لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (94)

أباح الصيد لمن كان حَلاَلاً ، وحرَّم الصيد على المُحْرِم الذي قَصْدهُ زيارة البيت . والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان ، لا يتأذى منه حيوان بحال ، لذا قالوا : البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر .

ويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً ، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال .

وكما أنَّ الصيدَ على المُحْرِم حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار - على الواجِد - حرامٌ ما دام مُحْرِمًا بقلبه .

ويقال العارفُ صيدُ الحق ، ولا يكون للصيد صيد .

وإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة ، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة ، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل ، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع ، ولكن كفَّارته تجرده - على الحقيقة - عن كل غير ، قليلٍ أو كثير ، صغير أو كبير .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (94)

المفردات :

ليبلونكم : الابتلاء ؛ الاختبار .

بشيء من الصيد : الصيد : ما صيد من حيوان البحر ، ومن حيوان البر الوحشية ، ومن الطيور . تناله أيديكم ورماحكم : يراد به كثرته وسهولة اصطياده .

روى عن ابن عباس : أنه ما تناله الأيدي : الصغار والفراخ من الصيد . وما يؤخذ وينال بالرماح الكبار .

ليعلم الله من يخافه بالغيب : أي ليعاملكم معاملة المختبر ، الذي يريد أن يعلم الشيء علم وقوع – وإن كان سبحانه وتعالى يعلمه علم غيب – فهو علام الغيوب .

التفسير :

94- يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .

تمهيد :

خلق الله الإنسان للاختبار والبتلاء فمن أطاع فله الجنة ، ومن أساء فله النار .

قال تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ( الملك : 2 ) .

وقد كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل ألا يعتدوا في السبت .

عن مقاتل قال : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون .

يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .

والمعنى : أي ليختبرنكم الله – وأنتم محرمون – ببعض من الصيد يسهل عليكم تناوله ، بحيث تناله أيديكم بدون حاجة إلى سهام أو جوارح ، أو بطيور صغار تستطيعون أخذها بأيديكم وبطيور كبار تستطيعون صيدها برماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب . ليتميز عند الله من يخافه منكم خفية عن الناس ، كما يخافه بمرأى من الناس ومسمع منهم ، فالخوف بالغيب برهان الإيمان .

جاء في حاشية الجمل : وقوله ( بالغيب ) حال من فاعل يخافه أي يخاف الله حال كونه غائبا عن الله ، ومعنى كون العبد غائبا من الله ، أنه لم ير الله تعالى .

أو حال من المفعول : أي يخاف الله حال كونه – تعالى – ملتبسا بالغيب عن العبد أي غير مرئي له . ( فمن اعتدى ) فاصطاد .

( بعد ذلك )أي بعد الابتلاء .

( فله عذاب أليم ) أي شديد الإيلام عظيم الإهانة لأن التعدي بعد الإنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله ، ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته وقبح مصيره .

هذا ولقد نجحت الأمة الإسلامية ، وخصوصا سلفها الصالح في هذا الاختبار ، فقد تجنب أبنائها وهم محرمون صيد البر مهما أغراهم قربه منهم ، وحبهم لصيده والانتفاع به .

بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار فقد نهاهم الله عن الصيد في يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم في هذا اليوم امتحانا من الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها بأن حبسوها في يوم السبت ، ليصيدوها في غيره . . فاستحق اليهود اللعنة والمسخ واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس .