السورة التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام
بسم الله معناه بالله ؛ فقلوب العارفين بالله إشراقها ، وقلوب الوالهين بالله احتراقها ، لهؤلاء فا ( . . . ) محبته ، ولهؤلاء شوقا إلى عزيز رؤيته .
قوله جل ذكره : { ألمر كتاب أنزلناه لي لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } }
أقسم بهذه الحروف : إنَّه لَكِتَابٌ أُنْزِل إليك لتُخرِجَ الناسَ به من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ومنْ ظُلماتِ الشَّكِّ إلى نور اليقين ، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير ، ومن ظلمات الابتداع إلى نور الاتباع ، ومن ظلمات دَعَاوَى النَّفْسِ إلى نورِ معارفِ القلب ، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجَمْعِ - بإذن ربهم ، وبإرادته ومشيئته ، وسابقِ حُكْمِه وقضائه إلى صراط رحمته ، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد .
سورة إبراهيم مكية ، عدد آياتها اثنتان وخمسون آية ، وموضوع السورة الأساسي كبقية السور المكية هو العقيدة في أصولها الكبيرة : الوحي والرسالة والتوحيد والبعث والجزاء ، ولها نهج خاص في عرض هذا الموضوع ، وحقائقه الأصلية ، يميزها عن غيرها من السور .
ولجوّ هذه السورة من اسمها نصيب ، إبراهيم ، أبو الأنبياء ، المبارك الشاكر الأواه المنيب ، وهذه الصفات ملحوظة في جو السورة ، وفي الحقائق التي تبرزها ، وفي طريقة الأداء ، وفي التعبير والإيقاع .
وتتضمن السورة عدة حقائق رئيسة في العقيدة ، ولكن حقيقتين كبيرتين تخيمان على جوّها ، وهما حقيقة وحدة الرسالة والرسل ، ووحدة دعوتهم ، ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الجاهلية المكذبة بدين الله ، على اختلاف الأمكنة والأزمنة ، وحقيقة نعمة الله على البشر وزيادتها بالشكر ، ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران .
فأما الحقيقة الأولى فيبرزها السياق في معرض فريد في طريقة الأداء ، إذ تجمع الأنبياء كلهم في صف ، وتجمع الجاهليين كلهم في وصف ، وتجري المعركة بينهم في الأرض ، ثم لا تنتهي هنا بل تتابع خطواتها في يوم الحساب .
ونبصر مشهد أمة الرسل ، وأمة الجاهلية ، في صعيد واحد ، على تباعد الزمان والمكان . فالزمان والمكان عرضان زائلان ، أما الحقيقة الكبرى في هذا الكون ، حقيقة الإيمان والكفر ، فهي أكبر من الزمان والمكان ، ويلخص ذلك قوله تعالى : { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود إلى قوله تعالى . . . . ومن ورائه عذاب غليظ } . الآيات من 9- 17 .
فهنا تتجمع الأجيال من لدن نوح وتتجمع الرسل ، ويتلاشى الزمان والمكان ، وتبرز الحقيقة الكبرى : حقيقة الرسالة الواحدة ، واعتراضات الجاهلين الواحدة ، وحقيقة نصر الله للمؤمنين وهي واحدة ، وحقيقة استخلاف الله للصالحين وهي واحدة أيضا .
ولا تنتهي المعركة بين الكفر والإيمان هنا بل يتابع السياق خطواته بها إلى ساحة الآخرة ، فتبرز معالمها في مشاهد القيامة المتنوعة التي تتضمنها السورة .
وأما الحقيقة الثانية المتعلقة بالنعمة والشكر والبطر فتطبع جوّ السورة كله ، وتتناثر في سياقه . إذ يعدد الله بنعمه على البشر كافة ، مؤمنهم وكافرهم ، صالحهم وطالحهم ، طائعهم وعاصيهم ، وإنها لرحمة من الله وسماحة وفضل أن يتيح للكافر والعاصي نعمه في هذه الأرض ، كالمؤمن والطائع ، لعلهم يشكرون . وهو يعرض هذه النعمة في أضخم مجالي الكون وأبرزها ، ويضعها داخل إطار من مشاهد الوجود العظيمة . وفي إرسال الرسل للناس نعمة تعدل النعم السابقة أو تربو عليها ، والدعوة لأجل الغفران نعمة تعدل النور . وهنا تبرز حقيقة زيادة النعمة بالشكر .
وتنقسم السورة إلى مقطعين حلقاتهما متماسكة :
الأول : يتضمن بيان حقيقة الرسالة والرسول ، ويصور المعركة بين أمة الرسل وفرقة المكذبين في الدنيا والآخرة ، ويعقّب عليها بمثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة .
الثاني : يتحدث عن نعم الله على البشر ، سواء الذين كفروا بهذه النعم وبطروا ، أو الذين آمنوا وشكروا . ونموذج هؤلاء الأول هو إبراهيم . ثم يعمد إلى تصوير مصير الظالمين الكافرين بنعمة الله في سلسلة من أعنف مشاهد القيامة وأجلّها ، وأحفلها بالحركة والحياة . وأخيرا يختم السورة ختاما يتسق مع مطلعها : { هذا بلاغ للناس لينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذّكر أولوا الألباب } :
وإبراهيم هو خليل الله بن تارح بن ناحور من نسل نوح عليه السلام ، وهو من بلد اسمها " فدان آرام " بالعراق . كان قومه أهل أوثان ، وكان أبوه نجّارا ينحت الأصنام ويبيعها ممن يعبدها ، ولكن الله أنار بصيرة إبراهيم وهداه إلى الرشد ، فعلم أن الأصنام لا تضر ولا تنفع ، ولا تسمع ولا تبصر ، وحاول أن يهدي أباه وقومه فلم يستطع ، لعنادهم وإصرارهم على الكفر . وقد جفاه قومه وألقوه في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما . وهدده أبوه أن يرجمه إذا استمر على جحد الأصنام فلم يأبه لذلك . وقد استمر يدعو قومه إلى الهدى ، لكنه لم يؤمن منهم سوى زوجته سارة ولوط ابن أخيه .
ولما يئس من قومه هاجر إلى أور الكلدانيين ، وهي مدينة قرب الشاطئ الغربي للفرات ، ثم إلى حرّان ، وهي الآن في تركية ، وبعد ذلك إلى فلسطين ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط وزوجته . وفي القدس استقبله ملك القدس من الكنعانيين واسمه ملكي صادق ، فدعا لإبراهيم بالبركة فأعطاه إبراهيم جزية العشر من كل ما يملك .
وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في خمس وعشرين سورة ذكر فيها ثلاثا وستين مرة ، تارة باختصار ، وتارة بتطويل ، وتارة بذكر شأن من شؤونه في سورة ، ثم شأن آخر في سورة أخرى ، وسيمر معنا ذلك التفسير .
{ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } .
ألف . لام . را . لقد أنزلنا إليك يا محمد ، هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف لتخرجَ به البشريةَ من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم ، وذلك بإذن الله وتوفيقه ولطفه بهم ، وتقودهم إلى الطريق إلى الله .
{ 1 - 3 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ }
يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لنفع الخلق ، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة ، وقوله : { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } أي : لا يحصل منهم المراد المحبوب لله ، إلا بإرادة من الله ومعونة ، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم .
مكية إلا آيتين من قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً } إلى قوله : { فإن مصيركم إلى النار } . وهي اثنتان وخمسون آية
{ الر } أي : هذا كتاب { أنزلناه إليك } ، يا محمد يعني : القرآن ، { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } أي : لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان ، { بإذن ربهم } ، بأمر ربهم . وقيل : بعلم ربهم . { إلى صراط العزيز الحميد } أي : إلى دينه ، و{ العزيز } ، هو الغالب ، و{ الحميد } : هو المستحق للحمد .