قوله تعالى : " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا " الأمنة والأمن سواء . وقيل : الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف ، والأمن مع عدمه . وهي منصوبة ب " أنزل " ، و " نعاسا " بدل منها . وقيل : نصب على المفعول له ، كأنه قال : أنزل عليكم للأمنة نعاسا{[3598]} . وقرأ ابن محيصن " أمْنَة " بسكون الميم . تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم ؛ وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام . روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه . " يغشى " قرئ بالياء والتاء . الياء للنعاس ، والتاء للأمنة . والطائفة تطلق على الواحد والجماعة " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " يعني المنافقين : معتب بن قشير وأصحابه ، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ، ويقولون الأقاويل . ومعنى " قد أهمتهم أنفسهم " حملتهم على الهم ، والهم ما هممت به ، يقال : أهمني الشيء أي كان من همي . وأمر مهم : شديد . وأهمني الأمر : أقلقني : وهمني : أذابني{[3599]} . والواو في قوله " وطائفة " واو الحال بمعنى إذ ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، وأنه لا ينصر . " ظن الجاهلية " أي ظن أهل الجاهلية ، فحذف . " يقولون هل لنا من الأمر من شيء " لفظه استفهام ومعناه الجحد ، أي ما لنا شيء من الأمر ، أي من أمر الخروج ، وإنما خرجنا كرها ، يدل عليه قوله تعالى إخبارا عنهم : " لو كان لنا من الأمر شيء ما قلنا ها هنا " . قال الزبير : أرسل علينا النوم ذلك اليوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا . وقيل : المعنى يقول ليس لنا من الظفر الذي وعدنا به محمد شيء . والله أعلم .
قوله تعالى : " قل إن الأمر كله لله " قرأ أبو عمرو ويعقوب " كله " بالرفع على الابتداء ، وخبره " لله " ، والجملة خبر " إن " . وهو كقوله : " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " {[3600]} [ الزمر : 60 ] . والباقون بالنصب ، كما تقول : إن الأمر أجمع لله . فهو توكيد ، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم ، وأجمع لا يكون إلا توكيدا . وقيل : نعت للأمر . وقال الأخفش : بدل ، أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء . وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " يعني التكذيب بالقدر . وذلك أنهم تكلموا فيه ، فقال الله تعالى : " قل إن الأمر كله لله " يعني القدر خيره وشره من الله . " يخفون في أنفسهم " أي من الشرك والكفر والتكذيب . " ما لا يبدون لك " يظهرون لك . " يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا " أي ما قتل عشائرنا . فقيل : إن المنافقين قالوا لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة ، ولما قتل رؤساؤنا . فرد الله عليهم فقال : " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز " أي لخرج . " الذين كتب " أي فرض . " عليهم القتل " يعني في اللوح المحفوظ . " إلى مضاجعهم " أي مصارعهم . وقيل : " كتب عليهم القتل " أي فرض عليهم القتال ، فعبر عنه بالقتل ؛ لأنه قد يؤول إليه . وقرأ أبو حيوة " لبرز " بضم الباء وشد الراء ؛ بمعنى يُجعل يَخرج . وقيل : لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين . والواو في قوله " وليبتلي " مقحمة كقوله : " وليكون من الموقنين " {[3601]} [ الأنعام : 75 ] أي ليكون ، وحذف الفعل الذي مع لام كي . والتقدير " وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم " فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم . وقيل : معنى " ليبتلي " ليعاملكم معاملة المختبر . وقيل : ليقع منكم مشاهدة ما علمه غيبا . وقيل : هو على حذف مضاف ، والتقدير ليبتلي أولياء الله تعالى . وقد تقدم معنى التمحيص . " والله عليم بذات الصدور " أي ما فيها من خير وشر . وقيل : ذات الصدور هي الصدور ؛ لأن ذات الشيء نفسه .
ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيداً ، ولا سيما بكونه بالنعاس{[19478]} الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله : { ثم أنزل عليكم } ولما أفاد{[19479]} بأداة{[19480]} الاستعلاء عظمة الأمن ، وكان {[19481]}متصلاً بالغم ولم يستغرق زمن ما{[19482]} بعده أثبت الجار فقال : { من بعد الغم } أي المذكور وأنتم في نحر العدو { أمنة } أي أمناً عظيماً ، ثم ابدل منها تنبيهاً على ما فيها من الغرابة قوله : { نعاساً } {[19483]}دليلاً قطعياً{[19484]} ، فإنه لا يكون إلا من أمن ؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه قال :
" غشينا النعاس{[19485]} ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه{[19486]} ويسقط وآخذه " {[19487]} ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله : { يغشى طائفة منكم } وهم المؤمنون ، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله : { وطائفة } أي أخرى من المنافقين { قد أهمتهم أنفسهم } لا المدافعة عن الدين فهم{[19488]} إنما يطلبون خلاصها ، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلاً لاتصال رعبهم وشدة جزعهم ، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم{[19489]} الأمن المذكور ، ثم فسر همهم فقال : { يظنون بالله } المحيط بصفات الكمال { غير الحق } أي من أن نصره بعد هذا لا يمكن ، أو أنهم لو{[19490]} قعدوا في المدينة لم يقتل أحد ، ونحو ذلك من سفساف الكلام{[19491]} وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام { ظن الجاهلية } أي الذين لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده{[19492]} كان ولا يكون غيره - ما يعلم{[19493]} أتباع الرسل . ثم فسر الظن بقوله : { يقولون } أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشباً وتاسفاً على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبيّ بعد أن خرجوا { هل لنا من الأمر } أي المسموع ، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت{[19494]} أداة الاستغراق في قوله : { من شيء } فكأنه قيل : فماذا يقال لهم ؟ فقيل : { قل } أي لهم رداً عليهم احتقاراً بهم { إن الأمر } أي الحكم الذي لا يكون سواه { كله لله } أي الذي لا كفوء له ، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء ، شئتم أو أبيتم{[19495]} ، غزوتم أو قعدتم ، ثبتم أو فررتم .
ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب{[19496]} ، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله :
{ إن يمسسكم قرح }[ آل عمران : 140 ] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة{[19497]} في اتهامهم{[19498]} الله ورسوله ، حتى وصل إلى هنا ، وكان{[19499]} قولهم هذا غير صريح{[19500]} في الاتهام{[19501]} لإمكان حمله{[19502]} على مساق{[19503]} الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله : { يخفون } أي يقولون ذلك مخفين{[19504]} { في أنفسهم ما لا يبدون لك } لكونه لا يرضاه الله ثم بين ذلك بعد إجماله فقال : { يقولون لو كان لنا من الأمر }{[19505]} أي المسموع { شيء ما قتلنا ههنا } لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو .
ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم{[19506]} بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من القدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم } أي بعد{[19507]} أن أجمع{[19508]} رأيكم على أن لا يخرج منكم أحد{[19509]} { لبرز الذين كتب عليهم القتل } أي في هذه الغزوة { إلى مضاجعهم } أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها ، لأن ما قدرناه لا يمكن أحداً دفعه بوجه من الوجوه ، ثم عطف على ما علم{[19510]} تقديره ودل عليه السياق قوله : { ليبتلي } أي لبرز المذكورون لينفذ{[19511]} قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر : إن فاديتم الأسارى ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل{[19512]} مثلهم { وليبتلي الله } أي المحيط بصفات الكمال بهذا{[19513]} الأمر التقديري { ما في صدوركم } أي{[19514]} من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية{[19515]} { وليمحص ما في قلوبكم } اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت{[19516]} سبب الهزيمة{[19517]} وغيرها . وختم بقوله : { والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { عليم بذات الصدور * } مرغباً ومرهباً ودافعاً لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا{[19518]} .
ولما كانوا في هذه الغزوة{[19519]} قد حصل لهم ضرر عظيم ، لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك ، عفا عنهم سبحانه وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من التأمين{[19520]} صريحاً ، وبما فيها من الإشارة {[19521]}بجمع جميع{[19522]} حروف المعجم فيها تلويحاً إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت{[19523]} الحروف في هذه الآية . لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى {[19524]}تصقل مرائي{[19525]} الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف{[19526]} في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم{[19527]} رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى .