الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فيه ثلاث مسائل :

الأولى : روى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال : ( أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عند الله ) . وقال : هذا حديث حسن . وقال أبو هريرة : نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام . وقال ابن عباس : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية . وقال عمر بن الخطاب : من فعل فعلهم كان مثلهم . وقيل : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني الصالحين منهم وأهل الفضل . وهم الشهداء على الناس يوم القيامة ؛ كما تقدم في البقرة{[3351]} . وقال مجاهد : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " على الشرائط المذكورة في الآية . وقيل : معناه كنتم{[3352]} في اللوح المحفوظ . وقيل : كنتم مذ آمنتم خير أمة . وقيل : جاء ذلك لتقدم البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته . فالمعنى كنتم عند من تقدمكم من أهل الكتب خير أمة . وقال الأخفش : يريد أهل أمة ، أي خير أهل دين ، وأنشد :

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً *** وهل يأثَمَنْ ذو أُمَّةٍ وهو طائع{[3353]}

وقيل : هي كان التامة ، والمعنى خلقتم ووجدتم خير أمة . " فخير أمة " حال . وقيل : كان زائدة ، والمعنى أنتم خير أمة . وأنشد سيبويه : وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ{[3354]}

ومثله قوله تعالى : " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " {[3355]} [ مريم : 29 ] . وقوله : " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " {[3356]} [ الأعراف : 86 ] . وقال في موضع آخر : " واذكروا إذ أنتم قليل " . وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال : تجرون الناس بالسلاسل إلى الإسلام . قال النحاس : والتقدير على هذا كنتم للناس خير أمة . وعلى قول مجاهد : كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . وقيل : إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة ؛ لأن المسلمين منهم أكثر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى . فقيل : هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ) أي الذين بعثت فيهم .

الثانية : وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم ، فقد روى الأئمة من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) . الحديث{[3357]} وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم ، وإلى هذا ذهب معظم العلماء ، وإن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرة في عمره أفضل ممن يأتي بعده ، وإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل . وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وإن قوله عليه السلام : ( خير الناس قرني ) ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول . وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود ، وقال لهم : ما تقولون في السارق والشارب والزاني . وقال مواجهة لمن هو في قرنه : ( لا تسبوا أصحابي ) . وقال لخالد بن الوليد في عمار : ( لا تسب من هو خير منك ) وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي ) . وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر . قال : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ) قلنا الملائكة . قال : ( وحق لهم بل غيرهم ) قلنا الأنبياء . قال : ( وحق لهم بل غيرهم ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانا ) . وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال : قلنا يا رسول الله ، هل أحد خير منا ؟ قال : ( نعم قوم يجيؤون من بعدكم فيجدون كتابا بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني ) . وقال أبو عمر : وأبو جمعة له صحبة واسمه حبيب بن سباع ، وصالح بن جبير من ثقات التابعين . وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن أمامكم أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثله عمله ) قيل : يا رسول الله ، منهم ؟ قال : ( بل منكم ) . قال أبو عمر : وهذه اللفظة " بل منكم " قد سكت عنها بعض المحدثين فلم يذكرها . وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال : من فعل مثل فعلكم كان مثلكم . ولا تعارض بين الأحاديث ؛ لأن الأول على الخصوص ، والله الموفق .

وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب : إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم ، وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء ، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم ، ومما{[3358]} يشهد لهذا قوله عليه السلام : ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ) . ويشهد له أيضا حديث أبي ثعلبة ، ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمتي كالمطر لا يُدْرَى أوله خير أم آخره ) . ذكره أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي ، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالك عن الزهري عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ) . ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك . قال أبو عمر : هشام بن عبيد الله ثقة لا يختلفون في ذلك . وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها ، فكتب إليه سالم : إن عملت بسيرة عمر ، فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ، ولا رجالك كرجال عمر . قال : وكتب إلى فقهاء زمانه ، فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم . وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ) بقوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله ) .

قال أبو عمر : فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها . والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين ، ويكثر فيه الفسق والهرج ، ويذل المؤمن ويعز الفاجر ويعود الدين غريبا كما بدا غريبا ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر ، فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية ، ومن تدبر آثار هذا الباب بان له الصواب{[3359]} ، والله يؤتي فضله من يشاء .

الثالثة : قوله تعالى : " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به . فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سببا لهلاكهم . وقد تقدم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول السورة{[3360]} .

قوله تعالى : " ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم " أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم خير لهم ، وأخبر أن منهم مؤمنا وفاسقا ، وأن الفاسق أكثر .


[3351]:- راجع جـ2 ص 154.
[3352]:- الزيادة في د و ب.
[3353]:- البيت للنابغة الذبياني. أمة بالضم والكسر: ذو أمة: ذو دين واستقامة، والأمة: النعمة.
[3354]:- هذا عجز بيت الفرزدق، وصدره: *فكيف إذا رأيت ديار قوم*
[3355]:- راجع جـ11 ص 101.
[3356]:- راجع جـ7 ص 249، وص 394.
[3357]:- الزيادة من هـ و د وب، في د و ب: من كل من يأتي.
[3358]:- في د و ب وهـ.
[3359]:- في د و ب: الكتاب.
[3360]:- راجع ص 46 من هذا الجزء.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

ولما كان من رجوع{[18573]} الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا{[18574]} في رضاه{[18575]} حمداً وشكراً و{[18576]}مؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم{[18577]} ليزدادوا حيرة{[18578]} وسكراً{[18579]} : { كنتم خير أمة } أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً . ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال : { أخرجت للناس } ثم بين وجه الخيرية{[18580]} بما لم يحصل مجموعه لغيرهم على ما هم{[18581]} عليه من المكنة بقوله : { تأمرون } أي على سبيل التجدد والاستمرار { بالمعروف } أي كل ما عرفه الشرع وأجازه { وتنهون عن المنكر } وهو ما خالف ذلك ، ولو وصل الأمر إلى القتال ، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون{[18582]} ما أمرهم به من {[18583]}الأمر بالمعروف{[18584]} والنهي عن المنكر في قوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } إراحة لهم من كلفة النظر في {[18585]}أنهم هل يمتثلون{[18586]} فيفلحوا ، وإزاحة{[18587]} لحملهم{[18588]} أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا{[18589]} ويربحوا ، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب ، وللترمذي - وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي{[18590]} صلى الله عليه يقول في هذه الآية : " أنتم تتمون{[18591]} سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى " وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " أنتم خير الناس للناس{[18592]} ، تأتون{[18593]} بهم في{[18594]} السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا{[18595]} في الإسلام{[18596]} " .

ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً ، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال{[18597]} { وتؤمنون } أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون{[18598]} { بالله } أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته ، وارتدت {[18599]}نوافذ أبصار{[18600]} البصائر خاسئة{[18601]} عن حصر صفاته ، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً ، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً ، لأن الكون المذكور{[18602]} لا يحصل إلا بجميع{[18603]} ما ذكر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم ، وقد صدق{[18604]} الله ومن أصدق من الله حديثاً !

قاال الإمام أبو عمر يوسف بن{[18605]} عبد البر النمري{[18606]} في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل{[18607]} أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير{[18608]} وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً{[18609]} من هؤلاء - انتهى .

ولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم ، عطف عليه قوله : { ولو آمن أهل الكتاب } أي أوقعوا{[18610]} الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره ، ولم يفرقوا{[18611]} بين شيء من ذلك { لكان } أي الإيمان { خيراً لهم } إشارة إلى تسفيه{[18612]} أحلامهم{[18613]} في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض{[18614]} القليل الفاني والرئاسة التافهة ، وتركهم{[18615]} الغنى الدائم والعز الباهر الثابت .

ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً : { منهم المؤمنون } أي الثابتون في الإيمان ، ولكنهم قليل { وأكثرهم الفاسقون * } أي{[18616]} الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم .


[18573]:في ظ: مجموع.
[18574]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ليتمنوا.
[18575]:في ظ: رضاها.
[18576]:سقطت الواو من ظ.
[18577]:زيد بعده في الأصل "من يشاء قال مادحا لهذه الأمة" ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18578]:في ظ: حيلة.
[18579]:في ظ: شكرا.
[18580]:من ظ ومد، وفي الأًصل: الخيرية.
[18581]:في ظ ومد: هو.
[18582]:من ظ ومد، وفي الأًصل: سيعلبون ـ كذا.
[18583]:في ظ: المعروف.
[18584]:في ظ: المعروف.
[18585]:في ظ "و" .
[18586]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ممتثلون.
[18587]:من مد، وفي الأصل وظ: إراحة.
[18588]:من ظ ومد، وفي الأًصل: كلهم.
[18589]:في ظ: ليفوا ـ كذا.
[18590]:في ظ: رسول الله.
[18591]:في ظ: فسمون ـ كذا.
[18592]:سقط من ظ.
[18593]:في ظ: يانون.
[18594]:في ظ "و".
[18595]:في ظ: يدخلون.
[18596]:ولفظ البخاري في صحيحه 2/654 " قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
[18597]:زيد من ظ ومد.
[18598]:سقط من ظ.
[18599]:في ظ: نوافر الأبصار.
[18600]:في ظ: نوافر الأبصار.
[18601]:في ظ: خلسه.
[18602]:في ظ: بالمذكور.
[18603]:من ظ ومد، وفي الأًصل: بمجموع و.
[18604]:من ظ ومد، وفي الأًصل: أصدق.
[18605]:زيد من ظ ومد.
[18606]:من ظ ومد، وفي الأًصل: التموي ـ راجع المشتبه ص 117.
[18607]:زيد بعده في الأصل: على، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18608]:في الأصل: بالمباشير، وفي ظ: المناشير، وفي مد: بالمياشير.
[18609]:في ظ: اجتهاد.
[18610]:في ظ: أوفقو.
[18611]:في ظ: لم يتغرقوا.
[18612]:من ظ ومد، وفي الأًصل: شقية.
[18613]:في ظ: أخلاقهم.
[18614]:في ظ: العوض.
[18615]:في ظ: وتركتم.
[18616]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) الفعل كان في قوله : ( كنتم ) ناقصة . وبذلك فقوله : ( كنتم ) يحتمل المراد ثلاثة وجوه هي :

الأول : أنكم كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة .

الثاني : أن ذلك مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم وهم السابقون الأولون .

الثالث : أن هذه الآية عامة في جميع الأمة الإسلامية كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . وهو الراجح والصواب .

وقيل : كان هنا تامة . فيكون المعنى : وجدتم وخلقتم خير أمة{[564]} .

وكيفما كان اعتبار " كان " هنا فإنه يجب الاستفادة من مدلول الآية في خيرية أمة الإسلام بما يستثير الانتباه والنظر إلى هذه الحقيقة الكبرى . وهي أن أمة القرآن خير الأمم التي أقلتها هذه الأرض ، ولا يقال مثل هذه الكلام من قبيل التعصب للجنس أو العرق أو غير ذلك من مختلف المظاهر النوعية والإقليمية . ولكنها الحقيقة المبنية على الدليل والبرهان . ووجه ذلك أن أمة الإسلام قد صنعها هذا الدين المتكامل المميز الوسط ، الدين الذي يتسم بكل مزايا التوازن والتوسط ، فضلا عن مراعاته الكاملة لفطرة الإنسان ، لا جرم أن مثل هاتيك الخصائص لا تتجلى في ديانة ولا عقيدة ولا ملة ولا فلسفة من الفلسفات أو مبدأ من مبادئ الدنيا ، ليس شيء من ذلك إلا مناهض لفطرة الإنسان أو مخالف لطبيعته مهما كان مدى هذه المخالفة ، لكن الإسلام وحده جُماع مزايا الصلاح كله . يضاف إلى ذلك ما نبه عنه القرآن في هذه الآية وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وذان عنصران أساسيان قد تجليا في أمة الإسلام تجليا مكشوفا وعلى غير مثال ولا نظير في الملل السابقة . وفوق ذلك كله ما يتجلى في هذه الأمة من إيمان صادق وثيق ، إيمان حقيقي سليم ، مبرأ من كل زيف أو تضليل أو خرافة ، إيمان بالله وحده لا شريك له وما يستتبعه ذلك من أسماء لله حسنى وما تقتضيه هذه من صفات الكمال لله جل وعلا .

إذا تبين ذلك أيقنا أن عقيدة الإسلام وحدها المبنية على التوحيد الكامل لله ، الخالصة من كل أدران الشرك على اختلاف صوره وأشكاله ، البعيدة عن كل صور الزيف والافتراء والباطل .

من هنا لزم القول إن أمة الإسلام وحدها لهي المخولة بقيادة البشرية إلى ما فيه أمنها وسلامتها وسعادتها ، ذلك أن هذه الأمة قد صنعها الإسلام لتكون على خير حال من توازن الشخصية واستواء الطبع وجمال العقيدة والفكر ، في غير ما خلل ولا شذوذ ولا اضطراب ، وبعيدا عن كل صور الإفراط والتفريط . أمة منسجمة ملتئمة متسقة في أفكارها وتصوراتها وتطلعاتها وحضارتها ، فهي وحدها معنية بحمل رسالة الإصلاح والهداية والترشيد للبشرية تخليصا لها مما يحيق بها من الأرزاء والملمات والأزمات . أمة الإسلام قائمة على الود والرحمة واليقين ، وقد جيء بها لتحمل لواء الرحمة للناس جميعا ، فتتبدد من وجه هذه الدنيا كل معالم الشر والفساد والباطل . ولتشعشع في الآفاق أنوار الخير والتعاون والسلام .

قوله : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) أي لو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه و سلم وما جاءهم في ذلك من عند الله ، فآمنوا كإيمان المسلمين ، هذا الإيمان الحقيقي الصادق الذي لا يعتوره زيف ولا تضليل ولا خلل ، والذي لا يخالطه تحريف ولا تبديل ولا افتراء ( لكان خيرا لهم ) لسوف يفضي بهم هذا الإيمان الصحيح إلى الخير . إذ يصنع منهم أمة سوية رحيمة سليمة من عطب العقيدة وفساد الفكر والتصور .

ومع ذلك فقد آمن بنبي الإسلام نفر قليل من أهل الكتاب ، لكن الأكثرين مهم الفاسقون ، وذلك من الفسق أي الخروج ، فقد خرج أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن دينهم مما في التوراة والإنجيل . وكان هذان الكتابان قد تضمنا ذكر رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه و سلم وتحريض بني إسرائيل على تصديقه والإيمان به ، لكنهم أبوا وعتوا عتوا كبيرا . وما فتئ اليهود والنصارى يزدادون على مرّ الزمن كفرا بدين الإسلام وبنبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، فضلا عن حمالات الصدر والتضليل والتشويه لهذا الدين العظيم وعما يتفننون فيه من أساليب الإبادة والتدمير والتشريد للمسلمين .


[564]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 391 وتفسير الرازي جـ 8 ص 194 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 170.