البدن : بضم الباء جمع بدنة ، وهي الناقة أو البقرة التي تنحر بمكة أيام الحج . وتطلق اللفظة على الذكر والأنثى .
صوافّ : قائمات قد صُفت أيديهن وأرجلهن ، مفردها : صافَّة .
وجبت جنوبها : سقطت على الأرض عند نحرها .
القانع : الراضي بما يعطى له من غير سؤال .
المعترّ : الذي يتعرض للسؤال ويطلب الصدقات من الناس .
بعد أن حثّ الله على التقرب بالأنعام كلّها ، وبين أن ذلك من تقوى القلوب ، خصَّ من بينها الإبلَ والبقر لأنها أعظمُها خَلقا وأكثرها نفعا ، وأغلاها قيمة .
{ والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } :
وقد جعلنا تقديم الإبل والبقر هدايا في الحجّ من شعائِرِ الدِّين ومظاهره ، ولكم فيها خيرٌ كثير ، ركوبها وشُرب ألبانها ، ولكم في الآخرة أجرٌ وثواب بإطعام الفقراء منها . فإذا صُفَّت للذبح فاذكُروا اسمَ الله عليها . فإذا تم ذبحها وسقطت على الأرض ، فكُلوا بعضاً منها ، وتصدّقوا على الفقير القانع المتعفف الذي لا يسأل ، والفقيرِ الذي يسأل . وكذلك سخّرناها لكم وذلّلناها لإرادتكم لتشكرونا على نِعمنا التي لا تحصى عليكم .
قوله تعالى : { والبدن } جمع بدنة سميت بدنة لعظمها وضخامتها ، يريد : الإبل العظام الصحاح الأجسام ، يقال بدن الرجل بدناً وبدانةً إذا ضخم ، فأما إذا أسن واسترخى يقال بدن تبديناً . قال عطاء و السدي : البدن : الإبل والبقر أما الغنم فلا تسمى بدنة . { جعلناها لكم من شعائر الله } من أعلام دينه ، سميت شعائر لأنها تشعر ، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي ، { لكم فيها خير } النفع في الدنيا والأجر في العقبى ، { فاذكروا اسم الله عليها } أي : عند نحرها ، { صواف } أي : قياماً على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ، ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا عبد الله بن مسلمة ، أنبأنا يزيد بن زريع ، عن يونس ، عن زياد بن جبير قال : " رأيت بن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنةً ينحرها ، قال : ابعثها قياماً مقيدةً سنة محمد صلى الله عليه وسلم . وقال مجاهد : الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم . وقرأ ابن مسعود : صوافن وهى أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث ، وهو مثل صواف . وقرأ أبي والحسن ومجاهد : صوافي بالياء أي : صافية خالصة لله لا شريك له فيها . { فإذا وجبت جنوبها } يعني : سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض . وأصل الوجوب : الوقوع . يقال : وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب ، { فكلوا منها } أمر إباحة ، { وأطعموا القانع والمعتر } اختلفوا في معناها : فقال عكرمة و إبراهيم و قتادة : القانع الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل ، والمعتر : الذي يسأل . وروى العوفي عن ابن عباس : القانع الذي لا يعترض ولا يسأل ، والمعتر الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل ، فعلى هذين التأويلين يكون القانع : من القناعة ، يقال : قنع قناعة إذا رضي بما قسم له . وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي : القانع : الذي يسأل ، والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل ، فيكون القانع من قنع يقنع قنوعاً إذا سأل . وقرأ الحسن : والمعتري وهو مثل المعتر ، يقال : عره واعتره وعراه واعتراه إذا أتاه بطلب معروفه ، إما سؤالاً وإما تعرضاً . وقال ابن زيد : القانع : المسكين ، والمعتر : الذي ليس بمسكين ، ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم . { كذلك } يعني : مثل ما وصفنا من نحرها قياماً ، { سخرناها لكم } نعمة منا لتتمكنوا من نحرها ، { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا إنعام الله عليكم .
قوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ( 36 ) } .
( البدن ) ، منصوب بفعل مقدر . وتقديره : وجعلنا البدن جعلناها لكم فيها خير{[3116]} .
( والبدن ) ، جمع بدنة ، وهي الواحدة من الإبل . سميت بذلك من البدانة وهي السّمن . بدن الرجل بضم الدال ، إذا سمن . وهي في اللغة بمعنى الناقة أو البقرة تنحر بمكة . وسميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يسمنونها{[3117]} وهي اسم يختص بالبعير عند الشافعية . وتطلق على غير الإبل من البقر عند الحنفية والمالكية . ووجه قولهم هذا : أن البقرة لما صارت في حكم البدنة قامت مقامها . وقد جعلها النبي ( ص ) عن سبعة والبقرة عن سبعة فصار البقر في حكم البدن .
قوله : ( جعلناها لكم من شعائر الله ) أي من أعلام دينه التي شرعها لكم في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها ليعلم الرائي أنها من الهدي .
قوله : ( لكم فيها خير ) أي خير الدنيا والآخرة . فخير الدنيا بالانتقام بها من ركوب وأكل ونحو ذلك . وخير الآخرة ، من حسن الأجل وجزيل الثواب .
قوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) ( صواف ) ، جمع منصوب على الحال ، من الضمير في ، ( عليها ) . وهو لا ينصرف ؛ لأنه جمع بعد ألفه حرفان ؛ أي مصطفه{[3118]} .
والمعنى : انحروها ذاكرين اسم الله عليها . وهو قوله : باسم الله والله أكبر .
و ( صواف ) ، أي صفت قوائمها فتكون بذلك قياما على ثلاث قوائم ، ويدها اليسرى معقولة . وعلى هذا فإن البعير إذا أرادوا نحره فإنه تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم . وفي هذا أخرج أبو داود بسنده عن جابر أن رسول الله ( ص ) وأصحابه " كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى ، قائمة على ما بقي من قوائمها " وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله قال : صليت مع رسول الله ( ص ) عيد الأضحى ، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال : " بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي " .
قوله : ( فإذا وجبت جنوبها ) أي سقطت على الأرض ميتة عقب نحرها{[3119]} .
قوله : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) الأمر للندب والاستحباب فيندب لصاحب الذبيحة أن يأكل منها . أما ( القانع ) فهو المتعفف ، و ( المعتر ) معناه السائل . وقيل : ( القانع ) الذي يقنع بما يؤتاه ، و ( المعتر ) معناه الذي يعترض فيسأل . وقيل : ( القانع ) الذي يسأل ، ( والمعتر ) الذي يتعرض ولا يسأل .
ويُستدل بهذه الآية على أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء ، أو ثلاثة أثلاث ، فثلث لصاحبها وعياله . وثلث يهديه لأصحابه . وثلث يتصدق به على الفقراء وهو قول الحنفية . وذلك لقوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ( ص ) قال للناس : " إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ؛ فكلوا وادخروا ما بدا لكم " وفي رواية : " فكلوا وادخروا وتصدقوا " وفي رواية : " فكلوا وأطعموا وتصدقوا " .
وعند الشافعية ، أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف . وذلك لقوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) .
قوله : ( كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ) أي مثل ذلك التسخير ذلل الله لكم هذه الأنعام لتكون منقادة لكم إلى حيث تريدون وما تبتغون من منفعة لكي تشكروا الله على ما خوّلكم من نعمة فتطيعوه وتعبدوه{[3120]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.