الكنوز : جمع كنز : وهو المال المدفون في باطن الأرض والمراد به هنا المال المدخَر .
مفاتحه : جمع مفتح : ومفاتيح جمع مفتاح والمعنى واحد ، وهو المفتاح المعروف لفتح الأبواب .
لَتنوء بالعصبة أولي القوة : يعني أن مفاتيح خزائنه من الكثرة بحيث يثقل حملها على الجماعة الأقوياء .
لا تفرح : لا تبطَر وتتمسك بالدنيا .
كان قارون من قوم موسى ، ويقول بعض المفسرين إنه تكبّر على قومه غروراً بنفسه وماله ، حيث أعطاه الله من الأموال قدراً كبيرا ، بلغت مفاتيحُ خزائنها من الكثرة بحيث يثقل حملُها على الجماعة الأقوياء من الرجال . وحين اغترّ وكفر بنعمة الله عليه نصحه قومه قائلين : لا تغترّ بمالك ولا يفتنك الفرح به عن شكر الله ، إن الله
لا يرضى عن المغرورين المفتونين .
وقد أورد القرآن هذه القصة حتى يعتبر قومُ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، إذ أنهم اغترّوا بأموالهم ، فبيّن لهم أن أموالهم بجانب مال قارون ليست شيئاً مذكورا .
{ إِنَّ قارون } ، اسم أعجمي منع الصرف للعلمية والعجمة { كَانَ مِن قَوْمِ موسى } . أي من بني إسرائيل كما هو الظاهر ، وحكى ابن عطية الإجماع عليه ، واختلف في جهة قرابته من موسى عليه السلام فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وابن جريج . وقتادة . وإبراهيم أنه ابن عم موسى عليه السلام فموسى بن عمران بن قاهث بقاف وهاء مفتوحة وثاء مثلثة ابن لاوى بالقصر ابن يعقوب عليه السلام وهو ابن يصهر بياء تحتية مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وهاء مضمومة ابن قاهث الخ .
وفي «مجمع البيان » عن عطاء عن ابن عباس أنه ابن خالة موسى عليه السلام ، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه .
وحكي عن محمد بن إسحاق أنه عم موسى عليه السلام وهو ظاهر على قول من قال : إن موسى عليه السلام ابن عمران بن يصهر بن قاهث وهو ابن يصهر بن قاهث وكان يسمى المنور لحسن صورته وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم لكنه نافق كما نافق السامري ؛ وقال : إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان لهارون فمالي ؟ وروي أنه لما جاوز بهم موسى عليه السلام البحر وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرب القربان ويكون رأساً فيهم وكان القربان إلى موسى عليه السلام فجعله لأخيه هارون وجد قارون في نفسه فحسدهما فقال لموسى الأمر لكما ولست على شيء إلى متى أصبر قال موسى عليه السلام هذا صنع الله تعالى قال والله تعالى لا أصدقك حتى تأتي بآية فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاه فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع من السحر { فبغى عَلَيْهِمْ } فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره أو تكبر عليهم وعد من تكبره أنه زاد في ثيابه شبراً أو ظلمهم وطلب ما ليس حقه قيل : وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل .
وقيل : حسدهم وطلب زوال نعمهم ، وذلك ما ذكر منه في حق موسى وهارون عليهما السلام ، والفاء فصيحة أي ضل فبغى ، وجوز أن تكون على ظاهرها لأن القرابة كثيراً ما تدعو إلى البغي { وَءاتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز } أي الأموال المدخرة فهو مجاز بجعل المدخر كالمدفون إن كان الكنز مخصوصاً به ، وحكى في «البحر » أنه سميت أمواله كنوزاً لأنها لم تؤد منها الزكاة وقد أمره موسى عليه السلام بأدائها فأبى وهو من أسباب عداوته إياه ، وقيل : الكنوز هنا الأموال المدفونة وكان كما روي عن عطاء قد أظفره الله تعالى بكنز عظيم من كنوز يوسف عليه السلام { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } أي مفاتح صناديقه فهو على تقدير مضاف أو الإضافة لأدنى ملابسة وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به .
وقال السدي : أي خزائنه وفي معناه قول الضحاك أي ظروفه وأوعيته ، وروي نحو ذلك عن ابن عباس ، والحسن وقياس واحده على هذا المفتح بالفتح لأنه اسم مكان ، ويؤيد ما تقدم قراءة الأعمش مفاتحيه بياء جمع مفتاح و { مَا } موصولة ثاني مفعولي آتي ومفاتحه اسم إن وقوله تعالى : { إِنَّ قارون أُوْلِى القوة } خبرها والجملة صلة ما والعائد الضمير المجرور ، ومنع الكوفيون جواز كون الجملة المصدرة بأن صلة للموصول ، قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يعني الأخفش الصغير يقول ما أقبح ما يقوله الكوفيون في الصلات أنه لا يجوز أن تكون صلة الذي إن وما عملت فيه وفي القرآن ما إن مفاتحه انتهى ، ولا يخفى أن المانع من ذلك إن كان عدم السماع فالرد عليهم لا يتم إلا بشاهد لا يحتمل غير ذلك و { مَا } في الآية تحتمل أن تكون نكرة موصوفة وإن كان المانع كون إن تقع في ابتداء الكلام فلا ترتبط الجملة المصدرة بها بما قبلها فالرد بالآية المذكورة عليهم تام لأن المانع المذكور كما يمنع كون الجملة صلة يمنع كونها صفة فتدبر ، و { تنوء } من ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله فالباء للتعدية كما في ذهبت به ، والعصبة الجماعة الكثيرة من غير تعيين لعدد خاص على ما ذكره الراغب ، ومن أهل اللغة من عين لها مقداراً واختلفوا فيه فقيل من عشرة إلى خمسة عشر وهو مروى هنا عن مجاهد ، وقيل : ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين وروي ذلك عن الكلبي ، وقيل : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وقيل : من عشرة إلى أربعين وروي هذا عن قتادة وقيل : أربعون ، وروي ذلك عن ابن عباس . وقيل : سبعون ، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أم هانئ وقال الخفاجي : قد يقال إن أصل معناها الجماعة مطلقاً كما هو مقتضى الاشتقاق ثم أن العرف خصها بعدد واختلف فيه أو اختلف بحسب موارده ، وقال أبو زيد : تنوء من نؤت بالحمل إذا نهضت به قال الشاعر :
تنوء بأخراها فلأيا قيامها *** وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر
وفي الآية على هذا قلب عند أبي عبيدة ومن تبعه والأصل تنوء العصبة بها أي تنهض ، وقيل : يجوز أن لا يكون هناك قلب لأن المفاتح تنهض ملابسة للعصبة إذا نهضت العصبة بها ، والأولى ما قدمناه أولاً وهو منقول عن الخليل . وسيبويه . والفراء . واختاره النحاس ، وروي معناه عن ابن عباس . وأبي صالح . والسدي ، وقرأ بديل بن ميسرة { *لينوء } بالباء التحتية ، وخرج ذلك أبو حيان على تقدير مضاف مذكر يرجع إليه الضمير أي ما إن حمل مفاتحه أو مقدارها أو نحو ذلك ، وقال ابن جني : ذهب بالتذكير إلى ذلك القدر والمبلغ فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه ونحوه ، قول الراجز :
مثل الفراخ نتفت حواصله *** أي حواصل ذلك أو حواصل ما ذكرنا ، وقال الزمخشري : وجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال كقولك ذهبت أهل اليمامة انتهى ، وإنما فسر المفاتح بالخزائن دون ما يفتح به ليتم الاتصال فإن اتصال الخزائن بالمخزون فوق اتصال المفاتيح به بل لا اتصال للثاني وحينئذٍ يكتسي التذكير من المضاف إليه كما اكتسى التأنيث من عكسه كالمثال الذي ذكره ، وما تقدم عن غيره أولى . قال في «الكشف » لأن تفسير المفاتح بالخزائن ضعيف جداً لفوات المبالغة ، وقيل : إن المفاتح بذلك المعنى غير معروف وقد سمعت أنه تفسير مأثور فإذا صح ذلك فلا يلتفت إلى ما ذكر من هذا وكلام الكشف ، وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ { مَا إِنَّ } على الإفراد فلا تحتاج قراءته { لينوء } بالياء إلى تأويل ، وقد بولغ في كثرة مفاتيحه فروي عن خيثمة أنها كانت وقر ستين بغلاً أغر محجلاً ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز ، وفي رواية أخرى عنه كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً .
وفي «البحر » ذكروا من كثرة مفاتحه ما هو كذب أو يقارب الكذب فلم أكتبه ، ومما لا مبالغة فيه ما روي عن ابن عباس من أن المفاتح الخزائن وكانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء وكانت أربعمائة ألف يحمل كل رجل عشرة آلاف وعليه فأمثال قارون في الناس أكثر من خزائنه ، ولعل الآية تشير إلى ما أوتيه فوق ذلك ، ولا أظن الأمر كما روي عن خيثمة ، وأبعد أبو مسلم في تفسير الآية فقال : المراد من المفاتح العلم والإحاطة كما في قوله تعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } [ الأنعام : 59 ] والمراد وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها القائمين على حفظها { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } .
قال الزمخشري : هو متعلق بتنوء وضعف بأن أثقال المفاتح العصبة ليس مقيداً بوقت قول قومه ، وقال ابن عطية : ببغى ، وضعف بنحو ذلك ، وقال أبو البقاء : بآتينا ، ويجوز أن يكون ظرفاً لمحذوف دل عليه الكلام أي بغى عليهم إذ قال ، وفي كل منهما ما سبق ، وقال الحوفي منصوب باذكر محذوفاً ، وجوز كونه متعلقاً بما بعده من قوله تعالى : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ } [ القصص : 78 ] والجملة مقررة لبغيه ورجح تعلقه بمحذوف والتقدير أظهر التفاخر والفرح بما أوتي إذ قال له قومه { لاَ تَفْرَحْ } لا تبطر والفرح بالدنيا لذاتها مذموم لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتماً كما قال أبو الطيب :
أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا
وإذا نظرت فإن بؤساً زائلا *** للمرء خير من نعيم زائل
ولذلك قال عز وجل : { وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم } [ الحديد : 23 ] والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير قال الشاعر :
ولست بمفراح إذ الدهر سرني *** ولا جازع من صرفه المتقلب
إن تلاق منفساً لا تلقنا *** فرح الخير ولا نكبو لضر
وعلل سبحانه النهي ههنا بكون الفرح مانعاً من محبته عز وجل فقال تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } فهو دليل إني على كون الفرح بالدنيا مذموماً شرعاً ، وإنما قلنا : إن الفرح بها لذاتها مذموم لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم ، ومحبه الله تعالى عنه كثير صفة فعل أي أنه تعالى لا يكرم الفرحين بزخارف الدنيا ولا ينعم جل شأنه عليهم ولا يقربهم عز وجل ، والمراد أنه تعالى يبغضهم ويهينهم ويبعدهم عن حضرته سبحانه ، وقال بعضهم : إن في نفي محبته تعالى إياهم تنبيهاً على أن عدم محبته تعالى كاف في الزجر عما نهى عنه فما بالك بالبغض والعقاب وهو حسن ، وحكى عيسى بن سليمان الحجازي أنه قرئ { الفارحين } .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{إن قارون كان من قوم موسى} يعنى من بني إسرائيل... {فبغى عليهم} يقول: بغى قارون على بني إسرائيل من أجل كنزه ماله {وآتيناه} يعني: وأعطيناه {من الكنوز} يعني: من الأموال {ما إن مفاتحه} يعني: خزائنه {لتنوء بالعصبة أولي القوة} والعصبة من عشرة نفر إلى أربعين، فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة يقول: لتعجز العصبة أولي القوة عن حمل الخزائن.
{إذ قال له قومه} بنو إسرائيل: {لا تفرح} يقول: لا تمرح ولا تبطر ولا تفخر بما أوتيت من الأموال، {إن الله لا يحب الفرحين} يعني: المرحين البطرين.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"إنّ قارُونَ"... "كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى "يقول: كان من عشيرة موسى بن عمران النبيّ صلى الله عليه وسلم...
