الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (27)

فيه مسألتان :

الأولى : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود ، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه . المعنى : إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء ، وقتل قابيل هابيل ، والشر قديم . أي ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق ، لا كالأحاديث الموضوعة ، وفي ذلك تبكيت لمن خالف الإسلام ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . واختلف في ابني آدم ، فقال الحسن البصري : ليسا لصلبه ، كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل . قال ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب ؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه ، هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما ، وهما قابيل وهابيل ، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل - لأنه صاحب زرع - واختارها من أردأ زرعه ، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها . وكان قربان هابيل كبشا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه . " فتقبل " فرفع إلى الجنة ، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام ، قاله سعيد بن جبير وغيره . فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا - قال له قابيل حسدا لأنه كان كافرا - أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني ! " لأقتلنك " وقيل : سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى - إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي ، واسمه هبة الله ؛ لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته : هذا هبة الله لك بدل هابيل . وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين{[5456]} ومئة سنة - وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر ، ولا تحل له أخته توأمته ، فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء ، ومع هابيل أختا ليست كذلك واسمها ليوذا ، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي ، فأمره آدم فلم يأتمر ، وزجره فلم ينزجر ، فاتفقوا على التقريب ، قال جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود . وروي أن آدم حضر ذلك . والله أعلم . وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق : إن آدم لم يكن يزوج ابنته من ابنه ، ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان دين آدم إلا يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت ، وهي أول من بغى على وجه الأرض ، فسلط الله عليها من قتلها ، ثم ولدت لآدم قابيل ، ثم ولدت له هابيل ، فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن ، يقال لها : جمالة في صورة إنسية ؛ وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه . فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية{[5457]} في صفة إنسية وخلق لها رحما ، وكان اسمها بزلة ، فلما نظر إليها هابيل أحبها ، فأوحى الله إلى آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل . فقال قابيل : يا أبت ألست أكبر من أخي ؟ قال : نعم . قال : فكنت أحق بما فعلت به منه ، فقال له آدم : يا بني إن الله قد أمرني بذلك ، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، فقال : لا والله ، ولكنك آثرته علي . فقال آدم : " فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل " .

قلت : هذه القضية عن جعفر ما أظنها تصح ، وإن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن . والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " {[5458]} [ النساء : 1 ] . وهذا كالنص ثم نسخ ذلك ، حسبما تقدم بيانه في سورة " البقرة " {[5459]} . وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا ، أولهم قابيل وتوأمته إقليمياء ، وآخرهم عبد المغيث . ثم بارك الله في نسل آدم . قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا . وما روي عن جعفر - من قوله : فولدت بنتا وأنها بغت - فيقال : مع من بغت ؟ أمع جني تسول{[5460]} لها ! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر ، وذلك معدوم . والله أعلم .

الثانية : وفي قول هابيل " قال إنما يتقبل الله من المتقين " كلام قبله محذوف ؛ لأنه لما قال له قابيل : " لأقتلنك " قال له : ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ؟ ، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ، أما إني اتقيته وكنت على لاحب{[5461]} الحق وإنما يتقبل الله من المتقين . قال ابن عطية : المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة ، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ، وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا{[5462]} من القبول والختم بالرحمة ، علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا . وقال عدي{[5463]} بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة .

قلت : وهذا خاص في نوع من العبادات . وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تبارك وتعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) .


[5456]:في ج و ي: ثمانين.
[5457]:في ج و ي: حوراء.
[5458]:راجع ج 5 ص 2.
[5459]:راجع ج 2 ص 62 فما بعدها.
[5460]:في ي: نزل بها.
[5461]:لاحب: واضح.
[5462]:من ك و هـ و ج و ز و ي.
[5463]:في ك: علي.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (27)

ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من نقض العهود{[25486]} والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ادعاه اليهود من البنوة ، كان ذلك كافياً في إبطال مدعى النصارى لذلك ، لأنهم أبناء اليهود ، وإذا{[25487]} بطل كون أبيك ابنا لأحد بطل أن تكون{[25488]} أنت ابنه ، لما كان ذلك كذلك{[25489]} ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر ، فقال تعالى عاطفاً على قوله : { وإذ قال موسى }[ المائدة : 20 ] { واتل عليهم } أي على المدعوّين الذين من جملتهم اليهود تلاوة ، و{[25490]} هي من أعظم الأدلة على نبوتك ، لأن ذلك لا علم لك{[25491]} ولا لقومك به{[25492]} إلا من جهة الوحي { نبأ{[25493]} ابني آدم } أي خبرهما الجليل العظيم ، تلاوة ملتبسة { بالحق } أي الخبر الذي يطابقه الواقع إذا تُعُرَّفَ من كتب الأولين وأخبار الماضين كائناً ذلك النبأ { إذ } أي حين { قربا } أي ابنا آدم ؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أيّ نوع قربا منه ، قال : { قرباناً } أي بأن قرب{[25494]} كل واحد منهما شيئاً{[25495]} من شأنه أن يقرِّبَ إلى المطلوب مقاربتُه{[25496]} غاية القرب .

ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل ، لا{[25497]} بالنسبة إلى متقبل خاص ، بناه للمفعول فقال : { فتُقبِّل } أي قبل{[25498]} قبولاً عظيماً ظاهراً لكل أحد { {[25499]}من أحدهما{[25500]} } أبهمه{[25501]} أيضاً لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه{[25502]} { ولم يتقبل من الآخر } عَلِمَا ذلك{[25503]} بعلامة كانت لهم في ذلك ، إما أكل النار للمقبول كما{[25504]} قالوه أو{[25505]} غير ذلك ؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضاً ناقضة لدعواهم البنوة ، لأن قابيل ممن ولد في الجنة على{[25506]} ما قيل ، ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد ، فانتفى أن يكون ابناً وكان هو وغيره شرعاً واحداً دائراً{[25507]} أمرهم في العذاب والثواب على الوفاء والنقض ، من وفى كان حبيباً ولياً ، ومن نقض كان بغيضاً عدواً ، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا{[25508]} واسطة بينهما ومع كونه وُلِدَ في الجنة دار الكرامة ، فانتفاؤها{[25509]} عمن هو أسفل منه من باب الأولى ، وكذا المحبة ؛ ومن المناسبات أيضاً أن كفر بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو للحسد ، فنبهوا بقصة ابني آدم على أن الحسد يجر{[25510]} إلى ما لا يرضي الله{[25511]} وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب{[25512]} في النار ؛ ومنها أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم الموعودين عليه بخيري الدارين ، وأن الله معهم فيه ، وفي قصة ابني آدم إقبال{[25513]} قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ منه إن قتله ، ففي ذلك تأديب لهذه{[25514]} الأمة عند كل إقدام وإحجام ، وتذكير بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك ، و{[25515]} أن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام أخوان في غاية الطواعية في أنفسهما ، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله ، وقصة ابني آدم بخلاف ذلك ، وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد ، وأن في قصة بني إسرائيل أنهم لما{[25516]} قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها ، عَلِمَ نبيهم صلى الله عليه وسلم أنها لم تقبل لغلول غَلّوه ، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها ، ففي ذلك الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول - كما في قصة{[25517]} ابني آدم ، وأن بني إسرائيل عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه .

وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل{[25518]} أخيه ، وأن بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة{[25519]} على عدد{[25520]} الأيام التي غاب فيها نقباؤهم{[25521]} في جسّ أخبار الجبابرة ، وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوماً - ذكره البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وقصده{[25522]} السباع فحمله على ظهره أربعين يوماً ، وكل هذه محسنات والعمدة هو الوجه الأول ، وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه السلام عطفاً على النهي في لاتاس{[25523]} ، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم كما قَدمته أنت أول القصة في قولك :

{ التي كتب الله{[25524]} لكم }[ المائدة : 21 ] فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوفٍ قبل دخولها ، وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا{[25525]} توطنوا واستراحوا{[25526]} تحاسدوا ، وإذا تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضاً ، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها ، وأخرجت{[25527]} لهم بركاتها فأبطرتهم النعم ، ونسوا غوائل النقم ؛ ويكون ذلك وعظاً لهذه الأمة ومانعاً من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله ، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها وتحكموا في أموالها ، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة{[25528]} والذلة فأبطرتهم النعم ، وارتكبوا أفعال الأمم ، وأعرضوا عن غوائل النقم - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، الا والبغضاء{[25529]} هي الحالقة ، لا أقول{[25530]} : تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين " أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار{[25531]} - قال المندري : بإسناد جيد - والبيهقي وقال : " لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا " رواه الطبراني ورواته ثقات ، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء{[25532]} من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله عنه أقسم عمر رضي الله عنه : لا يخبأها{[25533]} سقف بيت حتى{[25534]} تقسم ! فوضعت{[25535]} في صحن المسجد ، فبات{[25536]} عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه ، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر عمر رضي الله عنه{[25537]} إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى ، فقال عبد الرحمن رضي الله عنه{[25538]} : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فوالله إن هذا إلا موطن شكر ! فقال عمر : والله ما ذاك يبكيني ، وتالله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم .

شرحُ قصة ابني{[25539]} آدم من التوراة ، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم عليه السلام من الشجرة ما نصه : فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حيّ ، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما ، فأرسله الله من جنة عدن ليحرث{[25540]} الأرض التي منها أخذ ، فأخرجه الله ربنا ، فجامع آدم{[25541]} امرأته حواء فحبلت{[25542]} وولدت قايين{[25543]} وقالت : لقد استفدت لله رجلاً ، وعادت فولدت أخاه هابيل ، {[25544]} فكان هابيل{[25545]} راعي غنم ، وكان قايين{[25546]} يحرث الأرض ، فلما كان بعد أيام جاء قايين{[25547]} من ثمر أرضه بقربان لله ، وجاء هابيل أيضاً من أبكار غنمه بقربان ، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين{[25548]} وقربانه ، فساء ذلك قايين{[25549]} جداً{[25550]} وهمَّ أن يسوءه وعبس وجهه ، فقال الرب لقايين{[25551]} : ما ساءك ؟ ولِمَ كسف{[25552]} وجهك ؟ إن أحسنت تقبلت منك ، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك ، فقال قايين{[25553]} لهابيل أخيه : تتمشى بنا في البقعة ، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين{[25554]} على أخيه هابيل فقتله ، فقال الله لقايين{[25555]} : أين هابيل أخوك ؟ فقال : لا أدري ، أرقيب أنا على أخي ؟ قال الله :{[25556]} ماذا{[25557]} فعلت ! فإن دم أخيك{[25558]} ينادي لي من الأرض ، من الآن ملعون أنت من{[25559]} الأرض التي فتحت{[25560]} فاها فقبلت دم أخيك من يدك ، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها ، وتكون فزعاً تائهاً في الأرض ، فقال قايين{[25561]} للرب : عظمت خطيئتي من أن تغفرها ، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض ، وأتوارى من قدامك وأكون فزعاً تائها في الأرض ، وكل من وجدني يقتلني ، فقال{[25562]} الله ربنا : كلا ! ولكن كذلك{[25563]} كل قاتل ، وأما قايين{[25564]} {[25565]} فإنه يجزى{[25566]} بدل الواحد سبعة ، فخرج قايين{[25567]} من قدام الله فجلس في الأرض نود{[25568]} شرقي عدن - انتهى . قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته{[25569]} - فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه{[25570]} وقول قابيل لله - حين قال له : إنه قتله - : إن كنت قتلته فأين دمه{[25571]} ؟ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً - انتهى .

ولما أخبر الله{[25572]} تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه ، كان كأنه قيل : فما فعل حين غضب ؟ فقيل : { قال } أي لأخيه الذي قبل قربانه حسداً له{[25573]} { لأقتلنك }{[25574]} فكأنه قيل : بما{[25575]} أجابه ؟ فقيل : نبهه أولاً على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن { قال إنما يتقبل الله } أي يقبل قبولاً عظيماً المحيط لكل شيء قدرة وعلماً الملك الذي له الكمال كله ، فليس هو محتاجاً{[25576]} إلى شيء ، وكل شيء محتاج{[25577]} إليه { من المتقين * } أي العريقين{[25578]} في وصف التقوى ، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره ، فعدمُ{[25579]} تقبل قربانك من نفسك لا مني ، فلم تقتلني ؟ فقتلك{[25580]} لي مبعد لك{[25581]} عما حسدتني عليه .


[25486]:سقط من ظ.
[25487]:في ظ: إذ.
[25488]:في ظ: يكون.
[25489]:في ظ: لذلك.
[25490]:زيد من ظ.
[25491]:سقط من ظ.
[25492]:سقط من ظ.
[25493]:تقدم في ظ على "أي على".
[25494]:تقدم ما بين الرقمين في ظ على "به إلا".
[25495]:تقدم ما بين الرقمين في ظ على "به إلا".
[25496]:في ظ: مقاربة.
[25497]:زيد من ظ.
[25498]:زيد من ظ.
[25499]:تقدم ما بين الرقمين في ظ على "أي قبل".
[25500]:تقدم ما بين الرقمين في ظ على "أي قبل".
[25501]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25502]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25503]:في ظ: بذلك.
[25504]:في ظ: لما.
[25505]:في ظ "و".
[25506]:سقط من ظ.
[25507]:في ظ: دائر.
[25508]:زيد من ظ.
[25509]:في ظ: انتفاوهما.
[25510]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25511]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25512]:في الأصل: يكبر، وفي ظ: نكب- كذا.
[25513]:في ظ: إقدام.
[25514]:من ظ، وفي الأصل: هذه.
[25515]:سقط من ظ.
[25516]:في ظ: كما.
[25517]:في ظ: يقتل.
[25518]:في ظ: يقتل.
[25519]:سقط من ظ.
[25520]:في ظ: عدم.
[25521]:في ظ: لعناوهم- كذا.
[25522]:في ظ: قصيدة.
[25523]:من ظ، وفي الأصل: تاس.
[25524]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[25525]:في ظ: تواطنوا واسترحوا.
[25526]:في ظ: تواطنوا واسترحوا.
[25527]:في ظ: خرجت.
[25528]:في ظ: الحجة.
[25529]:في ظ: هل لمخالفة الأقوال- كذا.
[25530]:في ظ: هل لمخالفة الأقوال- كذا.
[25531]:زيدت الواو بعده في ظ.
[25532]:في ظ: حلولا.
[25533]:في ظ: لا يحثها.
[25534]:في ظ: يقسم فوقعت.
[25535]:في ظ: يقسم فوقعت.
[25536]:في ظ: فبك.
[25537]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25538]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25539]:في ظ: بنى.
[25540]:في ظ: ليخرب.
[25541]:زيد من ظ والتوراة.
[25542]:في ظ: فحملت.
[25543]:في ظ: قابيل، وأما أثناه من الأصل هو ثابت في تراجم التوراة.
[25544]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25545]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25546]:في ظ: قابيل، وما أثبتناه من الأصل هو ثابت في تراجم التوراة.
[25547]:في ظ: قابيل، وما أثبتناه من الأصل هو ثابت في تراجم التوراة.
[25548]:في ظ: بقابيل.
[25549]:في ظ: قابيل، وما أثبتناه من الأصل هو ثابت في تراجم التوراة.
[25550]:في ظ: حسد.
[25551]:في ظ: لقابيل.
[25552]:في ظ: كشف.
[25553]:في ظ: قابيل، وما أثبتناه من الأصل هو ثابت في تراجم التوراة.
[25554]:في ظ: قابيل، وما أثبتناه من الأصل هو ثابت في تراجم التوراة.
[25555]:في ظ: لقابيل.
[25556]:في ظ: ما.
[25557]:في ظ: ما.
[25558]:زيدت الواو بعده في ظ.
[25559]:من التوراة، وفي الأصل و ظ: ثم.
[25560]:العبارة من هنا إلى " في الأرض" ساقطة من ظ.
[25561]:في ظ: قابيل.
[25562]:زيد بعده في الأصل: الرب، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[25563]:في ظ: لذلك.
[25564]:في ظ: قابيل.
[25565]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25566]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25567]:في ظ: قابيل.
[25568]:من ظ والتوراة، وفي الأصل: بود.
[25569]:وقع في ظ: توأميه- خطأ، وذكر ابن حيان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن، وأنثى هذا ذكر ذلك، ولا يحل للذكر نكاح توأمته- راجع البحر المحيط 3/461.
[25570]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25571]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25572]:سقط من ظ.
[25573]:سقط من ظ.
[25574]:في ظ: وكأنه قتل ثم- كذا.
[25575]:في ظ: وكأنه قتل ثم- كذا.
[25576]:في ظ: محتاج.
[25577]:في ظ: يحتاج.
[25578]:في ظ: الغريقين.
[25579]:في ظ: فتقدم.
[25580]:في ظ: وقتلك.
[25581]:من ظ، وفي الأصل: بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (27)

قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ( 27 ) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين ( 28 ) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاؤا الظالمين ( 29 ) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( 30 ) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوري سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخي فأصبح من النادمين } .

