قرب رجوعه إليه إذا عرفه...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات. منها:

الأمر بها، ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة،

ومنها: أن المعهود، أن الأمر، إما أن يكون للرسول، فتدخل فيه الأمة تبعا، أو للأمة عموما، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} والأمة عموما في قوله: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}

ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة، كما تقدم توضيحها،

ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب،

ومنها قوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}

ومنها: أنه أخبر -وهو العالم بالخفيات- أن أهل الكتاب متقرر عندهم، صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون)... وهو تذكير موح، وإطماع دافع، وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم.. ولقد كانت النعمة التي يذكرهم بها حاضرة بين أيديهم، يدركونها في أنفسهم، ويدركونها في حياتهم، ويدركونها في مجتمعهم وموقفهم في الأرض ومكانهم في الوجود.. كانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية بظلامها ورجسها وجهالتها، ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى نور الإيمان وطهارته ومعرفته. فهم يجدون في أنفسهم أثر النعمة جديدا واضحا عميقا. وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية قبائل متناحرة، ذات أهداف صغيرة واهتمامات محدودة. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى الوحدة تحت راية العقيدة، وإلى القوة والمنعة، وإلى الغايات الرفيعة والاهتمامات الكبيرة التي تتعلق بشأن البشرية كلها لا بشأن ثأر في قبيلة! فهم يجدون أثر النعمة من حولهم كما وجدوه في أنفسهم. وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية في مجتمع هابط دنس مشوش التصورات مضطرب القيم.. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى مجتمع الإسلام النظيف الرفيع، الواضح التصور والاعتقاد، المستقيم القيم والموازين.. فهم يجدون أثر النعمة في حياتهم العامة كما وجدوه في قلوبهم وفي مكانهم من الأمم حولهم...

ونجد في تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديدا في كل مرة..

في المرة الأولى كان الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام استجابة لرغبة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تقلب وجهه في السماء وضراعته الصامتة إلى ربه..

وفي الثانية كان لإثبات أنه الحق من ربه يوافق الرغبة والضراعة..

وفي الثالثة كان لقطع حجة الناس، والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجة..

ولكننا -مع هذا- نلمح وراء التكرار أنه كانت هناك حالة واقعة في الصف الإسلامي تستدعي هذا التكرار، وهذا التوكيد، وهذا البيان، وهذا التعليل، مما يشي بضخامة حملة الأضاليل والأباطيل، وأثرها في بعض القلوب والنفوس. هذا الأثر الذي كان يعالجه القرآن الكريم؛ ثم تبقى النصوص بعد ذلك على مدى الزمان تعالج مثل هذه الحالة في شتى صورها؛ في المعركة الدائبة التي لا تهدأ ولا تفتر ولا تلين!...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون}.. تمام النعمة هو الإيمان وتمام النعمة هو تنفيذ مطلوبات الإيمان.. فإذا هدانا الله للإيمان فهذا من تمام نعمه علينا. ولكي يكون الإيمان صحيحا ومقبولا فلابد أن أؤدي مطالبه والمداومة على تنفيذ تكليفات الله لنا، فلا نجعل التكليف ينقطع. لأن التكليف نعمة بغيرها لا تصلح حياتنا ولا تتوالى نعم التكليف من الله سبحانه وتعالى إلا إذا أقبلنا على منهج بعشق.. وأنت حينما تأتي إلى المنهج قد يكون شاقا، ولكن إذا تذكرت ثواب كل طاعة فإنك ستخشع وتعشق التكليف.. لأنك تعرف العمل الصالح بثوابه والعمل في المعصية بعقابه...

{ولعلكم تهتدون}.. الهداية هي الطريق المستقيم الموصل إلى الغاية وهو أقصر الطرق، وغاية هذه الحياة هي أن تصل إلى نعيم الآخرة.. الله أعطاك في الدنيا الأسباب لتحكم حركة حياتك ولكن هذه ليست غاية الحياة.. بل الغاية أن نذهب إلى حياة بلا أسباب وهذه هي عظمة قدرة الله سبحانه وتعالى.. والله جل جلاله يأتي ليعلمنا في الآخرة أنه خلقنا لنعيش في الدنيا بالأسباب وفي الآخرة لنعيش في كنفه بلا أسباب. إذن قوله تعالى: {ولعلكم تهتدون}.. أي لعلكم تنتبهون وتعرفون الغاية المطلوبة منكم.. ولا يظن أحدكم أن الحياة الدنيا هي الغاية أو هي النهاية أو هي الهدف.. فيعمل من أجل الدنيا فيأخذ منها ما يستطيع حلالا أو حراما باعتبارها المتعة الوحيدة المخلوقة له.. نقول لا، إنه في هذه الحالة يكون قد ضل ولم يهتد لأنه لو اهتدى لعرف أن الحياة الحقيقية للإنسان هي في الآخرة. ولعرف أن نعيم الآخرة الذي لا تفوته ولا يفوتك.. يجب أن يكون هدفنا في الحياة الدنيا فنعمل ما نستطيع لنصل إلى النعيم بلا أسباب في الجنة...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (150)

{ ومن حيث خرجت } أي من بقاع الأرض للصلاة بأمتك { فول وجهك } أي اجعله يلي { شطر } أي عين{[5573]} { المسجد الحرام } .

ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض في حقه صلى الله عليه وسلم حتم لا فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم وربأ{[5574]} بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو باطل فقال : { وحيث ما كنتم } أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية . قال الحرالي : وذكر في أمته بالكون لا بالخروج إشعاراً بتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم{[5575]} في جلوتهم - انتهى .

فولوا وجوهكم } أي اجعلوها والية{[5576]} { شطره } للصلاة . قال الحرالي : وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم{[5577]} فرادى وفي بيوتكم{[5578]} ، كما قال : إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت في أهلك ، بخلافه هو صلى الله عليه وسلم فإن صلاته لا تقع إلا جمعاً من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام{[5579]} {[5580]}لا تقع صلاته{[5581]} فذا - انتهى .

ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين سبحانه وتعالى أن الأمر بخلاف ذلك فقال : { لئلا يكون للناس } أي لأحد{[5582]} منهم { عليكم حجة } بأن يقولوا : النبي{[5583]} المبشر به يستقبل{[5584]} بيت إبراهيم عليه {[5585]}الصلاة و{[5586]}السلام ثم لا{[5587]} يتحول عنه وهذا لم يفعل ، {[5588]}أو يقولوا : ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع لنا في قبلتنا{[5589]} .

ولما كانت الحجة كلاماً ينشأ عن مقدمات يقينية{[5590]} مركبة تركيباً صحيحاً وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال : { إلا الذين } أي الناس الذين { ظلموا منهم } فإنهم لعنادهم{[5591]} ولددهم لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش{[5592]} في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام ، ويكون الاستثناء {[5593]}على هذا{[5594]} منقطعاً{[5595]} بمعنى{[5596]} : لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ظلموا يقولون أو{[5597]} يظهرون فجوراً{[5598]} ولدداً في ذلك كلاماً يسمونه حجة ، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع{[5599]} بصورة الاستثناء الحث على الثبات على أمر الله {[5600]}سبحانه وتعالى{[5601]} والإعراض عمن خالفه نظراً إلى ما تأصل من إبطاله واستحضاراً لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى أمره ويصعب على بعض المحقين{[5602]} حله حتى يظن حجة ؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلاً ، قال السفاقسي{[5603]} : ومثار{[5604]} الخلاف هل الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - انتهى{[5605]} . ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة ، {[5606]}و { الذين ظلموا } إن أريد بهم اليهود فهم يقولون : ما رجع إلى الكعبة إلا{[5607]} محبة لبلده ، ولو كان في قبلتنا على أمر من الله سبحانه{[5608]} ما تحول عنه ، وإن كان المشركين فهم يقولون : قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم . ولما نفى{[5609]} عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله : { فلا تخشوهم } أي في هذا الأمر ولا غيره ، فإني أرد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم{[5610]} . ولما تبين أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذراً من مخالفته في شيء من الأشياء فقال : { واخشوني{[5611]} } ثم عطف على علة{[5612]} الاستقبال قوله : { ولأتم } أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين ونعيمهما الذي من {[5613]}جملته هذا{[5614]} الاستقبال { نعمتي عليكم } بالتمكين من الحجج وغيره من أمور الدين حين{[5615]} أنزل عليكم آية { اليوم أكملت لكم دينكم{[5616]} }[ المائدة : 3 ] كما أتممتها على إبراهيم خليلي صاحب هذا البيت الذي وجهتكم إليه . قال الحرالي : وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين{[5617]} فتح الله بهم له{[5618]} مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى . { ولعلكم تهتدون } أي ولتكونوا على رجاء عند أنفسكم ومن يراكم ممن لا يعلم العواقب من أن تهتدوا{[5619]} إلى الثبات{[5620]} على هذه القبلة وغيرها من أمر هذا الدين بسبب خشيتي فإنها جالبة لكل خير ودافعة لكل ضير . قال الحرالي : وفي كلمة { لعل }{[5621]} على ما تقدم إيهام يشعر{[5622]} بتصنيفهم صنفين : مهتد للثبات على السنة ، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة ، لما ذكر من أن ما هو للخلق تردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف ، ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع قوم عن ذلك التمادي بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي ، وفي طيه{[5623]} إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقسامهم فيه بين ثابت عليه دائم الاهتداء فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده وردة من ارتد - انتهى .


