يلهث : يتنفس بشدة مع إخراج اللسان ، والسبب في أن الكلب يلهث دائما ، أن جلده أملس لا توجد فيه مسامات كافية .
هنا نفيٌ بضرب المثَل للمكذّبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد أن أيّدها بالأدلة العقلية والكونية ، وهو مثَل من آتاه الله آياتِه فكان عالماً بها قادراً على بيانها ، لكنه لا يعمل بها ، بل يأتي عمله مخالفا لعلمه . لذا سلبه الله ما آتاه ، فكان ذلك الإنسان كمثَل الكلب يظل يلهث دون جدوى .
ولو شاء ربك رفعه إلى منازل الأبرار لفعل ، وذلك بتوفيقه للعمل بتلك الآيات ، لكن الرجل أخلد إلى الأرض ، وهكذا هبط من الأفق المشرق فالتصق بالطين المعتم ، ولم يرتفع إلى سماء الهداية . لقد اتبع هواه ، فبات في قلق دائم ، وانشغل بالدنيا وأعراضها ، لذا فإن مثله مثل الكلب في أسوأ أحواله . . . يظل يلهث على غير طائل ، تماماً مثل طالب الدنيا الشرِه ، يظل يلهج وراء متعه وشهواته ، وهي لا تنقضي ولا هو يكتفي منها .
أما من هو الرجل الذي يشير إليه هذا المثل فقد وردت روايات عديدة تجعله بعضها «بلعام بن باعوراء » من بني إسرائيل ، والبعض الآخر «أميّة بن أبي الصلت » الشاعر العربي المشهور ، أو هو «أبو عامر الفاسق » وهناك روايات أخرى لا حاجة لنا بها أصلاً ، فلسنا مكلَّفين أن نعرف من هو .
قوله : { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وابتع هواه } أي لو شاء الله لرفعه بآياته التي آتاها إياه . والمراد بالرفع : ما كان في المنزلة . ومنها : الرفع في شرف الدنيا . ومنها : الرفع في الذكر الجميل والثناء الحميد . أو أن الله أعطاه كل هذه المعاني مجتمعة بان وفقه للعمل بآياته والتي كان قد آتاه إياها ؛ وقيل في تأويل الآية : لو شئنا لأمتناه قبل أن يضل ويعصي ربه ، فرفعناه إلى الجنة بذلك . أي بعمله الذي يستوجب ( الجنة ) { ولاكنه أخلد إلى الأرض } من الإخلاد ، وهو الركون واللزوم . أخلد بالمكان ؛ أي لزمه فاطمأن وسكن{[1579]} . والمعنى : أنه ركن إلى الأرض أو نزع إليها أو مال إلى ملذاتها وشهواتها وزخارفها وعزف عن الحق واليقين الذي كان متلبسا به من قبل أن يضل .
وقوله : { واتبع هواه } وهو الضلال والفسق عن أمر الله نزوعا للدنيا وما فيها من خسائس ومغريات موبقات ، أو كان هواه مع القوم الظالمين الذين حرضوه على الإخلاد للأرض والزيغ عن عقيدة التوحيد ركونا للهوى والأموال والشهوات .
قوله : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث } يلهث من اللهاث بالضم ؛ وهو حر العطش في الجوف . يقال : هو يقاسي لهاث الموت ؛ أي شدته . لهث الكلب لهثا ولهاثا : أخرج لسانه من حر أو عطش{[1580]} . ذلك مثل ضربه الله للذي ضل وغوى وخرج عن ملة الإسلام بعد أن آتاه الله آياته فانسلخ منها . فهو أشبه ما يكون بالكلب الذي دأبه اللهاث ؛ فهو يلهث إذا طردته ، ويلهث إذا تركته .
قال القتبي في هذا الصدد : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب ؛ فغنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال المرض ، وحال الصحة ، وحال الري ، وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل ، وإن تركته ضل ؛ فهو كالكلب إن تركته لهث ، وإن طردته لهث ، وقيل في تأويل الآية : إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ؛ ودبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان .
وتلك هي حال الذي انسلخ من آيات الله وفسق عن دينه بعد علم به وهداية ؛ فإنه صار بذلك من غير فؤاد . أو أن فؤاده بات غليظا أجوف لا مكان فيه للإيمان أو اليقين ؛ فهو سواء وعظ أو لم يوعظ ، لم يأت بخير ؛ لأن قلبه خال من الخير ولا يستسيغه ؛ فهو بذلك ضال مجانب لدين الله . لا تجدي معه النصائح والمواعظ ، ولا تعطف قلبه النواهي والزاجر ، ولا يؤثر فيه الترغيب والترهيب ليثنيه عن فعل المعاصي والموبقات . فمثله في ذلك مثل الكلب اللاهث تماما ؛ إذ يلهث في كل الأحوال . فما أروع هذا التعبير ، وما أكمل هذا التصوير الذي لا يصدر بهذا الجمال والرصانة وقوة التأثير إلا عن حكيم خبير !
وقوله : { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } أي أقصص على المشركين واليهود هذه الأخبار عن نقم الله وما أنزله بالمجرمين المضلين من العقوبات والمثلاث . وكذا قص عليهم خبر أي انسلخ من آيات الله ثم ركن إلى الدنيا والشهوات فانتقم الله منه وهو من جنسهم –أي اليهود- أقصص عليهم هذه الأخبار لعلهم يرجعون إلى عقولهم فيفهمون وينزجرون عن الباطل والضلال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.