تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم بين على من ينفق، فقال: النفقة {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله}: حبسوا {الذين أحصروا}: حبسوا أنفسهم بالمدينة في طاعة الله عز وجل، فهم أصحاب الصفة... منهم ابن مسعود، وأبو هريرة، والموالي أربعمائة رجل لا أموال لهم بالمدينة، فإذا كان الليل أوَوْا إلى صفَّة المسجد، فأمر الله عز وجل بالنفقة عليهم، {لا يستطيعون ضربا في الأرض}: سيرا، يعني التجارة.
{يحسبهم الجاهل} بأمرهم وشأنهم {أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم} بسيما الفقر عليهم لتركهم المسألة، {لا يسئلون الناس إلحافا} فيلحفون في المسألة.
{وما تنفقوا من خير}: من مال للفقراء أصحاب الصفة. {فإن الله به عليم}: بما أنفقتم عليم...
أخرج مالك عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا).
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
أما قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ} فبيان من الله عزّ وجلّ عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.
وقيل: إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء. {الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ}: الذين جعلهم جهادهم عدوّهم يحصرون أنفسهم فيحبسونها عن التصرف فلا يستطيعون تصرّفا. وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الإحصار: تصيير الرجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوّه، وغير ذلك من علله إلى حالة يحبس نفسه فيها عن التصرّف في أسبابه بما فيه الكفاية فيما مضى قبل.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.. قال ابن زيد في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ} قال: كانت الأرض كلها كفرا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله، إذا خرج خرج في كفر. وقيل: كانت الأرض كلها حربا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجهون جهة إلا لهم فيها عدوّ، فقال الله عزّ وجلّ: {لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ}... الآية كانوا ههنا في سبيل الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرّف... عن السدي: {لِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ}: حصرهم المشركون في المدينة.
ولو كان تأويل الآية على ما تأوّله السدي، لكان الكلام: للفقراء الذين حصروا في سبيل الله، ولكنه «أحصروا»، فدلّ ذلك على أن خوفهم من العدوّ الذي صير هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبسوا وهم في سبيل الله أنفسهم، لا أن العدوّ هم كانوا الحابسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدوّ: حصره العدوّ، وإذا كان الرجل المحبس من خوف العدوّ قيل: أحصره خوف العدوّ.
{لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ}: لا يستطيعون تقلبا في الأرض، وسفرا في البلاد، ابتغاء المعاش وطلب المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات رهبة العدوّ، وخوفا على أنفسهم منهم... حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدوّ، فلا يستطيعون تجارة.
حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا فِي الأرْضِ} يعني التجارة.
{يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التّعَفّفِ}: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم عن المسألة وتركهم التعرّض لما في أيدي الناس صبرا منهم على البأساء والضرّاء.
{مِنَ التّعَفّفِ}: من ترك مسألة الناس. {تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ}: تعرفهم يا محمد بسيماهم، يعني بعلامتهم وآثارهم، من قول الله عزّ وجلّ: {سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السّجُودِ} هذه لغة قريش، ومن العرب من يقول: «بسيمائهم» فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسد، فإنهم يقولون:«بسيميائهم.
وقد اختلف أهل التأويل في السيما التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفت صفتهم وأنهم يعرفون بها؛ فقال بعضهم: هو التخشع والتواضع. وقال آخرون يعني بذلك: تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم.
وقال آخرون: معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم، وقالوا: الجوع خفيّ. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان، فيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة.
وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضرّ في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضرّ بالمعاينة دون الوصف، وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظر آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغنيّ ذو المال الكثير الثياب الرثة، فيتزيا بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختلّ ذو فاقة، وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته.
{لاَ يَسألُونَ النّاسَ إلْحافا}: يقال: قد ألحف السائل في مسألته إذا ألحّ، فهو يلحف فيها إلحافا.
فإن قال قائل: أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف؟ قيل: غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة، إلحافا أو غير إلحاف، وذلك أن الله عزّ وجلّ وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف، وأنهم إنما كانوا يعرفون بسيماهم، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفف، ولم يكن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة، وكانت المسألة الظاهرة تنبئ عن حالهم وأمرهم. وفي الخبر الذي:
حدثنا به بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد الخدري، قال: أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته. فانطلقت إليه مُعْنقا، فكان أوّل ما واجهني به: «مَنْ اسْتَعَفّ أعَفّهُ الله، ومَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ الله، ومَنْ سَأَلَنا لَمْ نَدّخِرْ عَنْهُ شَيْئا نَجِدُهُ»، قال: فرجعت إلى نفسي، فقلت: ألا أستعفّ فيعفني الله! فرجعت فما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة حتى مالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله.
الدلالة الواضحة على أن التعفف معنى ينفي معنى المسألة من الشخص الواحد، وأن من كان موصوفا بالتعفف فغير موصوف بالمسألة إلحافا أو غير إلحاف.
فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحافا} وهم لا يسألون الناس إلحافا أو غير إلحاف؟ قيل له: وجه ذلك أن الله تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف وعرّف عباده أنهم ليسوا أهل مسألة بحال بقوله: {يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِيَاءَ مِنَ التّعَفّفِ} وأنهم إنما يعرفون بالسيما، زاد عباده إبانة لأمرهم، وحسن ثناء عليهم بنفي الشره والضراعة التي تكون في الملحّين من السؤال عنهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{تعرفهم بسيماهم}... أي بتحملهم {لا يسألون الناس إلحافا} إي إلحاحا ولا غير إلحاح...
{أحصروا في سبيل الله}... الإحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة، فإذا منعه العدو قيل أحْصَرَهُ... وفي هذه الآية دلالة على أن من له ثياب الكسوة ذات قيمة كثيرة لا تمنعه إعطاء الزكاة، لأن الله تعالى قد أمَرَنا بإعطاء الزكاة مَنْ ظاهر حاله مُشْبِهٌ لأحوال الأغنياء. ويدلّ على أن الصحيح الجسم جائز أن يُعْطَى من الزكاة، لأن الله تعالى أمر بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين كانوا يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين ولم يكونوا مَرْضَى ولا عُمياناً...
{تعرفهم بسيماهم}... السِّيما العلامة... قال الله تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح: 29] يعني علامتهم. فجائز أن تكون العلامة المذكورة في قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم} ما يظهر في وجه الإنسان من كسوف البال وسوء الحال، وإن كانت بزتهم وثيابهم وظاهر هيئتهم حسنة جميلة؛ وجائز أن يكون الله تعالى قد جَعَل لنبيه عَلَماً يستدلّ به إذا رآهم عليه على فقرهم؛ وإن كنا لا نعرف ذلك منهم إلا بظهور المسألة منهم أو بما يظهر من بذاذة هيئتهم... وهذا يدلّ على أن لما يظهر من السِّيما حظّاً في اعتبار حال من يظهر ذلك عليه... ونظيرُهُ أيضاً قوله تعالى: {إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 26و 27] فاعتبر العلامة؛ ومن نحوه قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لَحْن القول} [محمد: 30] وإخوة يوسف عليه السلام لَطَّخوا قميصه بدمٍ وجعلوه علامة لصدقهم، قال الله تعالى: {وجاؤوا على قميصه بدم كذب}
{لا يسألون الناس إلحافاً} يعني والله أعلم: إلحاحاً وإدامةً للمسألة؛ لأن الإلحاف في المسألة هو الاستقصاء فيها وإدامتها، وهذا يدل على كراهة الإلحاف في المسألة...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} فيه وجهان: أحدهما: أن يسأل وله كفاية. والثاني: أنه الاشتمال بالمسألة، ومنه اشتق اسم اللحاف.
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
قول الله تعالى هو الحجة في اللغة والشريعة قال الله تعالى {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية إذ منع الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتمام عمرته، وسمى الله تعالى منع العدو إحصارا...
فصح أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وأنهما إسمان يقعان على كل مانع من عدو، أو مرض، أو غير ذلك أي شيء كان...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
اعمدوا للفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء، كقوله تعالى: {في تسع آيات} [النمل: 12] ويجوز أن يكون: صدقاتكم للفقراء...
و {الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} هم الذين أحصرهم الجهاد {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم به {ضَرْبًا فِي الأرض} للكسب. وقيل هم أصحاب الصفة، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار. وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا} سَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْفَقْرِ فِي آيَةِ الصَّدَقَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ هُمْ؟ قِيلَ: هُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَيُحْكَى عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُعْطَى لِكَافِرٍ، وَمَعْنَاهُ صَدَقَةُ الْفَرْضِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ} قِيلَ: هُوَ الْخُشُوعُ. وَقِيلَ: الْخَصَاصَةُ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْخُشُوعَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْغِنَى قَالَ تَعَالَى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} فَعَمَّ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا} ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَإِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يَفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ».
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْوَاجِبُ عَلَى مُعْطِي الصَّدَقَةِ كَانَ إمَامًا أَوْ مَالِكًا أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَالَ النَّاسِ، فَمَنْ عَلِمَ فِيهِ صَبْرًا عَلَى الْخَصَاصَةِ وَتَحَلِّيًا بِالْقَنَاعَةِ آثَرَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ، فَرُبَّمَا وَقَعَ فِي التَّسَخُّطِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ: «إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ».
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: {إلْحَافًا}. مَعْنَاهُ الشُّمُولُ بِالْمَسْأَلَةِ إمَّا لِلنَّاسِ، وَإِمَّا فِي الْأَمْوَالِ؛ فَيَسْأَلُ مِنَ النَّاسِ جَمَاعَةً، وَيَسْأَلُ مِنَ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَبِنَاءُ
" لُحِفَ "لِلشُّمُولِ، وَمِنْهُ اللِّحَافُ؛ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَشْتَمِلُ بِهِ، وَنَحْوُهُ الْإِلْحَاحُ؛ يُقَالُ: أَلْحَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إذَا شَمِلَ رِجَالًا أَوْ مَالًا، وَأَلَحَّ فِيهَا إذَا كَرَّرَهَا...
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجُ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا كَارِهٌ فَيُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ». وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «نَزَلْت أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَقَالَ لِي أَهْلِي: اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ، وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْت عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيك. فَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ، وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرُك إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَلَّا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ، مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا. فَقَالَ الْأَسَدِيُّ: لَلَقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ»... فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُلْحِفَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الرَّجُلَ بَعْدَمَا رَدَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنِ السُّؤَالِ، إلَّا أَنْ يَسْأَلَ زَائِدًا عَلَى مَا عِنْدَهُ، وَيُغْنِيهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَسَمِعْت بِجَامِعِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ رَجُلًا يَقُولُ: هَذَا أَخُوكُمْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مَعَكُمْ، وَلَيْسَ لَهُ ثِيَابٌ يُقِيمُ بِهَا سُنَّةَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى رَأَيْت عَلَيْهِ ثِيَابًا جُدُدًا، فَقِيلَ لِي: كَسَاهُ إيَّاهَا فُلَانٌ لِأَخْذِ الثَّنَاءِ بِهَا. وَيُكَرِّرُ الْمَسْأَلَةَ إذَا رَدَّهُ الْمَسْئُولُ وَالسَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا سَأَلَهُ إيَّاهُ أَوْ جَاهِلٌ بِحَالِهِ، فَيُعِيدُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ إعْذَارًا أَوْ إنْذَارًا ثَلَاثًا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الحسبان هو الظن، وقوله {الجاهل} لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار...
لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :
{وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} يعني أن الله تعالى يعلم مقادير الإنفاق ويجازي عليها ففيه حث على الصدقة والإنفاق في الطاعة...
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
ذكر سبحانه المصرف الذي توضع فيه الصدقة، فقال تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا}. فوصفهم بست صفات: إحداها: الفقر.
الثانية: حبسهم أنفسهم في سبيله تعالى وجهاد أعدائه، ونصر دينه، وأصل الحصر: «المنع»، فمنعوا أنفسهم من تصرفها في أشغال الدنيا، وقصروها على بذلها لله في سبيله.
الثالثة: عجزهم عن الأسفار للتكسب، (والضرب في الأرض): هو السفر. قال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20] وقال تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101].
الرابعة: شدة تعففهم. وهو حسن صبرهم، وإظهارهم الغنى. حتى يحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم، وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم.
الخامسة: أنهم يعرفون بسيماهم. وهي العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم الله بها. وهذا لا ينافي حسبان الجاهل أنهم أغنياء، لأن الجاهل له ظاهر الأمر، والعارف: هو المتوسم المتفرس الذي يعرف الناس بسيماهم. فالمتوسمون خواص للمؤمنين، كما قال تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75].
السادسة: تركهم مسألة الناس، فلا يسألونهم شيئا، والإلحاف: هو الإلحاح والنفي متسلط عليهما معا، أي لا يسألون ولا يلحفون، فليس يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف.
وفيه: كالتنبيه على أن المذموم من السؤال: هو سؤال الإلحاف. فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم. فهذه ست صفات للمستحقين للصدقة فألغاها أكثر الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر وزيه من غير حقيقته. وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها، ومن يعرفهم أعز. والله يختص بتوفيقه من يشاء، فهؤلاء هم المحسنون في أموالهم.
القسم الثاني: (الظالمون)، وهم ضد هؤلاء، وهم الذين يذبحون المحتاج المضطر، فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له. وهم أهل الربا. فذكرهم تعالى بعد هذا فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278]. فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية، وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم. والمعلق على شرط منتف عند انتفائه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{يحسبهم الجاهل} أي الذي ليس عنده فطنة الخلص {أغنياء من} أجل {التعفف} عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه وشرف نفس، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه -قاله الحرالي...
ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: {تعرفهم} أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك {بسيماهم} قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر...
وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك {لا يسئلون} لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق {الناس} من ملك ولا غيره {إلحافاً} سؤال إلزام، أخذاً من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي لازمه...
ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال: {وما تنفقوا من خير} أي في أي وقت أنفقتموه {فإن الله} أي المستجمع لصفات الكمال {به عليم} وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء أوعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
(قال) [الأستاذ] أولئك الذين نزلت فيهم الآية كانوا من الذين هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها فهم محصرون في سبيل الله بهذه الهجرة ومحصرون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن، وقد كان حفظه أفضل العبادات على الإطلاق لأنه حفظ الدين كله وأنتم تعرفون أنهم ما كانوا يحفظونه لأجل تلاوته أمام الجنائز، ولا في الأعراس والمآتم ولا لاستجداء الناس به ولا لمجرد التعبد بتلاوة ألفاظه وإنما كانوا يحفظونه للفهم والاهتداء والعمل به، ولحفظ أصل الدين بحفظه. وكانوا أيضا يحفظون ما يبينه به النبي صلى الله عليه وسلم من سنته.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يخص بالذكر مصرفا من مصارف الصدقة؛ ويعرض صورة شفة عفة كريمة نبيلة، لطائفة من المؤمنين. صورة تستجيش المشاعر، وتحرك القلوب لإدراك نفوس أبية بالمدد فلا تهون، وبالإسعاف فلا تضام، وهي تأنف السؤال وتأبى الكلام... لقد كان هذا الوصف الموحي ينطبق على جماعة من المهاجرين، تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم؛ وأقاموا في المدينة ووقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وحراسة رسول الله [ص]... ولكن النص عام، ينطبق على سواهم في جميع الأزمان. ينطبق على الكرام المعوزين، الذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب قهرا، وتمسك بهم كرامتهم أن يسألوا العون. إنهم يتجملون كي لا تظهر حاجتهم؛ يحسبهم الجاهل بما وراء الظواهر أغنياء في تعففهم، ولكن ذا الحس المرهف والبصيرة المفتوحة يدرك ما وراء التجمل. فالمشاعر النفسية تبدو على سيماهم وهم يدارونها في حياء...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة آفات الصدقات التي تذهب بخيرها بالنسبة لمعطيها من منٍّ وأذى ورياء وقصد إلى الخبيث دون الطيب ينفق منه، مع أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ثم بين أنه لا يصح أن يكون الكفر أو العصيان سببا للمنع حيث يجب العطاء، ليحمل المشرك على الإيمان، والعاصي على الطاعة.
بعد هذا بين سبحانه موضع الصدقات والصفات التي توجب العطاء في مستحقها، وقد قصد سبحانه وتعالى إلى بيان موضع الأولوية فيها، فقال تعالى:...
{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} أي أن الصدقة تكون للفقراء الذين اتصفوا بهذه الصفات، وكانوا على تلك الأحوال،... و عبر في الآية الكريمة ب [أحصروا] بالبناء للمجهول للإشارة إلى أن فقرهم لم يكن نتيجة امتناع عن العمل المجدي النافع، ولم يكن تخاذلا وكسلا، أو تهاونا في طلب الرزق الحلال، إنما كان بمنع من غيرهم، أو ليس لهم فيه إرادة حرة قد آثروا فيها الكسل على العمل، وإنما كان المنع عجزا، أو لأنهم بمقتضى التوزيع العادل والتنسيق الكامل في الأعمال تحبسهم الجماعة عن طلب الرزق لينصرفوا إلى عمل آخر يجدي وينفع كالجهاد في سبيل الله، فكانوا ممنوعين عن طلب الرزق بحكم الواقع أو التكليف ولم يكونوا ممتنعين...
حينئذ يكون قوله تعالى: {في سبيل الله} أعم من الحال التي ذكرها أولئك المفسرون بأن يكون معناها، أي في سبيل القيام بما يجب عليهم، سواء أكان ذلك الواجب رزقا يطلبونه، ولكنهم يعجزون عن الحصول عليه، فهم في سبيل هذا الطلب في سبيل الله، أم كان ذلك الواجب خدمة عامة حبسوا أنفسهم لها، أو القيام بأمر من الفروض الكفائية التي تخصصوا في بعضها كطلب العلم، فإن هؤلاء على المجتمع فرادى وجماعات وعلى الدولة أن تسهل لهم الحياة، وتمكنهم من الاستمرار على طلب ما يطلبون... {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} هذه الجملة السامية ختمت بها الآية الكريمة، لثلاثة أمور:
أولها: تربية الشعور بمراقبة الله في نفس المؤمن، فإنه إذا أحس أن الله سبحانه وتعالى مطلع على كل ما يعمل من خير وشر، أحس بمراقبته سبحانه، ودام ذكره له، وشعوره بعظمته، فيكون في مقام العبودية الرفيع، ويعبد الله كأنه يراه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
ثانيها: هو الإحساس برضا الله عنه عند فعل الخير، إذ إن الله يراه وهو يفعله، والإحساس بمرضاة الله مقام جليل، فرضوان الله أكبر من كل نعيم.
