قوله تعالى : " يوم ترونها " الهاء في " ترونها " عائدة عند الجمهور على الزلزلة ، ويقوي هذا قوله عز وجل : " تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها " والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا . وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة ، واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه ، وفيه : ( أتدرون أي يوم ذلك . . . ) الحديث . وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري .
قوله : " تذهل " أي تشتغل ، قاله قطرب . وأنشد :
ضرباً{[11401]} يُزِيلُ الهام عن مَقِيلِه *** ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله
وقيل : تنسى . وقيل : تلهو ، وقيل : تسلو ، والمعنى متقارب . " عما أرضعت " قال المبرد : " ما " بمعنى المصدر ، أي تذهل عن الإرضاع . قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع . إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول . ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك . ويقال : هذا كما قال الله عز وجل : " يوما يجعل الولدان شيبا " {[11402]}[ المزمل : 17 ] . وقيل : تكون مع النفخة الأولى . وقيل : تكون مع قيام الساعة ، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية . ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة ، كما قال تعالى : " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا " {[11403]} [ البقرة : 214 ] . وكما قال عليه السلام : ( اللهم اهزمهم وزلزلهم ) . وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح . وتسمية الزلزلة ب " شيء " إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها ، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة ، إذ اليقين يشبه الموجدات . وإما على المآل ؛ أي : هي إذا وقعت شيء عظيم . وكأنه لم يطلق الاسم الآن ، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم ، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس ، كما قال :
قوله تعالى : " وترى الناس سكارى " أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع . " وما هم بسكارى " من الخمر . وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى . يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله " وترى الناس " بضم التاء ، أي تظن ويخيل إليك . وقرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف . الباقون " سكارى " وهما لغتان لجمع سكران ، مثل كسلى وكسالى . والزلزلة : التحريك العنيف . والذهول . الغفلة عن الشيء بطروء{[11404]} ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره . قال ابن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها .
ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه ، جعل مظروفاً لذلك اليوم الذي هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد ، والهوان والغفران ، فقال تعالى : { يوم ترونها } أي الزلزلة أو كل مرضعة ، أضمرها قبل الذكر ، تهويلاً للأمر وترويعاً للنفس { تذهل } أي تنسى وتغفل حائرة مدهوشة ، وهو العامل في " يوم " ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام ، أي تستعظمون جداً ذلك اليوم عند المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون ، ويكون ما بعده استئنافاً ودل بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال : { كل مرضعة } أي بالفعل { عما أرضعت } من ولدها وغيره ، وهي من ماتت مع أبنها رضيعاً ، قال البغوي : يقال : مرضع ، بلا هاء - إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل ، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء - يعني : فيدل حينئذ أنها ملتبسة به { وتضع كل ذات حمل حملها } أي تسقطه قبل التمام رعباً وفزعاً ، وهي من ماتت حاملاً - والله أعلم ، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام ، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام - انتهى . ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما : مسلم في الإيمان وهذا لفظه ، والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه : " يقول الله عز وجل : يا آدم ! فيقول : لبيك وسعديك ! والخير في يديك ، قال : يقول : أخرج بعث النار ، قال : وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، فذلك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها " الحديث والأحاديث في ذلك كثيرة ، ومعارضها ضعيف ، والمناسب أيضاً لما في آخر تلك من قوله{ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا }[ الأنبياء : 97 ] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور{ يوم نطوي السماء }[ الأنبياء : 104 ] { إذا السماء انفطرت }[ الانفطار : 1 ] إلى قوله :{ علمت نفس ما قدمت وأخرت }[ الانفطار : 5 ] ويمكن أن يكون المراد هذا وما قبله لأن يوم الساعة طويل ، فنسبة الكل إليها على حد سواء .
ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة ، ولا يرى الإنسان السكر - إلا من غيره قال في الزلزلة { ترونها } وقال في { السكر } : { وترى الناس سكارى } أي لما هم فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت وسرادق الكبرياء ، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله ، نافياً لما يظن إثباته بالجملة الأولى : { وما هم بسكارى } أي من الخمر .
ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر ، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال : { ولكن عذاب الله } ذي العز والجبروت { شديد* } فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر ، لأنه أذهب خوفه حولهم ، وطير هوله عقولهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.