الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي - الثعالبي  
{لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ} (273)

وقوله تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله . . . } [ البقرة :273 ] . التقديرُ : الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ ، قال مجاهد وغيره : المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ ، فقراءُ المهاجرينَ من قريشٍ ، وغيرهم .

( ع ) : ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر ، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله : { الذين أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله } ، والمعنى : حُبِسُوا ، ومُنِعُوا ، وتأوَّل الطبريُّ في هذه الآية ، أنهم هم حَابسوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن ، وقصد الجهاد ، وخَوْفِ العَدُوِّ ، إِذ أحاط بهم الكُفْر ، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به .

( ع ) : كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم ، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر ، وقوله : { فِي سَبِيلِ الله } يحتملُ الجهادَ ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام ، والضَّرْبُ في الأرض : هو التصرُّف في التجارة ، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض ، لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً ، وهذا في صدْر الهجْرة ، وكانوا -رضي اللَّه عنهم- من الانقباض ، وترْكِ المسألةِ ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى ، بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ .

( ت ) : واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري ، قال : " بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ ، مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشَمَالاً ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ ) ، قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ ، حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدَ مِنَّا فِي فَضْلٍ انتهى .

و{ التعفف } : تفعُّلٌ ، وهو بناءُ مبالغةٍ من : عَفَّ عن الشيْءِ ، إِذا أمْسَك عنْه ، وتنزَّه عن طَلَبه ، وبهذا المعنى فسره قتادةُ ، وغيره .

( ت ) : مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ ، وفي الحديثِ الصحيحِ : ( لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النَّفْسِ ، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم ، أنَّهُ قَالَ : ( اللَّهُمَّ ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً ) أخرجه مسلم ، وغيره ، وعنْدِي أن المراد بالآلِ هنا متَّبِعُوه صلى الله عليه وسلم .

وفي سنن ابْن مَاجَة ، عن أنسٍ ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ غَنِيٍّ ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً ) ، وروى مسلم ، والترمذيُّ عن أبي أُمَامة ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السفلى ) ، قال أبو عيسى ، واللفظ له : هذا حديثٌ حسنٌ ، صحيحٌ ، انتهى .

وقوله سبحانه : { تَعْرِفُهُم بسيماهم } السِّيَما مقصورة العلامةُ ، واختلف المفسِّرون في تعيينها ، فقال مجاهد : هي التخشُّع والتواضُع ، وقال الربيعُ والسُّدِّيُّ : هي جهد الحاجة ، وقَضَفُ الفقر في وجوههم ، وقلَّة النعمة ، وقال ابن زَيْد : هي رِثَّة الثياب ، وقال قوم ، وحكاه مكِّيٌّ : هي أثر السجود .

قال ( ع ) : وهذا حسنٌ ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين ، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة ، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً والإِلحافُ ، والإِلحاح بمعنى .

قال ( ع ) : والآيةُ تحتملُ معنيين .

أحدهما : نفْي السؤال جملة ، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ ، أنهم لا يسألون البَتَّة .

والثاني : نَفْي الإِلحاف فقَطْ ، أي : لا يظهر لهم سؤال ، بل هو قليل وبإِجمال .

( ت ) : وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية ، فتأمَّله .

( ت ) : وينبغي للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره ، ويكتفي بعلْمِ ربِّه ، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة : وقد قال أهْلُ التوفيق : مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسيرِ ، فهو أسير ،

انتهى . وذكر عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ في «الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء » ، قال : وتكلَّم علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- بتسْعِ كلماتٍ : ثلاثٌ في المناجاةِ ، وثلاثٌ في الحكمة ، وثلاثٌ في الآداب . أمَّا المناجاة ، فقال : كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا ، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً ، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ ، وَأَمَّا الحِكْمَةُ ، فَقَالَ : قِيمَةُ كُلِّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ، وَأَمَّا الآدَابُ ، فَقَالَ : استغن عَمَّنْ شِئْتَ ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ . انتهى .

ولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها ، ويعرف بها حاله ، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها ، فقال : { تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } ، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة » : كلُّ ما دلَّ على معنًى ، فقد أخبر عنه ، ولو كان صامتاً ، وأشار إليه ، ولو كان ساكتاً ، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر ، انتهى .

قال : ( ع ) وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً .

وقال : ( ص ) وقوله تعالى : { لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافاً } ، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ ، فالمعنى على هذا : ثبوتُ سؤالهم ، ونَفْي الإِلحاح ، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم ، فينتفي ذلك القَيْد ، فينتفي السؤالُ والإِلحاح ، وله نظائر ، انتهى .

وقوله تعالى : { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } وعدٌ محضٌ ، أي : يعلمه ، ويحصيه ، ليجازي عليه ، ويثيب .