جاء في القصص أنه كان ابن عمِّ موسى ، وكان من أعبد بني إسرائيل ، وكان قد اعتزل الناسَ ، وانفرد في صومعته يتعبَّد ، فتصوَّر له إبليسُ في صورة بَشَرٍ ، وأخذ في الظاهر يتعبَّدُ معه في صومعته حتى تعجَّب قارونُ من كثرة عبادته ، فقال له يوماً : لسنا في شيء ؛ عيونُنا على أيدي الناسِ حتى يدفعوا إلينا شيئاً هو ضرورتنا ، ولا بُدَّ لنا من أَخْذِه ، فقال له قارون : وكيف يجب أن نفعلَه ؟
فقال له : أن ندخل في الأسبوع يوماً السوق ، ونكتسب ، وننفق ذلك القَدْرَ في الأسبوع ، فأجابه إليه . فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوماً ، ثم قال له : لستُ أنا وأنت في شيء ، فقال : وما الذي يجب أن نعمله ؟
فقال له : نكتسب في الأسبوع يوماً لأنفسنا ، ويوماً نكتسب ونتصدَّق به ، فأجابه إليه . ثم قال له يوماً آخر : لسنا في شيء ، فقال : وما ذاك ؟
قال : إِنْ مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوتَ يومٍ ، فقال : وما نفعل ؟
قال : نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام ؛ يوماً للنفقة ويوماً للصدقة ويوماً للإدخار ، فأجابه إليه . . فلمَّا عَلِمَ أن حُبَّ الدنيا استمكن من قلبه وَدَّعَه ، وقال :
إِنِّي مُفارِقُكَ . . . فَدُمْ على ما أنت عليه ، فصار من أمره ومالِه ما صار ، وحَمَلَه حُبُّ الدنيا على جَمْعِها ، وَحَمَلَه جَمْعُها على حُبِّها ، وحَمَلَه حُبِّها على البغي عليهم ، وصارت كثرةُ مالِه سَبَبَ هلاكِه ، وكم وُعِظَ بِتَرْكِ الفَرَجِ بوجود الدنيا ، وبِتَرْكِ الاستمتاع بها ! وكان لا يأبى إِلاَّ ضلالاً .
ويقال خَسَفَ اللَّهُ به الأرضَ بدعاِء موسى عليه السلام ، فقد كان موسى يقول :
يا أرضُ خُذِيه . . وبينما كانت الأرض تُخْسَفُ به كان يستعين بموسى بحقِّ القرابة ، ولكن موسى كان يقول : يا أرضُ خُذِيه .
وفيما أوحى اللَّهُ إلى موسى : لقد ناداك بحقِّ القرابة وأنت تقول : يا أرض خذيه ! وأنا أقول : يا عبدُ ، نادِني فأنا أقرب منه إليك ، ولكنه لم يَقُلْ .
وفي القصة أنه كان يُخْسَفُ به كل يوم بزيادة معلومة ، فلمَّا حَبَسَ اللَّهُ يونسَ في بطن الحوتِ أَمَرَ الحوتَ أن يطوفَ به في البحار لئلا يضيقَ قلبُ يونس ، حتى انتهى إلى قارون ، فسأله قارونُ عن موسى وحاله ، فأوحى الله إلى المَلَك :
لا تَزِدْ في خَسْفِه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه ، ووَصَلَ بَه رَحِمَه .
وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها ، وعن أحوالهم يوم القيامة ، وعن أحوالهم المؤمنين الصادقين . . . بعد كل ذلك ، ختم - سبحانه - قصة موسى - عليه السلام - التى جاء الحديث عنها فى كثير من آيات هذه السورة - ختمها بقصة قارون الذى كان من قوم موسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : { إِنَّ قَارُونَ . . . } .
قال القرطبى : قوله - تعالى - { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى } لما قال - تعالى - : { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا } بين أن قارون أوتيها واغتر بها . ولم تعصمه من عذاب الله ، كما لم تعصم فرعون ولستم - أيها المشركون - بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون ، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله ، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه .
قال النخعى وقتادة وغيرهما : كان قارون ابن عم موسى . . . وقيل كان ابن خالته . .
وقوله { فبغى عَلَيْهِمْ } من البغى وهو مجاوزة الحد فى كل شىء . يقال : بغى فلان على غيره بغيا ، إذا ظلمه واعتدى عليه . وأصله من بغى الجرح ، إذا ترامى إليه الفساد .