ثمة صلة وثيقة بين قصة آدم هذه وما لقيه الرسول صلى الله عليهم وسلم من كيد يهود . فقد جحدوه وكذبوه وناصبوه الكيد والعداء بالرغم من إقرارهم قبل بعثه بصدق نبوته وأنه مبعوث من الله للناس . حتى إذا جاءهم بشيرا ونذيرا ردوه وكذبوه حسدا من عند أنفسهم . فما كان من سبب للتكذيب والجحد سوى المكابرة والحسد والبغي .

وهذه قصة مثيرة مريعة تكشف عن أفدح مثلبة تستحوذ على أكثر البشر . مثلبة في غاية الخسة والبغي وسوء الطبع المشين . وتلكم هي مثلبة الحسد . هذه الخسيسة المهينة التي لا ينجو منها أحد من الناس إلا أن يكون معصوما بوحي أو ببالغ التقوى كالصديقين والزاهدين والأبرار .

إنها المثلبة من المرض الخبيث العضال الذي يخالط أكثر القلوب . فما على التحرر من أسرها والتلطخ بلوثتها إلا النوادر من عباد الله . وهي لوثة تظل تشاغل النفس من الداخل لتقضها قضا أو تؤرقها تأريقا فتسومها المكابدة والمرارة . ذلك هو شان الحاسدين الآثمين الذين لا تبرح نفوسهم مفسدة الحسد ليظلوا على الدوام يألمون ويكابدون كلما أحسوا فضلا من الله على عباده . نسأل الله النجاة والمعافاة من لوثة الحسد والحاسدين .

أما قصة ابني آدم فنبينها هنا بإيجاز واقتضاب مما ذكره كثير من أهل العلم وفيهم ابن عباس وابن مسعود وهي أن آدم عليه السلام كان لا يولد له مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، وذلك للضرورة إذ ذاك . حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل قابيل . وكان قابيل صاحب زرع ، وهابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل . وقد طلب هابيل أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه . وقال : هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها ، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى . فقال لهما : قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها . فقرب هابيل جذعة . وقيل : كبشا وقرب حزمة سنبل . فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وكان ذلك إيذانا بالقبول فغضب قابيل وقال : لأقتلنك فأجابه هابيل بما قصه الله علينا .

وقوله : { بالحق } أي اتل عليهم بالصدق تلاوة زبر الأولين من غير لبس في ذلك ولا وهم ولا كذب ولا تبديل .

قوله : { إذ قربا قربانا } ظرف زمان لنبأ . والتقدير أن قصتهم في ذلك الوقت . والقربان ، اسم لما يتقرب به إلى الله من نسك أو صدقة .

قوله : { فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } الذي تقبل الله منه قربانه هو هابيل ، وذلك لتواضعه وتقواه وامتثاله لشرع الله . والذي لم يتقبل منه هو قابيل ، لأنه أبى واستكبر وفسق عن أمر الله وسخط لما أراه أبوه في حكم الحق .

قوله : { لأقتلنك } النون المشددة للتوكيد . وذلك قسم من قابيل الحاسد الذي آلى أن يقتل أخاه المؤمن لفرط ما اعتور قلبه من حسد على قبول القربان من أخيه وعلو شأنه ومنزلته عند الله فضلا عن زواج أخته الحسناء .

قوله : { إنما يتقبل الله من المتقين } قال ذلك جوابا لمقالة أخيه الظالم الحاسد الذي آلى أن يقتله بغيا وحسدا . فرد مقالته بأن قبول الأعمال إنما يكون بناء على التقوى فإن الله لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق . والمتقي المتلبس بالتقوى وهو الذي يجتنب الشرك والمعاصي والآثام .