قوله تعالى : " قد كان لكم آية " أي علامة . وقال " كان " ولم يقل " كانت " لأن " آية " تأنيثها غير حقيقي . وقيل : ردها إلى البيان ، أي قد كان لكم بيان ، فذهب إلى المعنى وترك اللفظ ، كقول امرئ القيس :
بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ *** كَخُرْعُوبَةِ البَانَةِ المُنفطِرْ{[2893]}
ولم يقل المنفطرة ؛ لأنه ذهب إلى القضيب . وقال الفراء : ذكره لأنه فرق بينهما بالصفة ، فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذكر الفعل . وقد مضى هذا المعنى في البقرة في قوله تعالى : " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية " {[2894]} [ البقرة : 180 ]
قوله تعالى : " في فئتين التقتا " يعني المسلمين والمشركين يوم بدر " فئة " قرأ الجمهور " فئة " بالرفع ، بمعنى إحداهما فئة . وقرأ الحسن ومجاهد " فئة " بالخفض " وأخرى كافرة " على البدل . وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما . قال أحمد بن يحيى : ويجوز النصب على الحال ، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة . قال الزجاج : النصب بمعنى أعني . وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها ، أي يرجع إليها في وقت الشدة . وقال الزجاج : الفئة الفرقة ، مأخوذة من فَأَوْتُ رأسه بالسيف - ويقال : فأيته - إذا فلقته{[2895]} . ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر . واختلف من المخاطب بها ، فقيل : يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة ، وبكل احتمال منها قد قال قوم . وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع .
قوله تعالى : " يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار " قال أبو علي الرؤية في هذه الآية رؤية عين ؛ ولذلك تعدت إلى مفعول واحد . قال مكي والمهدوي : يدل عليه " رَأْيَ العين " . وقرأ نافع " ترونهم " بالتاء والباقون بالياء{[2896]} . " مثليهم " نصب على الحال من الهاء والميم في " ترونهم " . والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون ، والضمير المتصل هو للكفار . وأنكر أبو عمرو أن يقرأ " ترونهم " بالتاء ، قال : ولو كان كذلك لكان مثليكم . قال النحاس " وذا لا يلزم ، ولكن يجوز أن يكون مثلي أصحابكم . قال مكي : " ترونهم " بالتاء جرى على الخطاب في " لكم " فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين ، والهاء والميم للمشركين . وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف ، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط ، ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة ، كقوله تعالى : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " {[2897]} [ يونس : 22 ] ، وقوله تعالى : " وما آتيتم من زكاة " {[2898]} [ الروم : 39 ] فخاطب ثم قال : " فأولئك هم المضعفون " [ الروم : 39 ] فرجع إلى الغيبة . فالهاء والميم في " مثليهم " يحتمل أن يكون للمشركين ، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد ؛ وهو بعيد في المعنى ؛ لأن الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين ، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر ، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار ، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم فينفذ حكم الله فيهم . ويحتمل أن يكون الضمير في " مثليهم " للمسلمين ، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد ، أي ترون أنفسكم مثلي عددكم ، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين . والتأويل الأول أولى ، يدل عليه قوله تعالى : " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " {[2899]} [ الأنفال : 43 ] وقوله : " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا " [ الأنفال :44 ] وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أظنهم مائة ، فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا . وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين . وضعف الطبري هذا القول . قال ابن عطية : وكذلك هو مردود من جهات . بل قلل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم . وعلى هذا التأويل كان يكون " ترون " للكافرين ، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم ، ويحتمل مثليكم ، على ما تقدم . وزعم الفراء أن المعنى ترونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم . وهو بعيد غير معروف في اللغة . قال الزجاج : وهذا باب الغلط ، فيه غلط في جميع المقاييس ؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساويا له ، ونعقل مثله ما يساويه مرتين . قال ابن كيسان : وقد بين الفراء قوله بأن قال : كما تقول وعندك عبد : أحتاج إلى مثله ، فأنت محتاج إليه وإلى مثله . وتقول : أحتاج إلى مثليه ، فأنت محتاج إلى ثلاثة . والمعنى على خلاف ما قاله ، واللغةُ . والذي أوقع الفراء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر ، فتوهم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عدتهم ، وهذا بعيد وليس المعنى عليه . وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين : إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك ؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك . والأخرى أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم . وسيأتي ذكر وقعة بدر{[2900]} إن شاء الله تعالى . وأما قراءة الياء فقال ابن كيسان : الهاء والميم في " يرونهم " عائدة على " وأخرى كافرة " والهاء والميم في " مثليهم " عائدة على " فئة تقاتل في سبيل الله " وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام ، وهو قوله : " يؤيد بنصره من يشاء " . فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد . قال : والرؤية هنا لليهود . وقال مكي : الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله ، والمرئية الفئة الكافرة ، أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة ، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقللهم الله في أعينهم على ما تقدم . والخطاب في " لكم " لليهود . وقرأ ابن عباس وطلحة " تُرونهم " بضم التاء ، والسلمي بالتاء المضمومة على ما لم يسم فاعله . " والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار " تقدم معناه والحمد لله .
ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل لهم ذلك : كيف نغلب{[15206]} وما هم فينا إلا{[15207]} كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ؟{[15208]} قيل لهم : إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو{[15209]} طول عهد فإنه { قد كان لكم آية } أي عظيمة بدلالة تذكير كان { في فئتين } تثنية{[15210]} فئة{[15211]} للطائفة{[15212]} التي{[15213]} يفيء إليها{[15214]} أي يرجع من يستعظم شيئاً ، استناداً{[15215]} إليها حماية بها لقوتها ومنعتها{[15216]} { التقتا } أي في بدر { فئة } أي منهما{[15217]} مؤمنة ، لما يرشد إليه قوله : { تقاتل في سبيل الله } أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا ، ومن كان كذلك{[15218]} لم يكن قطعاً إلا{[15219]} مؤمناً { وأخرى } أي منهما{[15220]} { كافرة } أي تقاتل في سبيل الشيطان ، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك ، وهو أن يؤتى بكلامين يحذف{[15221]} من كل منهما شيء{[15222]} إيجازاً ، يدل{[15223]} ما ذكر من كل على ما{[15224]} حذف من{[15225]} الآخر ، وبعبارة أخرى : هو أن يحذف من كل جملة شيء{[15226]} إيجازاً ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه .
ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله{[15227]} : { يرونهم } وضمن{[15228]} يرى البصيرية{[15229]} القاصرة{[15230]} على مفعول واحد فعل الظن ، وانتزع{[15231]} منه حالاً ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير : ظانيهم { مثليهم } فعلى قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى : ترون{[15232]} {[15233]} أيها المخاطبون{[15234]} الكفار المقاتلين{[15235]} للمؤمنين ، وعلى قراءة غيره بالغيب{[15236]} المعنى ، يرى{[15237]} المسلمون الكفار مثلي المسلمين { رأي العين } أي بالحزر{[15238]} والتخمين ، لا بحقيقة العدد ، هذا أقل ما يجوزونه فيهم ، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم{[15239]} ومع ذلك{[15240]} فجزاهم الله على مصادمتهم ونصرهم{[15241]} عليهم ، أو يرى الكفار{[15242]} المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على الثلث من عدتهم ، كما هو المشهور{[15243]} في الآثار تأييداً من الله سبحانه وتعالى لأوليائه ليرعب{[15244]} الأعداء فينهزموا ، أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد المسلمين قال الحرالي : لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر{[15245]} والإيمان الباطن ، فكان كل واحد منهم{[15246]} بما{[15247]} هو مسلم{[15248]} ذاتاً ، وبما هو مؤمن ذاتاً ، فالمؤمن المسلم ضعفان أبداً{ فإن{[15249]} يكن{[15250]} منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين{[15251]} }[ الأنفال :66 ] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين ، لا ذات قلب له ، فكان المؤمن ضعفه ، فوقعت الإراءة للفئة المؤمنة على ما هي{[15252]} عليه شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم ، وكان ذلك أدنى الإراءة لمزيد موجود{[15253]} الفئة المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو أقل الزيادة الصحيحة ، وأما بالحقيقة فإن التام{[15254]} الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين إنما هو بالحقيقة{[15255]} عشر تام نظير موجود الوجود{[15256]} الكامل ، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين{[15257]} }[ الأنفال :65 ] انتهى{[15258]} . وهذا التقليل{[15259]} والتكثير واقع بحسب أول القتال{[15260]} وآخره ، وقبل{[15261]} اللقاء وبعده ، لما أراد الله سبحانه وتعالى من الحكم كما{[15262]} في آية الأنفال ، والمعنى : إنا فاعلون بكم{[15263]} أيها الكفارعلى أيديهم ما فعلناه بأولئك ، وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم ، فلم تغن عنهم{[15264]} {[15265]} كثرتهم شيئاً{[15266]} ، ولا شدة {[15267]}شكيمتهم ونخوتهم{[15268]} فإن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم{[15269]}{ قل{[15270]} لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث{[15271]} }[ المائدة :100 ] .
ولما كان التقدير : فنصر{[15272]} الله سبحانه وتعالى الفئة القليلة ، عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له الأمر كله { يؤيد } والأيد تضعيف القوة الباطنة { بنصره } قال الحرالي : والنصر لا يكون إلا لمحق{[15273]} ، وإنما يكون لغير المحق{[15274]} الظفر والانتقام انتهى . { من يشاء } أي فلا عجب فيه في التحقيق ، فلذلك اتصل به قوله : { إن في ذلك } أي الأمر الباهر{[15275]} ، وفي أداة البعد كما قال الحرالي إشارة بعد إلى محل علو{[15276]} الآية { لعبرة } قال : هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى ، ومن علم أدنى إلى علم أعلى ، ففي لفظها بشرى بما ينالون{[15277]} من ورائها مما{[15278]} هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى من الغلبة{[15279]} الخاتمة التي{[15280]} عندها تضع الحرب أوزارها ، حيث يكون من أهل الكمال بعدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر ، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ{[15281]} ونظر جامع{[15282]} بين البداية والخاتمة
{ كما بدأنا أول خلق نعيده{[15283]} }[ الأنبياء : 104 ] - انتهى . { لأولي الأبصار * } أي يصيرون{[15284]} بها من حال إلى أشرف منها في قدرة الله وعظمته وفعله بالاختيار . قال الحرالي : أول موقع العين على الصورة{[15285]} نظر ، ومعرفة{[15286]} خبرتها الحسية بصر ، ونفوذه{[15287]} إلى حقيقتها رؤية ، فالبصر{[15288]} متوسط بين النظر والرؤية كما قال سبحانه وتعالى :{ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون{[15289]} }[ الأعراف : 198 ] فالعبرة هي المرتبة{[15290]} الأولى{[15291]} {[15292]}لأولي الأبصار{[15293]} الذين يبصرون الأواخر بالأوائل ، فأعظم{[15294]} غلبة{[15295]} بطشه في الابتداء غلبة{[15296]} بدر{[15297]} ، وأعظمها في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب{[15298]} وراءها ، التي تكون بالشام في آخر الزمان - انتهى .