تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (24)

هذا هو النداء الثالث : بعد أن ركّز الأمر على أساس من الطاعة والتحذير من المخالفة ، ناداهم بإنهاض الهمة وتقوية العزيمة ، والمبادرة إلى الطاعة والامتثال دون إبطاء وتسويف ، وأرشدهم إلى أن ما يدْعَون إليه فيه حياتُهم ، بالعلم والمعرفة ، بالشرف والعزة بالسلطان وعلو الكلمة ، بالسعادة الحقة والنعيم المقيم .

يا أيها الذين آمنوا أجيبوا الله ولبّوه فيما يأمركم به ، وأجيبوا الرسول في تبليغه ما يأمره الله به ، إذا دعاكم الرسول إلى أوامر الله بالأحكام التي فيها حياة أجسامكم وأرواحكم وعقولكم وقلوبكم . فنحن مأمورون أن نطيع الرسول الكريم ونتّبع ما يقول وما يفعل ، وما يأمرنا به وما ينهانا عنه . إن سنّة الرسول الكريم أصل من أصول الإسلام ، والعمل بها عملٌ على حفظ كيان الإسلام وتقدمه ، وفي تركها انحلال الإسلام . كيف نفهم القرآن الكريم لولا سنّة رسوله ؟ لقد وردت الصلاة والزكاة والحج وكثير من أركان الإسلام بألفاظ عامة في القرآن الكريم ، والرسول هو الذي علّمنا إياها وشرحها لنا بأحاديثه وأفعاله .

وهنالك في هذه الأيام فئات من الناس يدعون إلى ترك الحديث وسنة الرسول وعدم الأخذ بها ، وما هذه الدعوة إلا لهدم الإسلام وتقويض أركانه . وهذا خروج عن الإسلام وإلحاد كبير نعوذ بالله منه .

{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } واعلموا علم اليقين أن الله قائم على قلوبكم ، يوجّهها كما يشاء .

روى البخاري وأصحاب السنن قال : كانت يمين النبي «لا ومقلّب القلوب » . وفي صحيح مسلم : «اللهم مصرّف القلوب ، صرِّفْ قلوبنا إلى طاعتك » .

{ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } وأنكم جميعا ستجمعون يوم القيامة يوم البعث والجزاء .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (24)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } ، يقول : أجيبوهما بالطاعة .

قوله تعالى :{ إذا دعاكم } ، الرسول صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : { لما يحييكم } ، أي : إلى ما يحييكم ، قال السدي : هو الإيمان ، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان ، وقال قتادة : هو القرآن فيه الحياة ، وبه النجاة والعصمة في الدارين ، وقال مجاهد : هو الحق ، وقال ابن إسحاق : هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل ، وقال القتيبي : بل الشهادة ، قال الله تعالى في الشهداء { بل أحياء عند ربهم يرزقون } [ آل عمران : 169 ] وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فدعاه فعجل أبي في صلاته ، ثم جاء ، فقال رسول الله : ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك ؟ قال : كنت في الصلاة ، قال : أليس يقول الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ؟ فقال :لا جرم يا رسول الله ، لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصلياً .

قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ، قال سعيد بن جبير وعطاء : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكفر والإيمان . وقال الضحاك : يحول بين الكافر والطاعة ، ويحول بين المؤمن والمعصية . وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل ، وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ، ولا أن يكفر إلا بإذنه . وقيل : هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ، واختلجت صدورهم ، فقيل لهم : قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، فيبدل الخوف أمناً ، والجبن جرأةً وشجاعة .

قوله تعالى : { وأنه إليه تحشرون } ، فيجزيكم بأعمالكم .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاطب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء .