الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} (2)

قوله تعالى : " يوم ترونها " الهاء في " ترونها " عائدة عند الجمهور على الزلزلة ، ويقوي هذا قوله عز وجل : " تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها " والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا . وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة ، واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه ، وفيه : ( أتدرون أي يوم ذلك . . . ) الحديث . وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري .

قوله : " تذهل " أي تشتغل ، قاله قطرب . وأنشد :

ضرباً{[11401]} يُزِيلُ الهام عن مَقِيلِه *** ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله

وقيل : تنسى . وقيل : تلهو ، وقيل : تسلو ، والمعنى متقارب . " عما أرضعت " قال المبرد : " ما " بمعنى المصدر ، أي تذهل عن الإرضاع . قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع . إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول . ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك . ويقال : هذا كما قال الله عز وجل : " يوما يجعل الولدان شيبا " {[11402]}[ المزمل : 17 ] . وقيل : تكون مع النفخة الأولى . وقيل : تكون مع قيام الساعة ، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية . ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة ، كما قال تعالى : " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا " {[11403]} [ البقرة : 214 ] . وكما قال عليه السلام : ( اللهم اهزمهم وزلزلهم ) . وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح . وتسمية الزلزلة ب " شيء " إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها ، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة ، إذ اليقين يشبه الموجدات . وإما على المآل ؛ أي : هي إذا وقعت شيء عظيم . وكأنه لم يطلق الاسم الآن ، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم ، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس ، كما قال :

قوله تعالى : " وترى الناس سكارى " أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع . " وما هم بسكارى " من الخمر . وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى . يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله " وترى الناس " بضم التاء ، أي تظن ويخيل إليك . وقرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف . الباقون " سكارى " وهما لغتان لجمع سكران ، مثل كسلى وكسالى . والزلزلة : التحريك العنيف . والذهول . الغفلة عن الشيء بطروء{[11404]} ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره . قال ابن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها .


[11401]:في الأصول: !بضرب! والتصويب عن سيرة ابن هشام. وقبله: نحن قتلناكم على تأويله *** كما قتلناكم على تنزيله. والرجز لعبد الله بن رواحة، ارتجزه وهو يقود ناقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في عمرة القضاء. (راجع سيرة ابن هشام).
[11402]:راجع ج 19 ص 47.
[11403]:راجع ج 3 ص 33 فما بعد.
[11404]:في الأصول: "بطريان"
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} (2)

ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه ، جعل مظروفاً لذلك اليوم الذي هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد ، والهوان والغفران ، فقال تعالى : { يوم ترونها } أي الزلزلة أو كل مرضعة ، أضمرها قبل الذكر ، تهويلاً للأمر وترويعاً للنفس { تذهل } أي تنسى وتغفل حائرة مدهوشة ، وهو العامل في " يوم " ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام ، أي تستعظمون جداً ذلك اليوم عند المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون ، ويكون ما بعده استئنافاً ودل بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال : { كل مرضعة } أي بالفعل { عما أرضعت } من ولدها وغيره ، وهي من ماتت مع أبنها رضيعاً ، قال البغوي : يقال : مرضع ، بلا هاء - إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل ، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء - يعني : فيدل حينئذ أنها ملتبسة به { وتضع كل ذات حمل حملها } أي تسقطه قبل التمام رعباً وفزعاً ، وهي من ماتت حاملاً - والله أعلم ، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام ، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام - انتهى . ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما : مسلم في الإيمان وهذا لفظه ، والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه : " يقول الله عز وجل : يا آدم ! فيقول : لبيك وسعديك ! والخير في يديك ، قال : يقول : أخرج بعث النار ، قال : وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، فذلك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها " الحديث والأحاديث في ذلك كثيرة ، ومعارضها ضعيف ، والمناسب أيضاً لما في آخر تلك من قوله{ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا }[ الأنبياء : 97 ] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور{ يوم نطوي السماء }[ الأنبياء : 104 ] { إذا السماء انفطرت }[ الانفطار : 1 ] إلى قوله :{ علمت نفس ما قدمت وأخرت }[ الانفطار : 5 ] ويمكن أن يكون المراد هذا وما قبله لأن يوم الساعة طويل ، فنسبة الكل إليها على حد سواء .

ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة ، ولا يرى الإنسان السكر - إلا من غيره قال في الزلزلة { ترونها } وقال في { السكر } : { وترى الناس سكارى } أي لما هم فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت وسرادق الكبرياء ، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله ، نافياً لما يظن إثباته بالجملة الأولى : { وما هم بسكارى } أي من الخمر .

ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر ، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال : { ولكن عذاب الله } ذي العز والجبروت { شديد* } فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر ، لأنه أذهب خوفه حولهم ، وطير هوله عقولهم .