هذا هو النداء الثالث : بعد أن ركّز الأمر على أساس من الطاعة والتحذير من المخالفة ، ناداهم بإنهاض الهمة وتقوية العزيمة ، والمبادرة إلى الطاعة والامتثال دون إبطاء وتسويف ، وأرشدهم إلى أن ما يدْعَون إليه فيه حياتُهم ، بالعلم والمعرفة ، بالشرف والعزة بالسلطان وعلو الكلمة ، بالسعادة الحقة والنعيم المقيم .
يا أيها الذين آمنوا أجيبوا الله ولبّوه فيما يأمركم به ، وأجيبوا الرسول في تبليغه ما يأمره الله به ، إذا دعاكم الرسول إلى أوامر الله بالأحكام التي فيها حياة أجسامكم وأرواحكم وعقولكم وقلوبكم . فنحن مأمورون أن نطيع الرسول الكريم ونتّبع ما يقول وما يفعل ، وما يأمرنا به وما ينهانا عنه . إن سنّة الرسول الكريم أصل من أصول الإسلام ، والعمل بها عملٌ على حفظ كيان الإسلام وتقدمه ، وفي تركها انحلال الإسلام . كيف نفهم القرآن الكريم لولا سنّة رسوله ؟ لقد وردت الصلاة والزكاة والحج وكثير من أركان الإسلام بألفاظ عامة في القرآن الكريم ، والرسول هو الذي علّمنا إياها وشرحها لنا بأحاديثه وأفعاله .
وهنالك في هذه الأيام فئات من الناس يدعون إلى ترك الحديث وسنة الرسول وعدم الأخذ بها ، وما هذه الدعوة إلا لهدم الإسلام وتقويض أركانه . وهذا خروج عن الإسلام وإلحاد كبير نعوذ بالله منه .
{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } واعلموا علم اليقين أن الله قائم على قلوبكم ، يوجّهها كما يشاء .
روى البخاري وأصحاب السنن قال : كانت يمين النبي «لا ومقلّب القلوب » . وفي صحيح مسلم : «اللهم مصرّف القلوب ، صرِّفْ قلوبنا إلى طاعتك » .
{ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } وأنكم جميعا ستجمعون يوم القيامة يوم البعث والجزاء .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } ، يقول : أجيبوهما بالطاعة .
قوله تعالى : { إذا دعاكم } ، الرسول صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : { لما يحييكم } ، أي : إلى ما يحييكم ، قال السدي : هو الإيمان ، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان ، وقال قتادة : هو القرآن فيه الحياة ، وبه النجاة والعصمة في الدارين ، وقال مجاهد : هو الحق ، وقال ابن إسحاق : هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل ، وقال القتيبي : بل الشهادة ، قال الله تعالى في الشهداء { بل أحياء عند ربهم يرزقون } [ آل عمران : 169 ] وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فدعاه فعجل أبي في صلاته ، ثم جاء ، فقال رسول الله : ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك ؟ قال : كنت في الصلاة ، قال : أليس يقول الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ؟ فقال :لا جرم يا رسول الله ، لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصلياً .
قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ، قال سعيد بن جبير وعطاء : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكفر والإيمان . وقال الضحاك : يحول بين الكافر والطاعة ، ويحول بين المؤمن والمعصية . وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل ، وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ، ولا أن يكفر إلا بإذنه . وقيل : هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ، واختلجت صدورهم ، فقيل لهم : قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، فيبدل الخوف أمناً ، والجبن جرأةً وشجاعة .
قوله تعالى : { وأنه إليه تحشرون } ، فيجزيكم بأعمالكم .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاطب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.