أخذ عليهم سلطانُ الحقيقة كلَّ طريق ، فلا لهم في الشرق مذهب ، ولا لهم في الغرب مضرب . كيفما نظروا رأوا سرادقات التوحيد محدقة بهم :
كأنَّ فجاجَ الأرض ضاقَتْ بِرَحْبِها *** عليهم فما تزداد طولاً ولا عرضا
ولا يسلم لهم نفس مع الخلق ، وأنَّى بذلك ولا خَلْق ! ! وإذا لم يكن فإثبات ما ليس شِرْكٌ ( . . . . . ) في التوحيد .
والفقير الصادق واقف مع الله بالله ، لا إشراف للأجانب عليه ، ولا سبيل لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار في لبسة سوى ما هو به ؛ قال تعالى : { يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شيء من أحوالهم . تعرفهم يا محمد - أنت - بسيماهم ، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر ولكنها سيماء تدركها البصيرة . لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية .
ويقال : { تَعرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } : استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم ، وصياح أسرارهم إلى العرش ( نشاطاً عنه ) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش .
ويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس إلحافاً ، فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال - لما يشير إليه دليل الخطاب - فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم ، لئلا يلاحظهم الخلْق بعين السؤال ، وليس على سرّهم ذرة من الإثبات للأغيار .
ويقال : { أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ } : وقفوا على حكم الله ، وأحْصَرُوا نفوسَهم على طاعته وقلوبَهم على معرفته ، وأرواحَهم على محبته ، وأسرارَهم على رؤيته .
ثم ذكر مصرف النفقات الذين هم أولى الناس بها فوصفهم بست صفات أحدها الفقر ، والثاني قوله : { أحصروا في سبيل الله } أي : قصروها على طاعة الله من جهاد وغيره ، فهم مستعدون لذلك محبوسون له ، الثالث عجزهم عن الأسفار لطلب الرزق فقال : { لا يستطيعون ضربا في الأرض } أي : سفرا للتكسب ، الرابع قوله : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } وهذا بيان لصدق صبرهم وحسن تعففهم . الخامس : أنه قال : { تعرفهم بسيماهم } أي : بالعلامة التي ذكرها الله في وصفهم ، وهذا لا ينافي قوله : { يحسبهم الجاهل أغنياء } فإن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه ، وأما الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم{[150]} يعرفهم بعلامتهم ، السادس قوله : { لا يسألون الناس إلحافا } أي : لا يسألونهم سؤال إلحاف ، أي : إلحاح ، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا ، فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات ، وأما النفقة من حيث هي على أي شخص كان ، فهي خير وإحسان وبر يثاب عليها صاحبها ويؤجر ، فلهذا قال : { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.