[و] ثالثها: العلم بالجزاء الأخروي؛ فإنه يثيبه عليه، لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
هذه الآية الكريمة توضح صفات الفقير المسلم، الذي لا ينزل به الفقر إلى درجة التطاول على الناس وإحراجهم، كما لا تنزل به الحاجة إلى درجة التبذل والاستغلال الدنيء، وفي نفس الوقت تشير نفس الآية إلى أن فقر هذا الفقير واحتياجه ليس صفة لازمة له، ولاصقة به على الدوام، وإنما هو أمر عارض في حياته، بسبب فقدان وسائل العمل، وتعذر وجوه الكسب، وهذا معنى قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ}. أي أقفلت في وجوههم كافة الطرق: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ}. أي لا يجدون مجالا للكسب والاتجار، إذ الضرب في الأرض في لغة القرآن خاصة، والاستعمال العربي عامة معناه السعي للتكسب والتنقل للبيع والشراء {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء}. أي أن الجاهل بحقيقة حالهم يعتقد أنهم في سعة وغنى {مِنَ التَّعَفُّفِ}. أي لعدم قيامهم بأي إزعاج للغير، أو إلحاح عليه {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}. أي يعرفهم أخوهم المؤمن بما له من صدق الفراسة، حيث إن المؤمن ينظر بنور الله، وهم لا يلحون في السؤال، فضلا عن طلب ما يزيد على حاجتهم بقصد الاستغلال. وهكذا لا ينزل الفقر بالمسلم حالة اضطراره إلى درجة البؤس والذلة والمهانة، لأن الإسلام حريص على إعزازه والأخذ بيده ورفع مستواه المادي المنخفض، إلى درجة مستواه الروحي الإسلامي الممتاز...
وهذه الآية نفسها يقتضي مفهومها أنه بمجرد ما يجد الفقير المسلم وسيلة للعمل ووجها للكسب لا يسوغ له أن يتكل على غيره، ولا يسوغ لغيره أن يساعده على التواكل والكسل، باسم الاحتياج ووصف الفقر، بل يحاول أن ينتقل من صف الفقراء المعسرين، إلى صف القادرين على الكسب الموسرين.
ومما يجب التنبيه إليه في هذا المقام ما ذكره القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري إذ قال:"الواجب على معطي الصدقة-كان إماما أو مالكا-أن يراعي أحوال الناس، فمن علم فيه صبرا على الخصاصة، وتحليا بالقناعة، آثر عليه من لا يستطيع الصبر، فربما وقع التسخط. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه"...
وإذا نظرنا إلى قول الحق: {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} و (الضرب) هو فعل من جارحة بشدة على متأثر بهذا الضرب، وما هو الضرب في الأرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن الكفاح في الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة، وإنك حين تذهب في الأرض فعليك أن تضربها حرثاً، وتضربها بذراً، لا تأخذ الأخذ بهوادة ولين ولذلك يقول الحق: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور 15} (سورة الملك)... إن الأرض مسخّرة من الحق سبحانه للإنسان، يسعى فيها، ويضرب فيها، ويأكل من رزق الله الناتج منها...
{وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} يجب أن تعلم أنه قبل أن تعطي قد علم الله أنك ستعطي، فالأمر محسوب عنده بميزان، ويجيء تصرف خلقه على وفق قدره، وما قدره قديما يلزم حاليا، وهو سبحانه قد قدر؛ لأنه علم أن عبده سيفعل وقد فعل. وكل فعل من الأفعال له زمن يحدث فيه، وله هيئة يحدث عليها. والزمن ليل أو نهار...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ولكن من هم هؤلاء الذين يستحقون الإنفاق، في ما يدعو إليه الله من الإنفاق في سبيله، هل هم الذين لا يتركون مجالاً للمسألة إلا وانطلقوا فيه، ممن تحوّل السؤال عندهم إلى مهنة للتعيش، الأمر الذي قد يجعل من هذا التشريع تشجيعاً للبطالة والامتناع عن العمل والإخلاد إلى الراحة في الكسب السهل؟ عند حدود العجز؟ أو الذين فرضت عليهم ظروف الالتزام بالإسلام الخروج من ديارهم، والابتعاد عن مواقعهم الطبيعية فيها للكسب الحلال بفعل ضغط القوى الكافرة المشركة التي منعتهم من الحصول على حاجاتهم الخاصة...
وتجيب الآية على هذا السؤال، فتحدد الفئة الثانية كمورد للإنفاق، لأن الله لا يريد للناس القادرين على العمل أن يستسلموا للسؤال طلباً للعيش السهل، لأن ذلك يحوّل المجتمع إلى مجموعات من العاطلين الذين يعيشون كلاً على غيرهم، وهو ما يبغضه الإسلام ويحاربه، بل يريد لهم الحصول على حاجتهم بعرق جبينهم وكدّ سواعدهم...
أما الفئات العاجزة التي لا تملك وسائل العيش الكريم، فإن المجتمع بكامله مسؤول عنها في ما يستطيعه من الإنفاق عليها ورعاية أمورها ورفع مستواها المادي والمعنوي. ثم تبشر الآية الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سراً وعلانية، بالأمن عند الله والسرور برضاه وثوابه، جزاءً لهم على ما قدموه لله من طاعة وللمجتمع من خدمات كبيرة...
{لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ومُنعوا من ممارسة حرياتهم في التحرك العملي من أجل كسب العيش بفعل الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية الخانقة، والضغوط الخارجية القاسية، فلم يملكوا سبيلاً إلى تلبية حاجاتهم الضرورية...
