أوقف كُلاًّ بمحلِّة ؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير ، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم .
قوله : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً } : كان ذلك سجودَ تحيةٍ ، فكذلك كانت عادتهم . ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله { وَخَرُّوا } إخبارٌ عن الجميع ، ولأنه كان عن رؤياه قد قال : { أني رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لي سَاجِدِينَ }
[ يوسف :4 ] وقال ها هنا : { هَذَا تَأْوِيلُ رُءيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقَاً } .
قوله جلّ ذكره : { أَحْسَنَ بي إِذْ أخرجني مِنَ السِّجِنْ وَجَاءَ بكُم مِّن البَدوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بيني وَبَيْن إخوتي إِنَّ رَبِىّ لَطِيفٌ لِّمَا يشاء إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ } .
شهد حسانه فَشَكَرَه . . كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده .
وذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر .
وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون . وقيل لأن { السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ } وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله ؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال ، وفي معناه أنشدوا :
وأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني *** بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح20
تجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح
وفي قوله : { وَجَآءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ } إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته- وإنْ كانوا أهل الجفاء ، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة .
قوله : { مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بيني وَبَيْنَ إخوتي } أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر ، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان ، ثم لم يرض بهذا حتى قال { بيني وبين إخوتي } يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم ، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال : { بيني وَبَيْنَ إخوتي } .
ثم نطق عن عين التوحيد فقال : { إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ } فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني .
قوله : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا } { العرش } ، سرير الملك ؛ أي أجلس يوسف أبويه معه مكرمين معززين على السرير الذي يجلس عليه الملوك في العادة ، ثم خر الأبوان والإخوة سجدا ليوسف وكان ذلك في شريعتهم نازلا منزلة التحية ؛ فهو بذلك جائز . وقيل : كان سجودهم كالسجود المعهود عندنا اليوم وهو كان تحيتهم وهذا الراجح ، استنادا إلى الظاهر من معنى السجود . وقيل : كان انحناء كالركوع وليس خرورا على الأرض . وكذلك سلامهم بالتكفي والانحناء . والتكفي معناه التمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها . وفي الخبر عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا مشى تكفى تكفيا . وروي أنه مهموز وغير مهموز . وقيل : الأصل الهمز : تكفأ تكفؤا . والهمز حرف صحيح{[2299]} .
وكل هذه الضروب في التحية منسوخ في شريعة الإسلام . وإنما المشروع وحده للتحية ما كان بالكلام بدلا عن السجود أو الانحناء أو الإيماء أو التكفؤ ؛ فليس لمسلم بعد ذلك أن يحيي أخاه بشيء من ذلك ؛ فإنه كله صور من صور الشرك الذي ينافي عقيدة التوحيد في دين الإسلام .
قوله : { وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } قال يوسف لأبيه : هذا السجود الذي سجدتموه لي أنت وأمي وإخوتي لهو مآل رؤياي التي كنت رأيتها من قبل ما فعل بي إخوتي ما فعلوه ، وقد جعل ربي هذه الرؤيا { حقا } أي صادقة محققة . واختلفوا في قدر المدة التي كانت بين رؤيا يوسف وتأويلها . فقد قيل : كانت أربعين سنة ، وهو قول أكثر العلماء والمفسرين .
قوله : { وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ } أحسن الله إلي بإخراجي من السجن حيث كنت محبوسا ، وفي مجيئكم من البدو إلى هنا ؛ فقد ذكر أن مسكن يعقوب وولده كان ببادية فلسطين . وقيل : في عربة من أرض فلسطين بغور الشام ؛ فقد كان آل يعقوب أهل بآدية وشاء وإبل ينتقلون في المياه والمناجع . و { البدو } مصدر . بدا فلان يبدو بدوا ؛ إذا صار بالبادية . والبدوة تعني الإقامة في البادية وهي ضد الحضارة{[2300]} ؛ أي ما حصل بني وبين إخوتي سببه نزغ الشيطان ؛ فقد نزع بني وبينهم ؛ أي أفسد بيني وبينهم . وقد أسند خطيئة إخوته إلى الشيطان تلطفا منه وتواضعا . وقيل : أوقع الشيطان بيني وبينهم بإثارة الحسد في قلوبهم . { إن ربي لطيف لما شاء إنه هو العليم الحكيم } الله رفقي بعباده ؛ فهو يرحمهم برحمته ويكف عنهم البأساء واللأواء ، ويكون لهم خير حافظ ومعين إذا أحدقت بهم الشدائد والكروب ؛ فقد رحم عبده الصابر الطهور يوسف فاذهب عنه البلاء والشدة وكرمه خير تكريم { إنه هو العليم الحكيم } الله العليم بمصالح العباد . فليس من عليم بما ينفعهم أو يضرهم على الحقيقة سوى الله . وهو سبحانه الحكيم في تصرفه وتدبيره{[2301]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.