عِبْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام ، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أَحسن إليهم ، وأعتقهم حين مَلَكَهم .
وعبرة في قصصهم لأرباب التقوى ؛ فإن يوسفَ لمَّا ترك هواه رقَّاه الله إلى ما رقَّاه .
وعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهي من شدة البلاء ، كامرأة العزيز لمَّا تبعت هواها لقيت الضرَّ والفقر .
وعبرةُ للمماليك في حضرة السادة ، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ العزيز ، وصارت زليخا امرأته حلالاً .
وعبرةٌ في العفو عند المقدرة ، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته .
وعبرةٌ في ثمرة الصبر ، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء يوسف عليه السلام .
4 أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 37257 ) ، وابن حجر في ( لسان الميزان 2/183 ) .
6 الحدق : ( ج ) الحدقة : السواد المستدير وسط العين . و ( في الطب ) : فتحة مستديرة ضيقة وسط قرينة العين .
10 انظر الرسالة القشيرية ص 78-80 عند حديث القشيري عن التلوين والتمكين مركزا على رأي الدقاق .
11 السماك : السماكان : نجمان نيران . يقال لأحدهما السماك الرامح وللآخر السماك الأعزل . يقال : بلغ فلان السماك ؛ أي : بلغ رتبة عالية . ( اللسان 10/443 ) .
12 أضغاث أحلام : الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها . ( اللسان 2//163 ) .
13 انظر الرسالة القشيرية ص 254 -259 حدبث القشيري عن الغيرة .
14 سخنت العين سخنا : لم تقز ، فهي سخينة .
15 القرح : الجرح ( ج ) قروح . القدح : الطعن والذم .
17 قال القشيري في رسالته موضحا هذا المعنى : واعلم أن الصبر على ضربين : صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا ، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا ، وفي هذا المعنى أنشدوا :
تبين يوم البين أن اعتزامه *** على الصبر من إحدى الظنون الكواذب
وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول : أصبح يعقوب عليه السلام وقد وعد الصبر في نفسه ، فقال : ( فصبر جميل ) أي فشأني صبر جميل ، ثم لم يمس حتى قال : ( يا أسفا على يوسف ) . ( الرسالة القشيرية ص 188- 189 ) .
18 هنا القشيري يطبق فكرة القبض والبسط ( انظر الرسالة القشيرية ص 58- 60 ) .
19 البداهة : ما يفجأ من الأمر .
20 الأباطح : ( ج ) الأبطح : مسيل واسع فيه دقاق الحصى والتراب .
قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } هذه الآية خير ختام وتعقيب تفضي إليهما هذه السورة الجليلة ، وهي آية مميزة في روعة مبناها وعجيب ألفاظها المصطفاة ، فضلا عما يتزاحم فيها من معان عظام مبدوءة بالإخبار ، ثم بالنفي ، ثم بالاستدراك ، ثم العطف .
وذلك كله في إحكام مترابط منسجم موصول يضم خلاله أكرم المعاني والعبر . وذلك في آية واحدة قصيرة لا يتلوها قارئ متدبر حتى تبادره حلاوة الألفاظ والمعاني ، ويسري في شغافه وخياله جمال الأسلوب المحبوب ، وسحر الإيقاع النافذ إلى عميق النفس . وهذه الخصيصة في روعة الختام والتعقيب إنما تتجلى في القرآن الكريم وحده من بين سائر الكلم ! أما تأويل الآية فهو أنه كان في أخبار النبيين والمرسلين وأممهم ، وكذلك ما حوته قصة يوسف من حقائق وأنباء تذهل –في ذلك كله { عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ } أي ذكرى وموعظة لأولى النهي والأفهام من الناس .
إن ما حواه القرآن من أخبار الأولين وقصصهم وما لقيه النبيون والمرسلون من صنوف البلاء والتعذيب من أممهم الفاسق أكثرها لهم خير تذكير وعظة للمتدبرين أولي الأبصار .
وفي جملة ذلك كله قصة يوسف وما حوته من وقائع وأحداث تثير الحيرة والدهش وتستنفر الألم والأسى وتعتصر القلوب لتفيض مضاضة وحزنا ! ويأتي في مقدمة هذه الوقائع المذهلة مثلبة الحسد البغيض الذي يستولي على المرء شر استيلاء ليسول له قتل أخيه ، لا في الدين فحسب بل في الذين والنسب . لا جرم أن الحسد يسري في دم ابن آدم سريان الماء في عروق الأرض ، وأنه يطغى على القلب والأعصاب والجهاز النفسي كله في الغالب فينجح بصاحبه لفعل الفظائع من المنكرات إلا أن يتذكر المرء مخافة الله في قلبه فيرعوى ليفيء إلى الصواب كلما ذكر الله في نفسه فاتقاه وازدجر .
قوله : { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } ما كان هذا القرآن حديثا مختلقا اختلاقا كما زعم الجاهدون السفهاء { وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } { تصديق } ، منصوب ؛ لأنه خبر كان . وتقديره : ولكن كان ذلك تصديق الذي بين يديه{[2307]} ؛ أي كان هذا القرآن تصديقا لما قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله . فالقرآن مصدق لما في الكتب المنزلة من السماء ؛ فهو يصدق الصحيح منها ، وينفي ما وقع فيها من تغيير وتبديل { وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ } آيات القرآن جاءت لتفصل ما يحتاج إليه الناس من أحكام الحلال والحرام بما في ذلك من بيان للواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات . وكذلك الإخبار عن أسماء الله وصفاته وما يليق بجنابه وما لا يليق مما هو عنه منزه . وكذلك أنباء الأولين من الغابرين والدارسين مما فيه موعظة وذكرى للمتدبرين المتقين { وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } { وَهُدًى وَرَحْمَةً } ، منصوبان على العطف على قوله : { تصديق } ؛ أي إن القرآن نور تستضيء به البشرية لتهتدي في طريقها وحياتها فلا تضل أو تتعثر ، وهو كذلك بما تضمنه من أحكام وشرائع ومبادئ وقيم ؛ رحمة مهداة من الله للناس كيما يسعدوا بع في حياتهم هذه ، ويوم القيامة يكونون من الآمنين الناجين في مقعد صدق وعليين . جعلنا الله في زمرة السعداء الآمنين الناجين في الدنيا والآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.