لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

قوله : { وَاعْبُدُوا اللهَ } : العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر .

{ وَلاَ تُشْرِكُوا } الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه ، وخفِيُّه : ملاحظةُ موجود سواه ، والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله ، قائمةٌ به ؛ فهو مجريها ومنشيها ومبقيها ، وليس لأحد ذوة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع .

ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلْق ، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمِّهم - كلُّ ذلك من الشِّرْكِ الخَفِّي .

قوله : { وَبِالوَالِدَيْنِ } الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أُمِرْتَ أولاً بحقوقهما لأنهما من جِنْسِك ومنها تربيتك ، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك . وإذا صَلُحْتَ للصحبة والعِشْرة مع ذوي القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن في طبقتهم - رُقِّيتَ عن ذلك إلى استيجاب صحبته - سبحانه .

قوله : { وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ } . . . الآية من جيرانك ( . . . . ) فلا تؤذوهما بعصيانك ، وراعِ حقهما بما تُولِي عليهما من إحسانك .

فإذا كان جار دارك مستوجباً للإحسان إليه ومراعاة حقه فجارُ نفسِك - وهو قلبك - أوْلى بألا تضيِّعه ولا تَغْفَل عنه ، ولا تُمكِّنَ حلول الخواطر الرديئة به .

وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك - وهو روحك - أوْلى أن تحامي على حقِّها ، ولا تُمكِّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها . وجار روحك - وهو سِرُّك - أوْلى أن ترعى حقّه ، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات .

قوله :{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ }[ الحديد : 4 ] الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوي التحقيق .

37

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

بذي القربى : أقرباء الإنسان من أخ وعم وخال ونحوهم .

الجار ذي القربى : الذي قُرب جواره .

الجار الجنب : الجار الذي لا قرابة له ، أو البعيد .

الصاحب بالجنب : الرفيق في السفر ، أو المنقطع إليك .

ابن السبيل : المسافر أو الضعيف .

ما ملكت أيمانكم : الأرقاء العبيد .

بعد أن عالجت السورة أمر الأيتام والنساء والميراث وحفظ الأموال وتنظيم الأسرة ، جاء التذكير هنا بحسن معاملة الخالق ، ثم التذكير بحسن معاملة الناس . فالسورةُ تأمر بأساس الفضائل التي تهذّب النفس وهي عبادة الله والإخلاص له ، كما تأمر بالإحسان في معاملة الناس ، وتخص بالذكر طوائف من الناس ، الإحسانُ إليها إحسان إلى النفس والأسرة وإلى الإنسانية كلها . بذلك تضع للمسلمين أساس الضمان الجماعي ، والتكافل الحقيقي بينهم .

اعبدوا الله وحده ولا تشركوا معه أحدا ، وأحسِنوا إلى الوالدين إحساناً لا تقصير فيه ، لأنهما السبب الظاهر في وجودكم ، وأحسنوا معاملة أقرب الناس إليكم بعد الوالدين ، وإلى اليتامى ، وإلى المساكين الذين افتقروا بسبب عجزهم أو بذهاب الكوارث بأموالهم ، وإلى الجيران سواء منهم القريب أو البعيد . وقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الإحسان إلى الجار مهما كان دينه أو جنسه ، فقد عاد النبي ابن جاره اليهودي ، وذبح ابن عمر شاةً فجعل يقول لغلامه : أهديت لجارنا اليهودي ؟ . . . .

وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإسلام ، وزاده الإسلام توكيداً بما جاء في الكتاب والسنة . من إكرامه إرسال الهدايا إليه ، ودعوته إلى الطعام ، وتعاهده بالزيارة والعيادة ونحو ذلك . وهناك حديث الصحيحين المشهور : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه » .

والصاحب بالجنب هو الرفيق في السَّفَر ، وابن السبيل هو المسافر المحتاج ، وما ملكتم من الأرقاء ، كل هؤلاء تجب معاملتهم بالحسنى . . فاللهُ لا يحب من كان متكبراً متعالياً على الناس لا تأخذه بهم رحمة . وفي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال رسول الله : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ » فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا ، فقال الرسول الكريم : «إن الله جميل يحب الجمال » .