الأولى - قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول " هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف . والاستجابة : الإجابة . و " يحييكم " أصله يحييكم ، حذفت الضمة من الياء لثقلها . ولا يجوز الإدغام . قال أبو عبيدة : معنى " استجيبوا " أجيبوا ، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ، ويتعدى أجاب دون لام . قال الله تعالى : " يا قومنا أجيبوا داعي الله{[7646]} " [ الأحقاف : 31 ] . وقد يتعدى استجاب بغير لام ، والشاهد له قول الشاعر{[7647]} :
وداع دعا يا من يجيب إلى النَّدَى *** فلم يسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيب
تقول : أجابه وأجاب عن سؤاله . والمصدر الإجابة . والاسم الجابة ، بمنزلة الطاقة والطاعة . تقول : أساء سمعا فأساء جابة{[7648]} . هكذا يتكلم بهذا الحرف . والمجاوبة والتجاوب : التحاور . وتقول : إنه لحسن الجيبة ( بالكسر ) أي الجواب . " لما يحييكم " متعلق بقوله : " استجيبوا " . المعنى : استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم . وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى ما يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ؛ لأنه من موت الكفر والجهل . وقال مجاهد والجمهور : المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ، ففيه الحياة الأبدية ، والنعمة السرمدية ، وقيل : المراد بقوله " لما يحييكم " الجهاد ، فإنه سبب الحياة في الظاهر ، لأن العدو إذا لم يغز غزا وفي غزوه الموت ، والموت في الجهاد الحياة الأبدية ، قال الله عز وجل : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء{[7649]} " [ آل عمران : 169 ] والصحيح العموم كما قال الجمهور .
الثانية - روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي . فقال : " ألم يقل الله عز وجل " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " وذكر الحديث . وقد تقدم في الفاتحة{[7650]} . وقال الشافعي رحمه الله : هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا تبطل ؛ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في الصلاة .
قلت : وفيه حجة لقول الأوزاعي : لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس . والله أعلم .
الثالثة - قوله تعالى : " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " قيل : إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به ، فلا يكتسبه إذا لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر . وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر . فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب{[7651]} العباد خيرها وشرها . وهذا معنى قوله عليه السلام : " لا ، ومقلب القلوب " . وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ؛ إذ لم يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم . قال السدي : يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه ، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه ، أي بمشيئته . والقلب موضع الفكر . وقد تقدم في " البقرة{[7652]} " بيانه . وهو بيد الله ، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل . أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل . وقال مجاهد : المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع . وفي التنزيل : " إن في ذلك لذكرى لمن كان له{[7653]} قلب " [ ق : 37 ] أي عقل . وقيل : يحول بينه وبينه بالموت ، فلا يمكنه استدراك ما فات . وقيل : خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا . وقيل : المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال ، وهذا جامع . واختيار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل . " وأنه إليه تحشرون " عطف . قال الفراء : ولو استأنفت فكسرت ، " وأنه " كان صوابا .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقبله وأنه إليه تحشرون } .
ذلك نداء كريم ومؤثر من الله رب العالمين للناس أن يستجيبوا لله ولرسوله الأمين . واستجابتهم تعني امتثالهم لأوامر الله وطاعته والمبادرة إلى طاعة الرسول الكريم إذا دعاهم لما يحييهم ؛ أي ينشر فيهم الحياة الكريمة الهانئة الفضلى . وذلك بالقرآن الذي جاء يحمل للبشرية خير الدنيا والآخرة . القرآن الكلام الرباني المعجز الذي حوى في كلماته وعباراته كل معاني الخير والصلاح ، وكل أسباب النجاة التي تفضي بالبشرية إلى الأمن والاستقرار والسلامة في هذه الدنيا ، وإلى الفوز بالجنة ، والمنجاة من النار يوم القيامة . لا جرم أن القرآن والإسلام هما الملاذ الوحيد للبشرية في كل مكان وزمان كيما تأمن من البلايا والقواصم والويلات في الدار الآخرة التي تتهاوى فيها جسوم الكافرين والظالمين والجاحدين وأبدانهم في قلب الجحيم التي تتهاوى فيما جسون الكافرين والظالمين والجاحدين وأبدانهم في قلب الجحيم لتذوق وبال أمرها من التنكيل والهوان ، فضلا عن الشرور والكوارث النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتجرعها هذه البشرية في حياتها الدنيا ما دامت عاتية عن ذكر الله متمردة على منهجه الحكيم القويم . وبذلك فإن القرآن والإسلام حياة للناس . حياة أيما حياة . حياة راغدة كريمة فضلى تجد فيها البشرية أمنها وسعادتها واستقامتها ، وهي تمضي على طريق الله سالمة آمنة مجانبة لكل ظواهر الضلال والباطل كالشرور والمفاسد والأوضار التي ما زالت تتجرع مرارتها الخليقة في هذه الدنيا لعتوها وإدبارها عن منهج الله والاستعاضة عنه بقوانين البشر . قوانين الشرك والإفك والباطل .
قوله : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } وهذه الآية تحمل عدة وجوه ، منها : أن الله يفرق بين المرء وقلبه بالموت فلا يمكنه بعد ذلك أن يستدرك ما فات . والمراد المبادرة بالتوبة من المعاصي والذنوب قبل فوات الأوان بالموت .
ومنها : أن الله يبدل قلب الإنسان من حال إلى حال . وقد سمي قلب الإنسان بهذا الاسم لتقلبه ؛ فهو بذلك قلب . أي يتقلب من حال إلى حال . والله جل وعلا مقلب القلوب من حال الأمن إلى حال الخوف ، ومن حال الخوف إلى حال الأمن . وقيل : لما خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو أعملهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه . بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا وشجاعة ، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا ورعبا . وقيل غير ذلك .
قوله : { وأنه إليه تحشرون } وذلك تخويف للبشرية كلها يستوي فيها المؤمنون والكافرون . وذلك أن الله جامع الناس يوم القيامة فمجازيهم على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
وفي التعبير بالحشر ما يثير في النفس الخوف من ذلك اللقاء الجامع الحاشد ليعادوا المرء مع نفسه الحساب فيتعظ ويزدجر{[1645]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.