لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (24)

أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد ، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعاً لا كرهاً ، وفَرْقٌ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ . وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من المستطاع بقية .

والمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة ، والمستجيب للرسول - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه ، وبالاستجابة للرسول ؛ فالعبدُ المستجيبُ - على الحقيقة - من قام بالله سرَّاً ، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه - بحقائق الجمع و ( . . . ) في مشاهدة الفرق ، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير ، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير .

قوله جلّ ذكره : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } .

إذْ لمَّا أفناهم عنهم أحياهم به .

ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته ، وأما العالِمون فأحياهم بدلائل ربوبيته ، بعد ما أفناهم عن الجهل وظلمته . وأما المؤمنون فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم . وأمَّا الموَحِّدونَ فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير ، والملاحظة لكل حدثان .

قوله جلّ ذكره : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .

يصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو ، من بيان هداية وضلال ، وغَيبةٍ ووصالٍ ، وحُجْبةٍ وقُرْبة ، ويقينٍ ومرية ، وأُنْسٍ ووحشة .

ويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل ، فجدُّوا في معاملاتهم ، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم ، وصان قلوب العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم .

ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله ، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل ، ولا على قلوبهم تعويل . وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه ! كما قيل :

لا يهتدي قلبي إلى غيركم *** لأنه سُدَّ عليه الطريق

ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم ، قال تعالى :{ إنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }[ ق : 37 ] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (24)

شرح الكلمات :

{ استجيبوا } : اسمعوا وأطيعوا .

{ لما يحييكم } : أي لما فيه حياتكم ولما هو سبب في حياتكم كالإِيمان والعمل الصالح والجهاد .

المعنى :

هذا هو النداء الثالث بالكرامة للمؤمنين الرب تعالى يشرفهم بندائه ليكرمهم بما يأمرهم به أو ينهاهم عنه تربية لهم وإعداداً لهم لسعادة الدارين وكرامتهما فيقول { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } وهو بمعنى النداء الأول أطيعوا الله ورسوله . وقوله { لما يحييكم } إشعار بأن أوامر الله تعالى ورسوله كنواهيهما لا تخلو أبداً مما يحيي المؤمنين أو يزيد في حياتهم أو يحفظها عليهم ، ولذا وجب أن يطاع الله ورسوله ما أمكنت طاعتهما . وقوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } تنبيه عظيم للمؤمنين فيقلب القلب ويوجهه إلى وجهة أخرى فيكره فيها الخير ويرغب في الشر وقوله { وأنه إليه تحشرون } فالذي يعلم أنه سيحشر رغم أنفه إلى الله تعالى كيف يسوغ له عقله أن يسمع نداءه بأمره فيه أو ينهاه فيعرض عنه .

الهداية

من الهداية :

- وجوب الاستجابة لنداء الله ورسوله بفعل الأمر وترك النهي لما في ذلك من حياة الفرد المسلم .

- تعين اغتنام فرصة الخير قبل فواتها فمتى سنحت للمؤمن تعين عليه اغتنامها .