قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا } تقدم{[983]} الكلام في هذا . ومعنى { واسمعوا } أطيعوا ، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط ، وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ، ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده ، أي قبل وأجاب .
قال : دعوت الله حتى خفتُ ألا *** يكون الله يسمع ما أقول
أي يقبل ، وقال الراجز :والسمع والطاعة والتسليم *** خير وأعفى لبني تميم
{ قالوا سمعنا وعصينا } اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا ، أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا ، كما قال :
امتلأ الحوض وقال قطني *** مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وهذا احتجاج عليهم في قولهم : { نؤمن بما أنزل علينا } .
قوله تعالى : { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } أي حب العجل والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه ، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم . وفي الحديث : " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء . . . " الحديث ، خرجه مسلم . يقال أشرب قلبه حب كذا ،
قال زهير :فصحوتُ عنها بعد حُبٍّ داخل *** والحب تُشْرِبُه فؤادك داء
وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل ؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها ، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها . وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة ، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها :
تغلغل حب عَثْمَة في فؤادي *** فباديه مع الخافي يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شراب *** ولا حزن ولم يبلغ سرور
أكاد إذا ذكرت العهد منها *** أطير لو أن إنسانا يطير
وقال السدي وابن جريج : إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء ، وقال لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء ، فشرب جميعهم ، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه . وروي أنه ما شربه أحد إلا جن ، حكاه القشيري .
قلت : أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى : { ثم لننسفنه في اليم نسفا{[984]} } [ طه : 97 ] ، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى : { واشربوا في قلوبهم العجل } والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } وقد تقدم ذكره . { إيمانكم } أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نؤمن بما أنزل علينا . وقيل : إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمر أن يوبخهم ، أي قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم . وقد مضى الكلام في " بئسما " والحمد{[985]} لله وحده .
ثم ذكر أمراً آخر هو أبين في عنادهم وأنهم إنما هم مع الهوى فقال مقبلاً على خطابهم لأنه أشد في التقريع { وإذ أخذنا }{[3760]} وأظهره في مظهر العظمة تصويراً{[3761]} لمزيد جرأتهم{[3762]} { ميثاقكم } على الإيمان والطاعة { ورفعنا فوقكم الطور } الجبل العظيم الذي جعلناه زاجراً لكم عن الرضى بالإقامة في حضيض الجهل ورافعاً إلى أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم { خذوا ما آتيناكم } من الأصول والفروع في هذا الكتاب العظيم { بقوة } .
{[3763]}ولما كانت فائدة السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال {[3764]}{ واسمعوا }{[3765]} وإلا دفناكم به ، {[3766]}وذلك{[3767]} حيث يكفي غيركم في التأديب رفع{[3768]} الدرة{[3769]} والسوط عليه فينبعث للتعلم{[3770]} الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له{[3771]} من الشرف ولها به من الفخار ؛ ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى وشيكاً مع كونها مقتضية للثبات على الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم بعده {[3772]}منبئاً عن{[3773]} أن العناد لهم طبع لازم فكانوا كأنهم عند إعطاء العهد عاصون قال مترجماً{[3774]} عن أغلب أحوال أكثرهم في مجموع أزمانهم وهو ما عبر عنه في الآية السالفة بقوله :
{ ثم توليتم }{[3775]} [ البقرة : 83 ] مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم بعد إفحامهم{[3776]} بالمواجهة في تقريعهم{[3777]} حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع لهم فأخبروا أنهم جعلوه ضاراً { قالوا سمعنا{[3778]} } {[3779]}أي بآذاننا{[3780]} { وعصينا }{[3781]} أي وعملنا بضد ما سمعنا{[3782]} ؛ وساقه لغرابته{[3783]} مساق جواب سائل كأنه قال : رفع الطور فوقهم أمر هائل جداً مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهراً وباطناً والثبات عليه فما فعلوا ؟ فقيل : بادروا إلى خلاف ذلك { وأشربوا }{[3784]} فأعظم الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم إلى قلوبهم ، وهو من الإشراب وهو{[3785]} مداخلة نافذة سائغة كالشراب وهو الماء المداخل{[3786]} كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله الحرالي{[3787]} : {[3788]}وقال الكشاف : و{[3789]}خلط لون بلون { في قلوبهم العجل } أي حبه{[3790]} وحذفه للإيذان بشدة التمكن بحيث صار المضاف هو المضاف إليه{[3791]} { بكفرهم } وفيه إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال الأمر استحق الإبعاد عن مقام الأنس .
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب الثامن في وجوه بيان الإقبال والإعراض في القرآن : اعلم أن كل مربوب يخاطب{[3792]} بحسب ما{[3793]} في وسعه لقنه{[3794]} وينفى عنه ما ليس في وسعه لقنه{[3795]} فلكل سن من أسنان القلوب خطاب إقبال بحسب لقنه ، وربما كان له إباء عن بعض ذلك فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك الإباء ، وربما تلافته النعمة فعاد الإقبال{[3796]} إليه بوجه ما دون صفاء الإقبال الأول ، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة فيعلو البيان والإفهام{[3797]} بحسب رتبة من توجه إليه الإقبال ، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار ، وربما تراجع لفف البيان فيها بعضها على بعض ، فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إفهام في القرآن
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل }[ الفرقان : 45 ] الآية{[3798]}
{ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً }[ الفرقان : 47 ] الآية{[3799]} : تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين ،
{ أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما }{[3800]} [ الأنبياء : 30 ] أعرض عنهما الخطاب ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته . { خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم } خاطبهم وأمرهم ، فلما عصوا أعرض وجه الخطاب عنهم ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم ، واستمر إعراضه هو تعالى عنهم{[3801]} في تمادي الخطاب
{ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء }{[3802]} [ الطلاق : 1 ] تنزل الخطاب في الرتبتين ليبين{[3803]} للأعلى{[3804]} ما يبينه للأدنى
{ ذلك{[3805]} خير لكم{[3806]} وأطهر }{[3807]} [ المجادلة : 12 ] وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه والتفاف{[3808]} موارده في القرآن - انتهى .
والدليل الوجودي{[3809]} على إشرابهم حب العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في عدم الضر والنفع والصورة ، ففي السفر الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ما نصه : وسكن بنو إسرائيل ساطيم وبدأ الشعب{[3810]} أن يسفح ببنات مواب{[3811]} ودعين{[3812]} الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب من ذبائحهم وسجدوا{[3813]} لآلهتهم وكمل بنو إسرائيل العبادة{[3814]} بعليون{[3815]} الصنم واشتد غضب الله على بني إسرائيل - انتهى .
ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء{[3816]} الإيمان والاختصاص بالجنان أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم على وجه التهكم{[3817]} بهم{[3818]} {[3819]}مؤكداً لذمهم{[3820]} بالتعبير بما وضع لمجامع الذم{[3821]} فقال{[3822]} { قل بئسما{[3823]} } {[3824]}أي بئس شيئاً الشيء الذي{[3825]} { يأمركم به } من الكفر { إيمانكم } هذا الذي ادعيتموه ؛ وأوضح هذا التهكم{[3826]} بقوله على سبيل الفرض{[3827]} والتشكيك{[3828]} { إن كنتم مؤمنين } على ما زعمتم ، فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم ، وإما أنهم أجهل الجهلة حيث عملوا ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون .
قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدّمت أيديهم والله عليم بالظالمين } .
أخذ الله على بني إسرائيل العهد أن يستقيموا على صراطه ودينه وأن يعملوا بما في التوراة . لكنهم أبوا وتولوا معارضين مدبرين ، كان ذلك بعد أن رأوا الأدلة الحسية على صدق الرسالة وبعد إعلانهم عن التوبة إلى بارئهم والرجوع إلى دينه مرارا حتى تهددهم الله بالجبل إذ رفعه فوق رؤوسهم كأنه ظُلة وأيقنوا أنه ساقط عليهم . ذلك تخويف من الله لبني إسرائيل ، وهو تخويف واقع مشهود أرعب قلوبهم وأرعد فيهم المشاعر والأبدان ؛ لكي يصيخوا إلى النذير الذي يغشاهم بالعذاب أو الموت إلا أن يهتدوا ويأخذوا بما في التوراة فينجوا . جاء هذا التهديد مقترنا بقوله سبحانه لهم : { خذوا ما آتاكم بقوة واسمعوا } أي ألزموا أنفسكم التوراة ، واعملوا بما فيها من هداية وتعاليم وذلك { بقوة } أي بجد وعزم واجتهاد . وقوله : { واسمعوا } لا يعني مجرد السمع وحده ولكن الأهم المقصود هو الطاعة . فقد أمرهم أن يلتزموا بالتوراة طائعين مذعنين لله دون ميل أو انثناء أو تردد .
وقوله : { قالوا سمعنا وعصينا } وذلك على سبيل المجاز فقد لا ينطقون ذلك بألسنتهم حقيقة ، وإنما كانت حالهم تنطق به كأنما يقولون سمعنا سماعا مجردا وعصينا أن نعمل بما في الأمر . وقيل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا وقوله : { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } أي خالط حب العجل قلوبهم فخلُص إلى صميمها خلوصا . وذلك هو الإشراب الذي يداخل القلب مداخلة تستعصي على الفكاك ، وذلك على سبيل الاستعارة التي تتجلى من خلالها الصورة على التمام . وهي صورة القلب الزائغ المتجانف الذي استحوذ عليه حب العجل حتى مرد عليه مرودا شائنا . وفي صدد التعبير بالإشراب يقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الفتن تتشربها القلوب تشربا : " تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا ، فأيما القلب أشربها نُكت فيه نكتة سوداء " والنكتة العلامة ، وقوله : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } بعد الحديث الكريم عن القلوب المريضة التي أشربت حب العجل يأمر الله نبيه أن يخاطب هؤلاء القوم الفساق خطاب التنديد والذم بأنه بئس هذا الإيمان الفاسد الزائف الذي تنطوي عليه صدوركم ، وبئس الذي يأمركم به هذا الإيمان من سقيم العبادة والتوجه . وهذا الضرب من الإيمان ليس من الحق أو الهداية في شيء وما هو إلا الباطل والضلالة برمتها .