وقوله: "فَبَغَى عَلَيْهِمْ "يقول: فتجاوز حدّه في الكبر والتجبر عليهم... بكثرة ماله...
وقوله: "وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوّةِ" يقول تعالى ذكره: وآتينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتحه، وهي جمع مفتح، وهو الذي يفتح به الأبواب.
وقال بعضهم: عنى بالمفاتح في هذا الموضع: الخزائن لتُثْقِل العصبة... عن ابن عباس، في قوله: "لَتَنُوء بالعُصْبَةِ" قال: لتثقل بالعصبة... وأما العُصبة فإنها الجماعة.
واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد في هذا الموضع فأما مبلغ عدد العصبة في كلام العرب فقد ذكرناه فيما مضى باختلاف المختلفين فيه، والرواية في ذلك، والشواهد على الصحيح من قولهم في ذلك بما أغني عن إعادته في هذا الموضع، فقال بعضهم: كانت مفاتحه تنوء بعصبة مبلغ عددها أربعون رجلاً... وقال آخرون: ستون... وقال آخرون: كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة... وقال آخرون: كانت تحمل ما بين عشرة إلى خمسة عشرة...
وقوله: "أُولي القُوّةِ" يعني: أولي الشدّة...
فإن قال قائل: وكيف قيل "وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ" وكيف تنوء المفاتح بالعصبة، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟ قيل: اختلف في ذلك أهل العلم بكلام العرب؛ فقال بعض أهل البصرة: مجاز ذلك: ما إن العصبة ذوي القوّة لتنوء بمفاتح نعمه. قال: ويقال في الكلام: إنها لتنوء بها عجيزتها، وإنما هو: تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، قال: والعرب قد تفعل مثل هذا...
وقال آخر منهم ما إنّ مَفاتِحَهُ قال: وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه «إن»، وقد قال: "إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم". وقوله: "لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ" إنما العصبة تنوء بها...
وقال آخر منهم في قوله: "لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ": نَوْءُها بالعصبة أن تُثْقلهم وقال: المعنى: إن مفاتحه لتنيءُ العصبة: تميلهن من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت: تَنُوء بهم، كما قال: "آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرَا" قال والمعنى: آتوني بقطر أفرغ عليه، فإذا حُذفت الباء، زدت على الفعل ألفا في أوّله ومثله: "فأجاءَها المَخاضُ" معناه: فجاء بها المخاض، وقال: قد قال رجل من أهل العربية: ما إن العصبة تَنُوء بمفاتحه، فحوّل الفعل إلى المفاتح...
وهذا القول الآخر في تأويل قوله: "لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ": أولى بالصواب من الأقوال الأُخَر، لمعنيين:
أحدهما: أنه تأويل موافق لظاهر التنزيل.
والثاني: أن الآثار التي ذكرنا عن أهل التأويل بنحو هذا المعنى جاءت، وأن قول من قال: معنى ذلك: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه، إنما هو توجيه منهم إلى أن معناه: ما إن العصبة لتنهض بمفاتحه، وإذا وجه إلى ذلك لم يكن فيه من الدلالة على أنه أريد به الخبر عن كثرة كنوزه، على نحو ما فيه، إذا وجه إلى أن معناه: إن مفاتحه تثقل العصبة وتميلها، لأنه قد تنهض العصبة بالقليل من المفاتح وبالكثير، وإنما قصد جلّ ثناؤه الخبر عن كثرة ذلك، وإذا أريد به الخبر عن كثرته، كان لا شكّ أن الذي قاله من ذكرنا قوله، من أن معناه: لتنوء العصبة بمفاتحه، قول لا معنى له، هذا مع خلافه تأويل السلف في ذلك.
وقوله: "إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ، إنّ اللّهَ لا يُحِبّ الفَرِحِينَ" يقول: إذ قال قومه: لا تبغ ولا تَبْطَر فرحا، إن الله لا يحبّ من خلقه الأَشِرِين البَطِرِين... عن مجاهد، في قوله: "لا تَفْرَحْ إنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الفَرِحِينَ" قال: المتبذّخين الأَشِرين البَطِرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يخوف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل عليهم كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه إذ لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به... فعلى ذلك يا أهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم لرسول الله، صلوات الله عليه، وصلته بكم، والله أعلم...