والمعنى : إن قارون كان من قوم موسى ، أى : من بنى إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى كما أرسل إلى فرعون وقومه .
{ فبغى عَلَيْهِمْ } أى : فتطاول عليهم ، وتجاوز الحدود فى ظلمهم وفى الاعتداء عليهم .
ولم يحدد القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التى بغى عليهم فيها ، للإشارة إلى أن بغيه قد شمل كل ما من شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال .
وقوله - تعالى - : { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة } بيان لما أعطى الله - تعالى - لقارون من نعم .
والكنوز : جمع كنزل وهو المال الكثير المدخر ، و { مَآ } موصولة . وهى المفعول الثانى لآتينا .
وصلتها { إِنَّ } وما فى حيزها . وقوله : { مَفَاتِحَهُ } جمع مفتح - بكسر الميم وفتح التاء - وهو الآلة التى يفتح بها - أو جمع مفتح - بفتح الميم والتاء - بمعنى الخزائن التى تجمع فيها الأموال .
وهو - أى لفظ مفاتحه - اسم إن ، والخبر : { لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة } .
وقوله { لَتَنُوءُ } . أى لتعجز أو لتثقل . يقال : ناء فلان بحمل هذا الشىء ، إذا أثقله حمله وأتعبه : والباء فى قوله { بالعصبة } للتعدية والعصبة : الجماعة من الناس من غير تعيين بعدد معين ، سموا بذلك لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها فى العرف ، بالعشرة إلى الأربعين .
والمعنى : وآتينا قارون - بقدرتنا وفضلنا - من الأموال الكثيرة ، ما يثقل حمل مفاتح خزائنها ، العصبة من الرجال الأقوياء ، بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها .
قال صاحب الكشاف : وقد بولغ فى ذكر ذلك - أى فى كثرة أمواله - بلفظ الكنوز ، والمفاتح ، والنوء ، والعصبة ، وأولى القوة .
والمراد بالفرح فى قوله - سبحانه - : { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ } : البطر والأشر والتفاخر على الناس ، والاستخفاف بهم واستعمال نعم الله - تعالى - فى السيئات والمعاصى .
وجملة : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } تعليل للنهى عن الفرح المذموم .
أى : لقد أعطى الله - تعالى - قارون نعما عظيمة ، فلم يشكر الله عليها ، بل طغى وبغى ، فقال له العقلاء من قومه : لا تفرح بهذا المال الذى بين يديك فرح البطر الفخور ، المستعمل لنعم الله فى الفسوق والمعاصى ، فإن الله - تعالى - لا يحب من كان كذلك .
قوله تعالى : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 ) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين } .
{ قارون } كان ابن عم موسى . وقيل : كان عم موسى بن عمران . والراجح أنه ابن عمه وهو قول أكثر أهل العلم . وقد كان يقرأ التوراة ، وكان حسن الصوت فيها لكنه نافق السامري فأهلكه الطغيان والبطر والاغترار بمتاع الحياة الدنيا { فبغى عليهم } من البغي ؛ وهو التعدي وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي . وأهل البغي ، يعني أهل الفساد{[3525]} .
والمعنى : أن قارون بطغيانه وفساده قد بغى على قوم موسى ؛ أي جاوز الحد في الكبر والتجبر والتفاخر بكثرة ماله .
قوله : { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } { مآ } : اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب بالفعل ، آتيناه{[3526]} . وتنوء ، تنهض . تنوء بالحمل ، تنهض به مثقلا . وناء به الحمل ، أي أثقله{[3527]} ومفاتح : جمع مفتح ؛ وهو ما يفتح به الباب فالمراد به المفاتيح .
والمعنى : وآتينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتيح صناديقه أو خزائنه { لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } أي يثقلهم حمل المفاتح ، أو تميله المفاتح بثقلها . أو ينهضون بها متثاقلين . والعصبة : الجماعة من الناس .
قوله : { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } قال له قومه ناصحين مذكرين : لا تبطر ولا تهلك الدنيا بزينتها عن الآخرة ، فإن الله لا يحب الأشرين البطرين . أو لا يحب المتبذخين السادرين في اللهو ، والذين لا يشكرون الله على ما آتاهم من فضله .