وفي ضوء هذا، فإن كلمة {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} تشمل كل الذين توفرت فيهم هذه الصفة على مدى الزمن ممن لم يكن شأنهم في ترك العمل المعيشي من باب الكسل والاسترخاء والبعد عن المسؤولية، بل من باب القيام بمسؤولياتهم العامة التي توحي بها كلمة {سَبِيلِ اللَّهِ} ليسافروا إلى هذا المكان أو ذاك مما تتوفر فيه الوسائل الطبيعية للحصول على الرزق، وذلك من جهة الموانع الخارجية أو الداخلية المحيطة بأوضاعهم الخاصة والعامة التي تضغط على حرياتهم في الحركة في الذهاب والتصرف، فلم تكن المسألة عجزاً طبيعياً في الذات، بل من خلال الأجواء المتنوّعة...
ولكننا نلاحظ أن الآية ليست في مقام بيان التفاصيل من حيث الإشارة إلى ما هو واجب أو راجح أو غير واجب وراجح في السؤال، بل في مقام بيان الطبيعة القوية لهؤلاء، بحيث يتمردون على آلام الحاجة وقد يموتون تحت تأثير ذلك، فهي من نوع الحاجة الملحّة القاسية التي قد تدفع الآخرين إلى أن يسألوا الناس إلحافاً ولكنهم لا يفعلون ذلك، ما يفرض على الناس اكتشافهم وسدّ حاجتهم بالصدقات، لأنها شرّعت لأمثال هؤلاء من أجل حلّ مشكلتهم الضاغطة الصعبة.
{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} في الموارد التي أرادكم الله أن تنفقوا فيها من الخير المنفتح على حاجات الناس والحياة {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فهو يجازيكم عليه...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إنّ أحد الذنوب الكبيرة هو السؤال والاستجداء والطلب من الناس من دون حاجة...
الأولى : قوله تعالى : " للفقراء " اللام متعلقة بقوله " وما تنفقوا من خير " وقيل : بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء . قال السدي ومجاهد وغيرهما : المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقراء غابر الدهر . وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر ؛ لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل ، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لهم : أهل الصفة . قال أبو ذر : كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه . فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ناموا في المسجد ) . وخرج الترمذي عن البراء بن عازب " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " قال : نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل ، قال : فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البُسر والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحَشَف ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد ، فأنزل الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " [ البقرة : 267 ] . قال : ولو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض وحياء . قال : فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده . قال : هذا حديث حسن غريب صحيح . قال علماؤنا : وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة ، وأكلوا من الصدقة ضرورة ، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا . ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى : " الذين أحصروا في سبيل الله " والمعنى حبسوا ومنعوا . قال قتادة وابن زيد : معنى " أحصروا في سبيل الله " حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم خوف العدو ، ولهذا قال تعالى : " لا يستطيعون ضربا في الأرض " لكون البلاد كلها كفرا مطبقا . وهذا في صدر الإسلام ، فعلتهم تمنع من الاكتساب{[2566]} بالجهاد ، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء . وقيل : معنى " لا يستطيعون ضربا في الأرض " أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد . والأول أظهر . والله أعلم .
الثانية : قوله تعالى : " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف " أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء . وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه . وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم ، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا عميان . والتعفف تفعل ، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه ، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره . وفتح السين وكسرها في " يحسبهم " لغتان . قال أبو علي : والفتح أقيس ؛ لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة . والقراءة بالكسر حسنة ، لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس . و " من " في قوله " من التعفف " لابتداء الغاية . وقيل لبيان الجنس .
الثالثة : قوله تعالى : " تعرفهم بسيماهم " فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك ، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار{[2567]} وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ، ومنه قوله تعالى : " ولتعرفنهم في لحن القول " {[2568]} [ محمد : 30 ] . فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي{[2569]} في التجمل . واتفق العلماء على ذلك ، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة ، والشافعي اعتبر قوت سنة ، ومالك اعتبر أربعين درهما ، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب .
والسيما ( مقصورة ) : العلامة ، وقد تمد فيقال : السيماء . وقد اختلف العلماء في تعيينههنا ، فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع . السدي : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة . ابن زيد : رثاثة ثيابهم . وقال قوم وحكاه مكي : أثر السجود . ابن عطية : وهذا حسن ، وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة ، فكان أثر السجود عليهم .
قلت : وهده السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر " الفتح " بقوله : " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " {[2570]} [ الفتح : 29 ] فلا فرق بينهم وبين غيرهم ، فلم يبق إلا أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة ، أو يكون أثر السجود أكثر ، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار . والله أعلم . وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغني والفقير ، فلم يبق إلا ما اخترناه ، والموفق الإله .
الرابعة : قوله تعالى : " لا يسألون الناس إلحافا " مصدر في موضع الحال أي ملحفين يقال : ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء ويقال :
وليس للمُلْحِف مثل الرد{[2571]}
واشتقاق الإلحاف من اللحاف ، سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية ، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك ، ومنه قول ابن أحمر :
فظل يَحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ{[2572]} *** ويُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافاً ثَخِينَا
يصف ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه . وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرؤوا إن شئتم " لا يسألون الناس إلحافا " .
الخامسة : واختلف العلماء في معنى قوله " لا يسألون الناس إلحافا " على قولين ، فقال قوم منهم الطبري والزجاج : إن المعنى لا يسألون البتة ، وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة ، وعلى هذا جمهور المفسرين ، يكون التعفف صفة ثابتة لهم ، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح . وقال قوم : إن المراد نفي الإلحاف ، أي أنهم يسألون غير إلحاف ، وهذا هو السابق للفهم ، أي يسألون غير ملحفين . وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا . روى الأئمة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته ) . وفي الموطأ " عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال : نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد{[2573]} فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئاً نأكله ، وجعلوا يذكرون من حاجتهم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا أجد ما أعطيك ) فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول : لعمري إنك لتعطي من شئت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ){[2574]} . قال الأسدي : فقلت لَلَقْحَةٌ لنا خير من أوقية - قال مالك : والأوقية أربعون درهما - قال : فرجعت ولم أسأله ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب{[2575]} فقسم لنا منه حتى أغنانا الله " . قال ابن عبدالبر : هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره ، وهو حديث صحيح ، وليس حكم الصحابي{[2576]} إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء ، لارتفاع الجُرْحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم . وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة ، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف ، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث . وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا ، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات{[2577]} إن شاء الله تعالى .
السادسة : قال ابن عبدالبر : من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال : إذا لم يكن ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية . قيل لأبي عبدالله : فإن اضطر إلى المسألة ؟ قال : هي مباحة له إذا اضطر . قيل له : فإن تعفف ؟ قال : ذلك خير له . ثم قال : ما أظن أحدا يموت من الجوع ! الله يأتيه برزقه . ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ( من استعف أعفه الله ) . وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( تعفف ) . قال أبو بكر : وسمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة ؟ فقال : أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله ، هذا شنيع . قال : وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره ؟ قال : لا ، ولكن يعرض ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي{[2578]} النمار فقال : ( تصدقوا ) ولم يقل أعطوهم . قال أبو عمر : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اشفعوا تؤجروا ) . وفيه إطلاق السؤال لغيره . والله أعلم . وقال : ( ألا رجل يتصدق على هذا ) ؟ قال أبو بكر : قيل له - يعني أحمد بن حنبل - فالرجل يذكر الرجل فيقول : إنه محتاج ؟ فقال : هذا تعريض وليس به بأس ، إنما المسألة أن يقول أعطه . ثم قال : لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره ؟ والتعريض هنا أحب إلي . قلت : قد روى أبو داود والنسائي وغيرهما أن الفراسي{[2579]} قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسأل يا رسول الله ؟ قال : ( لا وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين ) . فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك ، وإن أوقع حاجته بالله فهو أعلى . قال إبراهيم بن أدهم : سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى ، فأنزل حاجتك بمن يملك الضر والنفع ، وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا .
السابعة : فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده ، إذ هو رزق رزقه الله . روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم رددته ) ؟ فقال : يا رسول الله ، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله ) . فقال عمر بن الخطاب : والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلا أخذته . وهذا نص . وخرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه وغيرهما عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول : أعطه أفقر إليه مني ، حتى أعطاني مرة مالاً فقلت : أعطه أفقر إليه مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك ) . زاد النسائي - بعد قوله ( خذه - فتموله أو تصدق به ) . وروى مسلم من حديث عبدالله بن السعدي المالكي عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق ) . وهذا يصحح لك حديث مالك المرسل . قال الأثرم : سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف ) أي الإشراف أراد ؟ فقال : أن تستشرفه وتقول : لعله يبعث إلي بقلبك . قيل له : وإن لم يتعرض ، قال نعم إنما هو بالقلب . قيل له : هذا شديد قال : وإن كان شديدا فهو هكذا . قيل له : فإن كان الرجل لم يعودني أن يرسل إلي شيئا إلا أنه قد عرض بقلبي ، فقلت : عسى أن يبعث إلي . قال : هذا إشراف ، فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف . قال أبو عمر : الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه ، وأن يهش الإنسان ويتعرض . وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد ؛ لأن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة . وأما ما اعتقده القلب من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل له ، وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع .
الثامنة : الإلحاح في المسألة والإلحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر ) رواه أبو هريرة خرجه مسلم . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة{[2580]} لحم ) رواه مسلم أيضا .
التاسعة : السائل إذا كان محتاجا فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا والأفضل تركه . فإن كان المسؤول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء ، وإن كان جاهلا به فيعطيه مخافة أن يكون صادقاً في سؤاله فلا يفلح في رده .
العاشرة : فإن كان محتاجاً إلى ما يقيم به سنة كالتجمل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربي : سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلاً يقول : هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة . فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابا أخر ، فقيل لي : كساه إياها أبو الطاهر البرسني أَخْذَ الثناء{[2581]} .
قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيامهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) اللام في قوله : ( للفقراء ) متصلة باسم محذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة . فيكون تقدير الكلام : الصدقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله .
والمراد بالفقراء ، أولئك المهاجرين الذين ( أحصروا ) أي حبسوا في سبيل الله فانقطعت عنهم أسباب العيش والارتزاق . وذلك بعد أن هجروا الدار والأهل والمال في مكة نازحين إلى المدينة ؛ ابتغاء رضوان الله ولكي يتمكنوا من عبادة ربهم سالمين آمنين .
وقوله : ( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) الضرب هو السفر . وذلك كقوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) فالمهاجرون الذين انقطعت بهم السبل في المدينة بعد أن هجروا مكة حيث المشركون والفتنة لا يستطيعون السفر خارج المدينة طلبا للرزق والمعاش .
قوله : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) المقصود بالجاهل الذي يجعل حقيقة حالهم وأمرهم . فهو لا يعرف فقرهم وسوء حالهم ؛ لما يراه في ظاهرهم من علو الهمة وحسن المظهر . فهو بذلك يحسبهم ( أغنياء من التعفف ) أي يظنهم الجاهل بحالهم أغنياء . وهم في الحقيقة ليسوا أغنياء ولكنهم متعففون . والتعفف معناه التنزه وترفع النفس والعزف عما يهبط بها أو يشينها .
وفي هذا الصدد الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يُفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا " {[356]} .
وقوله : ( تعرفهم بسيامهم ) السيما معناها العلامة ، والمراد أن هؤلاء المهاجرين المتعففين تعرف فيهم الفقر ورقة الحال وشدة العوز ، لما يغشاهم من علامات تدل على ذلك . والمقصود بسيامهم التي تدل عليهم ما يبدو في وجوههم وظاهرهم من أثر التواضع والفاقة وافتقاد الخير والنعمة ؛ لأنهم محصورون لله ، وقد انقطعت بهم الأسباب فلا يستطيعون سفرا ولا سعيا لعيش أو ارتزاق .
قوله : ( لا يسألون الناس إلحافا ) ( إلحافا ) مصدر في موضع الحال منصوب . . . والإلحاف بمعنى الإلحاح في الطلب{[357]} وتلك هي أخلاق المؤمنين الصابرين الذين يكونون في فاقة وعوز ، لكنهم يتعففون عن تكفف الناس فلا يسألونهم إلحافا ، مع أنهم محتاجون للعون والعطاء . وهذا الصنف من الناس قد استوصى الله بهم خيرا من أجل أن يعطيهم الأغنياء أو الدولة من مال الله الذي آتاهم . وهؤلاء يوصي بهم الرسول ( ص ) فيما رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- : " ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين المتعفف اقرأوا إن شئتم ( لا يسألون الناس إلحافا ) . وهذه الجملة في محل نصب حال ، وكذلك ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) جملة فعلية في محل نصب حال من الفقراء . وكذلك ( تعرفهم بسيامهم ) {[358]} وفي حقيقة المسكين روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة ، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا " .
وفي معنى قوله تعالى : ( لا يسألون الناس إلحافا ) ثمة قولان للعلماء أولهما : أنهم لا يسألون البتة ولا يتكففون أحدا وأنهم دائما متعففون ، فهم بذلك لا يسألون الناس ، سواء كان ذلك إلحافا أو غير إلحاف ، فالتعفف شأن وديدان . وذلك الذي ذهب إليه جمهور المفسرين وهو الراجح .
ثانيهما : أن المراد نفي الإلحاف فقط ، أما إن سألوا الناس غير ملحفين فلا بأس . وهو قول مرجوح .
ولا يفوتنا أن نبين النهي عن المسألة مع الغنى وأن ذلك حرام ، ولا يسأل أحد غيره وهو غني إلا كان آثما إثما يودي به إلى عذاب الله . يقول الرسول ( ص ) فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة : " من سأل الناس أموالهم تكثّروا فإنما يسأل جمرا فليستقلّ أو ليستكثر " .
وروى مسلم أيضا عن ابن عمران أن النبي ( ص ) قال : " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزعة لحم " المزعة بضم الميم معناها القطعة . وقوله ( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) ذلك ترغيب من الله للمؤمنين ، كيما ينفقوا في سخاء ليغيثوا المحاويج والمكروبين وليدفعوا عن الفقراء والعالة خلتهم ، فإنه ليس من نفقة يؤديها هؤلاء إلا والله يعلمها ، وهو سبحانه سيجازيهم عنها خير الجزاء .