{فبغى عليهم}... بكثرة ماله ودفع عذاب الله ونقمته كقول أهل مكة: {نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبإ: 35]...
وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى، واتبعه ناس كثير... والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه حين قال: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين} {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} [غافر: 23 و24] وقال: {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض} الآية [العنكبوت: 39] فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته وتسميته ساحرا كذابا...
. {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصمة أولي القوة}... وذكر أن العصبة تنوء بها، وذلك لكثرة ما ذكر...
ونحن نفسره، ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة، يتعصب بعضهم ببعض، ويعين بعضهم بعضا، يرجعون جميعا إلى أمر واحد...
وقوله تعالى: {لتنوء بالعصبة} اختلف فيه: قال بعضهم: تلك المفاتيح. وقال القتبي: {لتنوء} أي تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها.. وجائز أن يكون قوله: {لا تفرح} أي لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال، ولا تتكبر عليهم، ولا تفرح: لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقوله:"وآتيناه من الكنوز" أي أعطيناه كنوز الأموال، والكنز: جمع المال بعضه على بعض، وبالعرف عبارة عما يخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم الكنوز في الشرع إلا على مال لا يخرج زكاته... وقوله: "إذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين "حكاية عما قال قوم قارون لقارون حين خوفوه بالله ونهوه عن الفرح بما آتاه الله من المال، وأمروه بالشكر عليه. والفرح: المرح الذي يخرج إلى الأنس، وهو البطر... ولذلك قال تعالى: "إن الله لا يحب الفرحين" لأنه إذا أطلقت صفة فرح فهو الخارج بالمرح إلى البطر، فأما قوله: "فرحين بما آتاهم الله من فضله" فحسن جميل بهذا التقييد.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فبغى عَلَيْهِمْ} من البغي وهو الظلم... {لاَ تَفْرَحْ} كقوله: {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم} [الحديد: 23]... وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن. وأمّا من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب، لم تحدّثه نفسه بالفرح.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
لما قال تعالى:"وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها" [القصص: 60] بين أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما دل على عجزهم في تلك الدار، وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار، إنما هو الواحد القهار، دل على أن ذلك له أيضاً في هذه الدار وقوع العلم به بإهلاك أولي البطر، والمرح والأشر، من غير أن يغنوا عمن أضلوا، أو يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من صامت، تطبيقاً لعموم {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} على بعض الجزئيات، تخويفاً لمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما من نسبه إلى السحر، وإعلاماً بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء، لأنه سبحانه عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحد، وهم من بني إسرائيل ومن أقرب بني إسرائيل إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فعلم كل من كان اغتر بما أوتيه أن الحق لله في كل ما دعت إليه رسله، ونطقت به كتبه، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ولم يغن عنهم شيئاً ما اعتمدوا عليه، فكان معبودهم في الحقيقة مما جمعوه من حطام الدنيا فاعتقدوا أنهم نالوا به السعادة الدائمة والعز الباقي، فكان مثله -كما يأتي في التي بعده- كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وكل ذلك بمرأى من موسى عليه الصلاة والسلام حين كذبه ونسبه إلى السحر وتكبر عليه، فلم يسأل الله تعالى فيه لخروجه باستكباره من الوعد بالمنة على الذين استضعفوا في الأرض، وكان ذلك العذاب الذي عذبوا به من جنس ما عذب به فرعون في الصورة من حيث إنه تغييب وإن كان ذلك في مائع، وهذا صلب جامد، ليعلم أنه قادر على ما يريد، ليدوم منه