الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ} (16)

قوله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان " يعني الناس ، وقيل آدم . " ونعلم ما توسوس به نفسه " أي ما يختلج في سره وقلبه وضميره ، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها . ومن قال : إن المراد بالإنسان آدم ، فالذي وسوست به نفسه هو الأكل من الشجرة ، ثم هو عام لولده . والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي . قال الأعشى :

تَسمَعُ للحَلْيِ وسواسًا إذا انصرفت *** كما استعان بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ{[14156]}

وقد مضى في " الأعراف " {[14157]} . " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " هو حبل العاتق وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه ، وهما وريدان عن يمين وشمال . روي معناه عن ابن عباس وغيره وهو المعروف في اللغة . والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين . وقال الحسن : الوريد الوتين وهو عرق معلق بالقلب . وهذا تمثيل للقرب ، أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه ، وليس على وجه قرب المسافة . وقيل : أي ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه . وقيل : أي ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه ؛ لأنه عرق يخالط القلب ، فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب ، روي معناه عن مقاتل قال : الوريد عرق يخالط القلب ، وهذا القرب قرب العلم والقدرة ، وأبعاض الإنسان يحجب البعضُ البعضَ ولا يحجب علم الله شيء .


[14156]:عشرق كزبرج: شجر ينفرش على الأرض عريض الورق وليس له شوك، وثمرته قشرة إذا هبت الريح فلقت تلك القشرة فتخشخشت فسمعت للوادي الذي تكون به زجلا ولجة تفزع الإبل.
[14157]:راجع جـ 7 ص 177.