[5573]:من م ومد و ظ، ووقع في الأصل: غير –كذا مصحفا.
[5574]:هكذا في الأصل ومد بمعنى إعلاء، وفي ظ، ريأ، وكتب فوقه: إعلانا وفي م: ربشا -كذا
[5575]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: كمحالهم.
[5576]:من م و ظ، وفي الأصل ومد: واليه
[5577]:ذا في الأصل، وفي م و ظ ومد: صلواتهم
[5578]:كذا في الأصل، وفي م و ظ ومد: بيوتهم.
[5579]:زيد في م: وإن
[5580]:في م: صلاته لا تقع
[5581]:في م: صلاته لا تقع
[5582]:ليس في م
[5583]:في م ومد: الشي -كذا
[5584]:زيد في م: به
[5585]:ليس في م
[5586]:ليس في م
[5587]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: لم
[5588]:ليست في ظ. وفي البحر المحيط 1/ 441: والناس قيل هو عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل اليهود وحجتهم قولهم: يخالفنا محمد في قبلتنا وقد كان يتبعها، أو لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه أنه حق إلا برأيه ويزعم أنه أمر به، أو ما درى وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم؛ وقيل مشركو العرب وحجتهم قولهم: قد رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا حين صار يستقبل القبلة ليست في ظ. وفي البحر المحيط 1/ 441: والناس قيل هو عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل اليهود وحجتهم قولهم: يخالفنا محمد في قبلتنا وقد كان يتبعها، أولم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه أنه حق إلا برأيه ويزعم أنه أمر به، أو ما درى وأصحابه أين قبلتهمحتى هديناهم؛ وقيل مشركو العرب وحجتهم قولهم: قد رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا حين
[5589]:ار يستقبل القبلة
[5590]:ن م ومد و ظ، وفي الأصل: يقينه - كذا
[5591]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: بعنادهم
[5592]:من م و ظ، وفي الأصل: ماس -كذا
[5593]:ليس في م ومد
[5594]:ليس في م ومد
[5595]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: مطلقا
[5596]:ليس في م ومد
[5597]:في ظ: و
[5598]:في م ومد فخورا.
[5599]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: الانقطار -كذا
[5600]:ليست في م و ظ
[5601]:لست في م و ظ
[5602]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: المخفين -كذا
[5603]:في م: السفاقسي
[5604]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: مثال
[5605]:وفي البحر المحيط 1/ 441: ونقل السجاوندي عن أبي بكر ابن مجاهد أنه قرأ "إلى الذين" جعلها حرف جر وتأولها بمعنى مع، وأما على قرأة الجمهور فالاستثناء متصل قاله ابن عباس وغيره واختاره الطبري وبدأ به ابن عطية ولم يذكر الزمخشري غيره وذلك أنه متى أمكن الاستثناء المتصل إمكانا حسنا كان أولى من غيره، وفي المد من البحر 1/ 441: وقرئ "إلا" حرف استفتاح و"الذين ظلموا" مبتدأ خبره "فلا تخشوهم".
[5606]:العبارة من هنا إلى "إن يدين دينكم" ليست في ظ
[5607]:من م ومد، وفي الأصل: إلى
[5608]:ليس في م
[5609]:في م: لقي -كذا
[5610]:قال المهائمي 1/ 64: {فلا تخشوهم} أن يقولوا: خالفتم قبلة إبراهيم، لأن هذا القول منهم يخالف ما تواتر من قبلة إبراهيم. وقال أبو حيان الأندلسي 1/ 442: هذا فيه تحقير لشأنهم وأمر باطراحهم ومراعاة لأمره تعالى... ونهى عن خشيتهم فيما يزخرفونه من الكلام الباطل فإنهم لا يقدرون على نفع وضر وأمر بخشيته في ترك ما أمرهم به من التوجه إلى المسجد الحرام
[5611]:في الأصول: واخشون
[5612]:في م: الجملة.
[5613]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: جملة هذه
[5614]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: جملة هذه
[5615]:في م: حتى
[5616]:سورة آية 3
[5617]:في ظ: الذي
[5618]:ليس في ظ
[5619]:في ظ ومد: يهتدوا
[5620]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: الكتاب.
[5621]:قال أبو حيان الأندلسي 1/ 64: والمعنى لتكونوا على رجاء إدامة هدايتي إياكم استقبال الكعبة أو لكي تهتدوا إلى قبلة أبيكم إبراهيم، والظاهر رجاء الهداية مطلقا.وقال المهائمي: تهتدون للصراط المستقيم بالتوجه إليها لاستلزامه التوجه إلى الباطن فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة.
[5622]:ليس في ظ
[5623]:في م: طيهم