الحذر، فيما سبق منه القضاء والقدر... {فبغى عليهم} أي تجاوز الحد في احتقارهم بما خولناه فيه من هذا الحطام المتلاشي، والعرض الفاني، فقطع ما بينه وبينهم من الوصلة، ووصل ما بينه وبين فرعون وأضرابه، من الفرقة... وكان أصل "بغى "هذه: أراد، لكن لما كان العبد لا ينبغي أن يكون له إرادة، بل الإرادة لسيده كما نبه عليه {ما كان لهم الخيرة}، جعلت إرادته تجاوز الحد، وعديت ب "على" المقتضية للاستعلاء تنبيهاً على خروجها عن أصلها... {إذ قال له قومه}... وساغت نسبة القول للكل وإن كان القائل البعض، بدليل ما يأتي، إما عداً للساكت قائلاً لرضاه به لأنه مما لا يأباه أحد، وإما لأن أهل الخير هم الناس، ومن عداهم عدم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
مضت مطالع السورة بقصة موسى وفرعون، وقد عرضت فيها قوة السلطان والحكم، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم، والكفران بالله، والبعد عن هداه. والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر، والاستكبار على الخلق وجحود نعمة الخالق. وتقرر حقيقة القيم، فترخص من قيمة المال والزينة إلى جانب قيمة الإيمان والصلاح؛ مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة دون علو في الأرض ولا فساد. ولا يحدد القرآن زمان القصة ولا مكانها؛ إنما يكتفي بأن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم. فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج؟ أم وقعت بعد الخروج في حياة موسى؟ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟ هناك روايات تقول:إنه كان ابن عم لموسى -عليه السلام- وأن الحادث وقع في زمان موسى. ويزيد بعضها فيذكر أن قارون آذى موسى، ودبر له مكيدة ليلصق به تهمة الفاحشة بامرأة معينة في مقابل رشوة من المال، فبرأ الله موسى وأذن له في قارون، فخسفت به الأرض.. ولسنا في حاجة إلى كل هذه الروايات، ولا إلى تحديد الزمان والمكان. فالقصة كما وردت في القرآن كافية لأداء الغرض منها في سياق السورة، ولتقرير القيم والقواعد التي جاءت لتقريرها. ولو كان تحديد زمانها ومكانها وملابساتها يزيد في دلالتها شيئا ما ترك تحديدها. فلنستعرضها إذن في صورتها القرآنية، بعيدة عن تلك الروايات التي لا طائل وراءها..
ولا يذكر فيم كان البغي، ليدعه مجهلا يشمل شتى الصور. فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم -كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان- وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال. حق الفقراء في أموال الأغنياء، كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه، فتفسد القلوب، وتفسد الحياة. وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب...
(لا تفرح).. فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ.. لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال؛ وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران. لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه، ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وافتتاح الجملة بحرف التوكيد يجوز أن يكون لإفادة تأكيد خبر {إن} وما عطف عليه وتعلق به مما اشتملت عليه القصة وهو سوء عاقبة الذين تغرهم أموالهم وتزدهيهم فلا يكترثون بشكر النعمة ويستخفون بالدين، ويكفرون بشرائع الله... ويجوز أن تكون {إن} لمجرد الاهتمام بالخبر ومناط الاهتمام هو مجموع ما تضمنته القصة من العبر التي منها أنه من قوم موسى فصار عدواً له ولأتباعه، فأمره أغرب من أمر فرعون.وعدل عن أن يقال: كان من بني إسرائيل، لما في إضافة {قوم} إلى {موسى} من الإيماء إلى أن لقارون اتصالاً خاصاً بموسى فهو اتصال القرابة...
وعن أبي رزين لقيط بن عامر العُقيلي أحد الصحابة أنه قال « يكفي الكوفة مفتاح» أي مفتاح واحد، أي كنز واحد من المال له مفتاح، فتكون كثرة المفاتيح كناية عن كثرة الخزائن وتلك كناية عن وفرة المال فهو كناية بمرتبتين..
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
أما ما احتوته آيات القصة من الموعظة والعبرة والحكم الأخلاقية فهو:
ـ إن الله لا يحب الفرحين المغترين بأموالهم.
ـ إن من واجب الذين أنعم الله عليهم بالثراء ألاّ يجحدوا يد الله عليهم ويبطروا وأن يذكروا دائما أن الله قد أهلك من هم أكثر قوة ومالا منهم حينما جحدوا وبطروا.
ـ إن من واجبهم أيضا أن يسلكوا سبيل القصد، وأن يذكروا أنه إذا كان لهم أن يتمتعوا بما تيسّر لهم من أسباب العيش والدعة فإن من واجبهم أن يساعدوا الآخرين ويحسنوا إليهم كما أحسن الله إليهم وأنه ليس لهم أن يستعملوا ما يسّره الله لهم في الفساد والبغي، وأن يذكروا مفاجآت الأحداث وغضب الله وأن يشكروا الله شكرا عمليّا بالاعتراف بفضله وربوبيته والتقرب إليه بصالح الأعمال، وألاّ ينسوا يوم الجزاء الأخروي الذي يحاسب فيه كل امرئ على ما فعل.
ـ إنه ينبغي لمن لم يتيسر لهم الثراء ألاّ تشرد أعينهم إليه ليحصلوا عليه بأي طريق كان ولو بالبغي والفساد، وعليهم أن يتحلوا بالقناعة والصبر ولا ينحرفوا عن الطريق القويم المشروع، وأن يتيقنوا أن ثواب الإيمان والعمل الصالح خير وأبقى وأنه لا يصل إلى هذه الغاية المثلى إلاّ الصابرون.
ـ إن الذين أوتوا العلم قاموا بواجبهم فنبهوا الذين تمنوا أن يكون لهم ما كان لقارون إلى ما هو خير من ذلك وهو ابتغاء ثواب الله بالإيمان والعمل الصالح.
ـ إن الله قد عاقب قارون على بطره وجحوده وبغيه وفساده، وأدرك الذين كانوا يتمنون أن يكون لهم ما كان له أن بسطة الرزق ليست خيرا دائما وأن فيها محكّا لأخلاق الناس وامتحانا لنوازعهم وكثيرا ما تكون عليهم نقمة وشرّا وأن الكافرين لا يفلحون قط.
ـ إن الله قد ضمن للمتقين الذين يتحاشون الفساد والتجبر في الأرض أحسن العواقب في الآخرة. وطبيعي أن هذه الحكم مستمرة المدى والشمول. وفيها من التشجيع على الفضيلة والبرّ وتقبيح الرذيلة والبغي والبطر والجحود وبثّ الطمأنينة والسكينة في نفوس المؤمنين والارتفاع بهم إلى الأفق الأعلى من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال ما هو جليل رائع.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
يرى عقلاء القوم المتبصرون، في سلوك قارون المنحرف وعمله الفاسد، ما يثير الاشمئزاز ويستحق الانتقاد، ولا سيما ما هو عليه من المبالغة في الإعجاب بالنفس والاستعلاء على العباد، ويحاولون أن يُسْدوا إليه النصح الخالص والموعظة الحسنة، عسى أن يصلح خطأه ويقوم اعوجاجه، ويندرج في عداد من يصدق عليهم مثل قول الرسول الأعظم:"نعم المال الصالح للرجل الصالح" وذلك ما حكاه كتاب الله عنهم {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} والظاهر أن المراد بالفرح، ليس الحالة النفسية الهادئة من السرور الطبيعي الذي يحصل للإنسان عند أية حالةٍ من حالات الانسجام مع ما حوله أو مع من حوله، لأن هذا ليس أمراً سيئاً، من خلال القيمة الإنسانية للمشاعر الخاصة، بل المراد به البطر الذي يمثل شدّة الفرح في ما يصل به الشعور إلى مستوى الإفراط في الانفعال والتعلق بمتاع الحياة الدنيا، بحيث يتحوّل إلى هزّةٍ ذاتية في تعبيراتها الكلامية والسلوكية وفي انتفاخ الشخصية بشكل غير طبيعيّ. وهذا المعنى هو ما نستوحيه من قوله تعالى في آية أخرى: {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23] فإن الظاهر إرادة الحالة الانفعالية من السرور الداخلي الذي يتحول إلى أجواء الخيلاء والفخر. وهذا ما يبغضه الله في الإنسان، الذي يريد له أن يكون متوازناً في انفعالاته، متواضعاً في علاقاته، هادئاً في تأثره بالأشياء المحيطة به ممّا يُفرح أو يحزن.