لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ} (76)

جاء في القصص أنه كان ابن عمِّ موسى ، وكان من أعبد بني إسرائيل ، وكان قد اعتزل الناسَ ، وانفرد في صومعته يتعبَّد ، فتصوَّر له إبليسُ في صورة بَشَرٍ ، وأخذ في الظاهر يتعبَّدُ معه في صومعته حتى تعجَّب قارونُ من كثرة عبادته ، فقال له يوماً : لسنا في شيء ؛ عيونُنا على أيدي الناسِ حتى يدفعوا إلينا شيئاً هو ضرورتنا ، ولا بُدَّ لنا من أَخْذِه ، فقال له قارون : وكيف يجب أن نفعلَه ؟

فقال له : أن ندخل في الأسبوع يوماً السوق ، ونكتسب ، وننفق ذلك القَدْرَ في الأسبوع ، فأجابه إليه . فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوماً ، ثم قال له : لستُ أنا وأنت في شيء ، فقال : وما الذي يجب أن نعمله ؟

فقال له : نكتسب في الأسبوع يوماً لأنفسنا ، ويوماً نكتسب ونتصدَّق به ، فأجابه إليه . ثم قال له يوماً آخر : لسنا في شيء ، فقال : وما ذاك ؟

قال : إِنْ مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوتَ يومٍ ، فقال : وما نفعل ؟

قال : نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام ؛ يوماً للنفقة ويوماً للصدقة ويوماً للإدخار ، فأجابه إليه . . فلمَّا عَلِمَ أن حُبَّ الدنيا استمكن من قلبه وَدَّعَه ، وقال :

إِنِّي مُفارِقُكَ . . . فَدُمْ على ما أنت عليه ، فصار من أمره ومالِه ما صار ، وحَمَلَه حُبُّ الدنيا على جَمْعِها ، وَحَمَلَه جَمْعُها على حُبِّها ، وحَمَلَه حُبِّها على البغي عليهم ، وصارت كثرةُ مالِه سَبَبَ هلاكِه ، وكم وُعِظَ بِتَرْكِ الفَرَجِ بوجود الدنيا ، وبِتَرْكِ الاستمتاع بها ! وكان لا يأبى إِلاَّ ضلالاً .

ويقال خَسَفَ اللَّهُ به الأرضَ بدعاِء موسى عليه السلام ، فقد كان موسى يقول :

يا أرضُ خُذِيه . . وبينما كانت الأرض تُخْسَفُ به كان يستعين بموسى بحقِّ القرابة ، ولكن موسى كان يقول : يا أرضُ خُذِيه .

وفيما أوحى اللَّهُ إلى موسى : لقد ناداك بحقِّ القرابة وأنت تقول : يا أرض خذيه ! وأنا أقول : يا عبدُ ، نادِني فأنا أقرب منه إليك ، ولكنه لم يَقُلْ .

وفي القصة أنه كان يُخْسَفُ به كل يوم بزيادة معلومة ، فلمَّا حَبَسَ اللَّهُ يونسَ في بطن الحوتِ أَمَرَ الحوتَ أن يطوفَ به في البحار لئلا يضيقَ قلبُ يونس ، حتى انتهى إلى قارون ، فسأله قارونُ عن موسى وحاله ، فأوحى الله إلى المَلَك :

لا تَزِدْ في خَسْفِه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه ، ووَصَلَ بَه رَحِمَه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ} (76)

فبغى عليهم : تكبر وتجبر .

الكنوز : جمع كنز : وهو المال المدفون في باطن الأرض والمراد به هنا المال المدخَر .

مفاتحه : جمع مفتح : ومفاتيح جمع مفتاح والمعنى واحد ، وهو المفتاح المعروف لفتح الأبواب .

لَتنوء بالعصبة أولي القوة : يعني أن مفاتيح خزائنه من الكثرة بحيث يثقل حملها على الجماعة الأقوياء .

لا تفرح : لا تبطَر وتتمسك بالدنيا .

كان قارون من قوم موسى ، ويقول بعض المفسرين إنه تكبّر على قومه غروراً بنفسه وماله ، حيث أعطاه الله من الأموال قدراً كبيرا ، بلغت مفاتيحُ خزائنها من الكثرة بحيث يثقل حملُها على الجماعة الأقوياء من الرجال . وحين اغترّ وكفر بنعمة الله عليه نصحه قومه قائلين : لا تغترّ بمالك ولا يفتنك الفرح به عن شكر الله ، إن الله

لا يرضى عن المغرورين المفتونين .

وقد أورد القرآن هذه القصة حتى يعتبر قومُ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، إذ أنهم اغترّوا بأموالهم ، فبيّن لهم أن أموالهم بجانب مال قارون ليست شيئاً مذكورا .