قوله تعالى : " قل لمن ما في السماوات والأرض " هذا أيضا{[6258]} احتجاج عليهم . المعنى قل لهم يا محمد : " لمن في السماوات والأرض " فإن قالوا لمن هو ؟ فقل هو " لله " المعنى : إذا ثبت أن له ما في السماوات والأرض وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم ، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ويبعثهم بعد الموت ، ولكنه " كتب على نفسه الرحمة " أي وعد بها فضلا منه وكرما فلذلك أمهل وذكر النفس هنا عبارة عن وجود وتأكيد وعده ، وارتفاع الوسائط دونه . ومعنى الكلام الاستعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه ، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم الإنابة والتوبة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي ) أي لما أظهر قضاءه وأبرزه لمن شاء أظهر كتابا في اللوح المحفوظ أو فيما شاءه مقتضاه خبر حق ووعد صدق " إن رحمتي تغلب غضبي " أي تسبقه وتزيد عليه .
قوله تعالى : " ليجمعنكم " اللام لام القسم ، والنون نون التأكيد . وقال الفراء وغيره : يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله : " الرحمة " ويكون ما بعده مستأنفا على جهة التبيين ، فيكون معنى " ليجمعنكم " ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم . وقيل : المعنى ليجمعنكم أي في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه . وقيل : ( إلى ) بمعنى في ، أي : ليجمعنكم في يوم القيامة . وقيل : يجوز أن يكون موضع " ليجمعنكم " نصبا على البدل من الرحمة ؛ فتكون اللام بمعنى ( أن ) المعنى : كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم ، أي أن يجمعكم ، وكذلك قال كثير من النحويين في قوله تعالى : " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه{[6259]} " [ يوسف : 35 ] أي أن يسجنوه . وقيل : موضعه نصب ( بكتب ) ، كما تكون ( أن ) في قوله عز وجل " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة " [ الأنعام : 54 ] وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال إلى يوم القيامة . عن الزجاج . " لا ريب فيه " لا شك فيه . " الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون " ابتداء وخبر ، قاله الزجاج . وهو أجود ما قيل فيه . تقول : الذي يكرمني فله درهم ، فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء . وقال الأخفش : إن شئت كان ( الذين ) في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ( ليجمعنكم ) أي ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم ؛ وأنكروه المبرد وزعم أنه خطأ ؛ لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب ، لا يقال : مررت بك زيد ولا مررت بي زيد لأن هذا لا يشكل فيبين . قال القتبي : يجوز أن يكون ( الذين ) جزاء على البدل من ( المكذبين ) الذين تقدم ذكرهم . أو على النعت لهم . وقيل : ( الذين ) نداء مفرد .
ولما أمرهم سبحانه بالسير ، سألهم هل يرون في مسيرهم{[28677]} وتطوافهم وجولانهم واعتسافهم شيئاً لغير الله ؟ تذكيراً لهم بما{[28678]} رحمهم به من ذلك في إيجاده{[28679]} لهم أولاً وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانياً ، استعطافاً لهم إلى الإقبال عليه والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم ، وهو ملكه سبحانه وفي قبضته ، وتقبيحاً لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره . فقال مقرراً لهم على إثبات الصانع والنبوة والمعاد ، ومبكتاً بسفههم وشدة جهلهم وعمههم : { قل لمن } ونبه بتقديم المعمول على الاهتمام بالمعبود{[28680]} { ما في السماوات والأرض )
ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض{[28681]} الأدلة وإزاحة كل علة ، أشار إلى ذلك بقوله معرضاً عن انتظار جوابهم توبيخاً لهم بعدم{[28682]} النصفة التي يدعونها : { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلماً ولا كفوء له ، لا لغيره ، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك ، لا سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسن أن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر ، وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان{[28683]} ظاهرة على صفحات الأكوان ، فكان الإقرار به بن ضروري ، لا خلاف فيه{[28684]} .
ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسنة لذيذة طيبة شهية ، وما كان فيها{[28685]} من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم{[28686]} ، يقل وصولها إليهم{[28687]} إلا بتسببهم{[28688]} فيها ، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته ، وكان ذلك أهلاً لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان ، مع ما هم عليه من الإثم والعدوان ، وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان ، قال دالاً على أن رحمته سبقت غضبه مستأنفاً : { كتب } أي وعد وعداً هو كالمكتوب الذي ختم ، وأكد غاية التأكيد ، أو كتب حيث أراد سبحانه .
ولما كانت النفس يعبر بها{[28689]} عن الذات على ما هي عليه قال : { على نفسه الرحمة } أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام ، وأخر عنكم الانتقام بالاستئصال ، ولو شاء هو{[28690]} لسلط{[28691]} عليكم المضار ، وجعل عيشكم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات .
ولما كان ذلك{[28692]} مطمعاً للظالم البطر{[28693]} ، ومعجباً محيراً مؤسفاً{[28694]} للمظلوم{[28695]} المنكسر ، قال محذراً مرحباً مبشراً ملتفتاً إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود دالاً على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله ، لأن كل ما فيها{[28696]} موصوف بصفات يجوز اتصافه بأضدادها ، فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون بتخصيص الفاعل المختار ، فيكون قادراً على الإعادة ، لأن التركيب الأول إنما كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالماً بجميع المعلومات ، والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه فهو ملك مطاع آمرناه مرسل من يبلغ عنه أوامره ونواهيه لإظهار ثمرة الملك من الثواب والعقاب في يوم الجمع : { ليجمعنكم } أي والله محشورين شيئاً فشيئاً { إلى يوم القيامة{[28697]} } للعدل بين جميع العباد كائناً { لا ريب فيه } أي بوجه من الوجوه ، وذلك الجمع لتخصيص الرحمة في ذلك اليوم بأوليائه والمقت والنقمة{[28698]} بأعدائه بعد أن كان عم بالرحمة الفريقين في يوم الدنيا ، وجعل الرحمة أظهر في حق الأعداء ، وبهذا الجمع تمت الرحمة من كثير من الخلق ، ولولاه ارتفع الضبط وكثر الخبط كما كان في الجاهلية{[28699]} .
ولما كان ذلك كذلك في عدم الريب لإخبار الله به على ألسنة رسله ولما عليه من الأدلة لما في هذا الخلق من بدائع الحكم مع خروج أكثر أفعال الحيوان عن العدل ، فصار من المعلوم لكل ذي وعي أن البعث محط الحكمة لإظهار التحلي بالصفات العلى لجميع الخلق : الشقي والسعيد القريب والبعيد ، كان كأنه قيل : فما لنا نرى{[28700]} أكثر الناس كافراً به ، فقال جواباً : { الذين خسروا أنفسهم } أي بإهلاكهم إياها بتكذيبهم به لمخالفة{[28701]} الفطرة الأولى التي{[28702]} تهدي الأخرس ، وستر العقل{[28703]} السليم { فهم } أي بسبب خسارتهم لأنفسهم بإهمال العقل{[28704]} وإعمال الحواس والتقيد بالتقليد { لا يؤمنون * } فصاروا كمن يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من الأغراض الفاسدة ، لا بسبب خفاء في أمر القيامة ولا لبس بوقع ربنا ، وصار المعنى : إن الذين لا يؤمنون في هذا اليوم هم{[28705]} المقضي بخسارتهم في ذلك اليوم .
قوله تعالى : { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } أي قل لهم يا محمد على سبيل التقريع والتوبيخ { لمن ما في السموات والأرض } أي لمن الكائنات جميعا ؟ من خالقها ومالكها والمتصرف فيها ؟ { قل لله } فقد أمر الله بالسؤال أولا ثم بالجواب عن السؤال ثانيا . وهو أن كل شيء في السموات والأرض مملوك لله . وأن ما من شيء إلا وهو من مخاليق الله سواء كان ذلك باعترافهم أو قيام الحجة عليهم .
قوله : { كتب على نفسه الرحمة } أي أوجبها على ذاته المقدسة بطريق التفضل والإحسان من غير وسائط . وقيل : وعد بها ( الرحمة ) فضلا منه وكرما : وقيل : قضى أنه بعباده رحيم لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة . وهذا من الله استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة . وقيل : تأويله فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي " .
قوله : { ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه } اللام لام القسم ، والنون نون التوكيد . وجملة { ليجمعنكم } مستأنفة على جهة التبيين فيكون تمام الكلام عند قوله : { الرحمة } فيكون المعنى : ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم { إلى يوم القيمة } وقيل : ليجمعنكم في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه . وقيل : { إلى } بمعنى ( في ) أي ليجعلنكم في يوم القيامة . وهذا اليوم الموعود والذي توعد الله فيه الظالمين والمعرضين والمستكبرين ، واقع لا محالة وهو يوم لا شك فيه . قوله : { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } اسم الموصول { الذين } إعرابه ثلاثة وجوه : الأول : الرفع على أنه مبتدأ ، وخبره { فهم لا يؤمنون } ودخلت الفاء في خبر الموصول . وهي تتضمن معنى الشرط والجزاء .
والثاني : النصب على البدل من الكاف والميم في قوله : { ليجمعنكم } .
والثالث : النصب على الذم{[1126]} .
قل الزمخشري في الكشاف في المقصود بالآية : الذين خسروا أنفسهم في علم الله تعالى ، لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون . أي أن الذين حكم الله تعالى بخسرانهم لاختيارهم الكفر لا يؤمنون . والحكم بالخسران سابق على عدم الإيمان ، لأنه مقارن للعلم باختيارهم للكفر{[1127]} .