الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا} (96)

قوله تعالى : " آتوني زبر الحديد " أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها أمرهم بنقل الآلة ، وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة ، وإنما هو استدعاء للمناولة ؛ لأنه قد ارتبط من قوله : إنه لا يأخذ منهم الخرج فلم يبق إلا استدعاء المناولة ، وأعمال الأبدان و " زبر الحديد " قطع الحديد . وأصل الكلمة الاجتماع ، ومنه زُبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله . وزبرت الكتاب أي كتبته وجمعت حروفه . وقرأ أبو بكر والمفضل " ردما ايتوني " من الإتيان الذي هو المجيء ، أي جيؤوني بزبر الحديد ، فلما سقط الخافض انتصب الفعل على نحو قول الشاعر{[10743]} :

أمرتك الخير . . .

حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور " زبر " بفتح الباء وقرأ الحسن بضمها ، وكل ذلك جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه .

قوله تعالى : " حتى إذا ساوى " يعني البناء فحذف لقوة الكلام عليه . " بين الصدفين " قال أبو عبيدة : هما جانبا الجبل ، وسميا بذلك لتصادفهما أي لتلاقيهما . وقاله الزهري وابن عباس ، ( كأنه يعرض عن الآخر ) من الصدوف ، قال الشاعر :

كلا الصَّدَفَيْنِ ينفذُه سَنَاهَا *** تَوَقَّدُ مثلَ مصباحِ الظَّلاَمِ

ويقال للبناء المرتفع صدف تشبيه بجانب الجبل . وفي الحديث : كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي . قال أبو عبيد : الصدف والهدف كل بناء عظيم مرتفع . ابن عطية : الصدفان الجبلان المتناوحان{[10744]} ولا يقال للواحد صدف ، وإنما يقال صدفان للاثنين ؛ لأن أحدهما يصادف الآخر . وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الصدفين " بفتح الصاد وشدها وفتح الدال ، وهي قراءة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر بن عبد العزيز ، وهي اختيار أبي عبيدة لأنها أشهر اللغات . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو " الصدفين " بضم الصاد والدال وقرأ عاصم في رواية أبي بكر " الصدفين " بضم الصاد وسكون الدال ، نحو الجرف والجرف فهو تخفيف . وقرأ ابن الماجشون بفتح الصاد وضم الدال . وقرأ قتادة " بين الصدفين " بفتح الصاد وسكون الدال ، وكل ذلك بمعنى واحد وهما الجبلان المتناوحان .

قوله تعالى : " قال انفخوا حتى إذا جعله نارا " " قال انفخوا " أي على زبر الحديد بالأكيار ، وذلك أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ، ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى ، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار ، فذلك قوله تعالى : " حتى إذا جعله نارا " ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلاف في القطر ، فيفرغه على ذلك الطاقة المنضدة ، فإذا التأم واشتد ولصق البعض بالبعض استأنف وضع طاقة أخرى ، إلى أن استوى العمل فصار جبلا صلدا قال قتادة : هو كالبُرْدِ المُحَبَّر ، طريقة سوداء ، وطريقة حمراء . ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاءه رجل فقال : يا رسول الله إني رأيت سد يأجوج ومأجوج ، قال : ( كيف رأيته ) قال : رأيته كالبرد المحبر ، طريقة صفراء ، وطريقة حمراء ، وطريقة سوداء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قد رأيته ) . ومعنى " حتى إذا جعل نارا " أي كالنار .

قوله تعالى : " قال آتوني أفرغ عليه قطرا " أي أعطوني قطرا أفرغ عليه ، على التقديم والتأخير . ومن قرأ " ائتوني " فالمعنى عنده تعالوا أفرغ عليه نحاسا . والقطر عند أكثر المفسرين النحاس المذاب ، وأصله من القطر ؛ لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء وقالت فرقة : القطر الحديد المذاب . وقالت فرقة منهم ابن الأنباري : الرصاص المذاب . وهو مشتق من قطر يقطر قطرا . ومنه " وأسلنا له عين القطر{[10745]} " .


[10743]:هو عمرو بن معدي كرب الزبيدي والبيت بتمامه: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به *** فقد تركتك ذا مال وذا نشب
[10744]:التناوح: التقابل.
[10745]:راجع جـ 14 ص 168.