الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

قوله تعالى : " أولم ير الذين كفروا " قراءة العامة " أو لم " بالواو . وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد " ألم تر " بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة . " أو لم ير " بمعنى يعلم . " الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا " قال الأخفش : " كانتا " لأنهما صنفان ، كما تقول العرب : هما لقاحان أسودان ، وكما قال الله عز وجل : " إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا " {[11242]} [ فاطر : 41 ] قال أبو إسحاق : " كانتا " لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد بسماء ، ولأن السموات كانت سماء واحدة ، وكذلك الأرضون . وقال : " رتقا " ولم يقل رتقين ، لأنه مصدر ، والمعنى كانتا ذواتي رتق . وقرأ الحسن " رتقا " بفتح التاء . قال عيسى بن عمر : هو صواب وهي لغة . والرتق السد ضد الفتق ، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم ، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج . قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة : يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء . وكذلك قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها{[11243]} ففتحها بها ، وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا . وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو صالح : كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات ، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا . وحكاه القتبي في عيون الأخبار له ، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل : " أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقاهما " قال : كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها ، ففتق من هذه سبع سموات ، ومن هذه سبع أرضين ، خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس ، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار ، وجعل فيها البحار وسماها رعاء ، عرضها مسيرة خمسمائة عام ، ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما ، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس ، وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم ، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج ، واسم تلك الأرض : الدكماء ، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام ، ومنها هواء إلى الأرض . الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود ، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال ، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم . ثم خلق الله الخامسة [ مثلها ]{[11244]} في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار . ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد ، فيها حجارة سُودٌ بُهْم ، ومنها خلقت تربة آدم عليه السلام ، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم ، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم ، فذلك قوله عز وجل : " وقودها الناس والحجارة " {[11245]} [ البقرة : 24 ] ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عربية وفيها جهنم ، فيها بابان اسم الواحد سجين والآخر الفلق ، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار ، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون ، وأما الفلق فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة . وقد مضى في " البقرة " {[11246]} أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام ، وسيأتي له في آخر " الطلاق " {[11247]} زيادة بيان إن شاء الله تعالى . وقول ثالث قاله عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي : إن السموات كانت رتقا لا تمطر ، والأرض كانت رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر ، والأرض بالنبات ، نظيره قوله عز وجل : " والسماء ذات الرجع . والأرض ذات الصدع " {[11248]} [ الطارق : 11 - 12 ] . واختار هذا القول الطبري ؛ لأن بعده : " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " .

قلت : وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة ، ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ؛ ليدل على كمال قدرته ، وعلى البعث والجزاء . وقيل :

يَهُونُ عليهم إذا يَغْضَبُو*** نَ سخطُ العداة وإرغامُها

ورتق الفُتوق وفَتْقُ الرتو*** ق ونَقْضُ الأمور وإبرامُها

قوله تعالى : " وجعلنا من الماء كل شيء حي " ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شيء من الماء ، قاله قتادة . الثاني : حفظ حياة كل شيء بالماء . الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي ، قاله قطرب . " وجعلنا " بمعنى خلقنا . وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له حديث أبي هريرة قال : قلت يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي ، وقرت عيني ، أنبئني عن كل شيء ، قال : ( كل شيء خلق من الماء ) الحديث ، قال أبو حاتم قول أبي هريرة : " أنبئني عن كل شيء " أراد به عن كل شيء خلق من الماء ، والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال : ( كل شيء خلق من الماء ) وإن لم يكن مخلوقا . وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السموات والأرض رتقا . وقيل : الكل قد يذكر بمعنى البعض كقول : " وأوتيت من كل شيء " {[11249]} [ النمل : 23 ] وقول : " تدمر كل شيء " {[11250]} [ الأحقاف : 25 ] والصحيح العموم ؛ لقول عليه السلام : ( كل شي خلق من الماء ) والله أعلم . " أفلا يؤمنون " أي أفلا يصدقون بما يشاهدون ، وأن ذلك لم يكن بنفسه ، بل لمكون كونه ، ومدبر أوجده ، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا .


[11242]:راجع جـ 14 ص 356.
[11243]:في ب و جـ وك: توسطها.
[11244]:زيادة يقتضيها السياق.
[11245]:راجع جـ 18 ص 194.
[11246]:راجع جـ 1 ص 257 فما بعد.
[11247]:راجع جـ 18 ص 174.
[11248]:راجع جـ 20 ص 10.
[11249]:راجع جـ 13 ص 184.
[11250]:راجع جـ 16 ص 205 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

ولما أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية ، وتارة {[50758]}بقيد كونها{[50759]} سماوية ، وتارة مطلقة ، لتعم كلا من القسمين وغيرهما ، واستدل على ذلك كله بما لم تبق معه شبهة ، فدل تفرده على أنه لا مانع له مما{[50760]} يريد من بعث ولاغيره ، وكان علمهم لا يتجاوز ما في السماوات والأرض ، قال مستدلاً على ذلك أيضاً مقرراً بما يعلمونه ، أو ينبغي أن{[50761]} يسألوا عنه حتى يعلموه لتمكنهم من ذلك { فاسألوا أهل الذكر } جالياً له في أسلوب العظمة : { أولم } أي ألم يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته{[50762]} و{[50763]}لم يروا ، ولكنه أظهر للدلالة على أنهم يغطون{[50764]} أنوار الدلائل عناداً فقال : { ير } أي يعلم علماً هو كالمشاهدة { الذين كفروا } أي ستروا ما يعلمون من قدرة الله فأدى ذلك إلى الاستهانة والتنقص{[50765]} فصار ذنبهم غير مغفور{[50766]} ، وسعيهم غير مشكور ، وحذف{[50767]} ابن كثير{[50768]} الواو العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه السياق أيضاً ، لا للاستفهام بما دل عليه ختام الآية التي قبل من البعث والجزاء المقتضي للإنكار على من أنكره ، فكان المعنى على قراءته{[50769]} : نجزي كل ظالم بعد البعث ، ألم ير المنكرون لذلك قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق ، وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينها ، فمن البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر منفصلاً عنه بغير رافع {[50770]}لا سيما إذا كان المرتفع ثابتاً{[50771]} من غير عماد ، فكيف وهو عظيم الجسم كبير الجرم ؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافىء وغيره ، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه{[50772]} { أن السماوات والأرض } .

{[50773]}ولما كان المراد الإخبار عن الجماعتين لا عن الأفراد قال{[50774]} : { كانتا } {[50775]}ولما {[50776]}كان المراد{[50777]} شدة الاتصال والتلاحم ، أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم فقال : { رتقاً } أي ملتزقتين{[50778]} زبدة واحدة على وجه الماء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق{[50779]} { ففتقناهما } {[50780]}أي بعظمتنا{[50781]} أي{[50782]} بأن ميزنا إحديهما عن الأخرى بعد التكوين المتقن وفتقنا السماء بالمطر ، والأرض بأنواع النبات بعد أن لم يكن شيء من ذلك ، ولا كان مقدوراً على شيء منه لأحد غيرنا ؛ {[50783]}عن ابن عباس{[50784]} رضي الله عنهما وعطاء والضحاك وقتادة : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففضل الله تعالى بينهما بالهواء . وعن مجاهد وأبي صالح والسدي : كانتا مؤتلفة طبقة{[50785]} واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض{[50786]} كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع{[50787]} طبقات .

ولما كان خلق الماء سابقاً على خلق السماوات والأرض ، قال : { وجعلنا } أي بما اقتضته عظمتنا{[50788]} { من الماء } أي الهامر ثم الدافق{[50789]} { كل شيء حي } مجازاً من النبات وحقيقة من الحيوان ، خرج الإمام أحمد وغيره " عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني عن كل شيء ، فقال : كل شيء خلق من ماء{[50790]} " ولذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الذي وجده على ماء بدر {[50791]}وسأله{[50792]} : ممن هو ؟ بقوله : " نحن من ماء " .

ولما كان هذا من تصرفه في هذين الكونين ظاهراً ومنتجاً لأنهما وكل ما فيهما{[50793]} ومن فيهما بصفة العجز عن أن يكون له تصرف ما ، تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم فقال : { أفلا يؤمنون* } أي بأن شيئاً منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية ، لا على وجه الشركة{[50794]} ولا على وجه الانفراد ، وبأن صانعهما ومبدع النامي من حيوان ونبات منهما بواسطة الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب ، بعد أن صار الميت تراباً بماء يسببه لذلك .


[50758]:من ظ ومد وفي الأصل: بكونها.
[50759]:من ظ ومد، وفي الأصل: بكونها.
[50760]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[50761]:تكرر في مد.
[50762]:من ظ ومد، وفي الأصل: دلالته.
[50763]:من مد، وفي الأصل وظ: أو.
[50764]:من ظ ومد، وفي الأصل: يعظمون.
[50765]:من ظ ومد، وفي الأصل: النقص.
[50766]:من ظ ومد وفي الأصل: مقصور.
[50767]:في ظ: أسقط.
[50768]:بين سطري ظ: المقرى.
[50769]:في مد: ما قراته.
[50770]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط بعد تمام القدرة.
[50771]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط بعد "تمام القدرة"..
[50772]:من ظ ومد وفي الأصل: يعلمون.
[50773]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50774]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50775]:العبارة منة هنا إلى "الاسم فقال" ساقطة من ظ
[50776]:في مد: كانتا.
[50777]:في مد: كانتا.
[50778]:من ظ ومد، وفي الأصل: ملتصقين.
[50779]:من ظ ومد وفي الأصل: الشد
[50780]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50781]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50782]:زيد من مد.
[50783]:العبارة من هنا إلى éطبقات" ساقطة من ظ.
[50784]:راجع البحر المحيط 6 / 308.
[50785]:من مد والبحر وفي الأصل: طينة.
[50786]:في البحر: الأرضون.
[50787]:زيد من مد والبحر إلا أن في البحر "سبعا" مع "حذف طبقات".
[50788]:زيد من مد.
[50789]:بهامش ظ: أي المنى.
[50790]:من ظ ومد، وفي الأصل: الماء.
[50791]:من ظ ومد، وفي الأصل: فسأله.
[50792]:من ظ ومد وفي الأصل: فسأله.
[50793]:من ظ ومد، وفي الأصل: عنهما.
[50794]:من ظ ومد وفي الأصل: الشرك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

قوله تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ( 30 ) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ( 31 ) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ( 32 ) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ( 33 ) } .

ذلك تنبيه من الله عظيم قدرته المطلقة ، وسلطانه البالغ ، وعلمه المحيط ؛ ليعلم الناس أنه ليس من إله عظيم معبود سوى الله الخالق العليم . فقد بيّن لنا هنا في قرآنه الحكيم ، حقيقة علمية ظاهرة ، سبق القرآن بها العلوم والعقول والنظريات في الطبيعة والفلك ؛ إذ يقول : ( أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ( أولم ) ، الواو للعطف . و ( السماوات ) ، جمع أريد به الواحد . فالسماوات والأرض جنسان كانا ( رتقا ) أي مرتوقين . بمعنى مضمومين ملتحمين فكانا شيئا واحدا متصلا بعضه ببعض .

قوله : ( ففتقناهما ) من الفتق وهو الشق وهو ضد الرتق{[3029]} ؛ أي شققناهما وفصلنا بينهما ، لنجعل السماوات سبعا طباقا . ولنجعل الأرضين سبعا كذلك . وفي خلال الجنسين وبينهما من عظيم الخلائق وعجائب الأشياء والكائنات ما لا يعلم عدته ومداه إلا الله .

لقد كانت السماوات والأرض متلاصقتين ؛ إذ كان الجميع متلاصقا متراكما يتصل بعضه ببعض حتى شاء الله أن يفصل بين الصنفين لتكون السماوات بأفلاكها ونظامها المنسجم وما فيها من الكواكب والنجوم والأجرام ومختلف الكائنات ما يدير الرأس عجبا . وكذا الأرض جعلها الله على هيئتها الراهنة من الكيفية والصلوح للحياة والقرار على متنها إلى أن يأذن الله بالفناء والنهاية .

وذلك الذي قد توصل إليه علم الطبيعة والفلك في هذه المسألة الكونية . وجملة ذلك : أن هذا الكون الهائل لم يكن في زمانه الموغل في القدم على هيئته الراهنة من الانفصال والتكامل والاتساق . وإنما كان الكون كله سديما واحدا متصلا وملتحما بعضه ببعض . فلا جرم أن تكون هذه ظاهرة من ظواهر الإعجاز في القرآن . قوله : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) أي خلق الله كل ذي حياة من الماء . ولفظ شيء بإضافته للماء ، من العام المخصوص ؛ فقد خرج بذلك منه الملائكة والجن وكل ذي غير حياة نامية .

قوله : ( أفلا يؤمنون ) استفهام إنكار يفيد التعجب من فرط الهوان الذي يغشى عقول السفهاء والضالين من الناس ، المعرضين عن الدلائل والآيات والنذُر ، والذين لا يتدبرون آيات الله في الكون والطبيعة الدالة على جلال الله ، وعلى أن هذا القرآن حق وصدق . والمعنى المراد : أفلا يزدجر هؤلاء المشركون والعصاة الضالون عن الكفر والجحود فيفيئوا إلى التصديق والطاعة والإيمان بما أنزل الله .


[3029]:- القاموس المحيط ص 1183.