أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف :
( ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ، مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا . ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ، وقالوا : أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ? أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ? وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ، فأبى الظالمون إلا كفورا ) . .
ولقد جعل الله للهدى وللضلال سننا ، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها ، ويتعرضون لعواقبها . ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى وللضلال ، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال . فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه يهديه الله ؛ وهذا هو المهتدي حقا ، لأنه اتبع هدى الله . والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب الله : ( فلن تجد لهم أولياء من دونه ) ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة : على وجوههم يتكفأون ( عميا وبكما وصما ) مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام . جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى . و ( مأواهم جهنم ) في النهاية ، لا تبرد ولا تفتر ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) .
قوله تعالى : { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } ذلك كلام مبتدأ من الله وفيه تسلية لرسول الله ( ص ) . والمعنى : أن المهتدي من أوتي سلامة الفطرة وحُسْن الاستعداد ؛ فإنه يهتدي بتوفيق الله للحق . وأما الضال : فهو ذو استعداد قبيح وطبيعة سيئة متلبسة بالزيغ والعوج ، فما يختار هذا إلا الكفر والعصيان والإدبار عن منهج الله وطاعته .
وهؤلاء الضالون الزائغون عن الحق ليس لهم من أحد يهديهم وهو قوله سبحانه : ( فلن تجد لهم أولياء من دونه ) أي لن يكون لهؤلاء الجاحدين أنصارا أو أعوانا ينقذونهم من الضلالة والخسران إن كان الله قد علم أنهم لا يبتغون إلا الضلال ، فأضلهم .
قوله : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) ( على وجوههم ) ، في موضع نصب على الحال من المفعول ؛ أي كائنين مسحوبين على وجوههم . و ( عميا ) ، حال ثانية{[2751]} ، والبكم ، من البكم بالتحريك بمعنى الخرس . والبكم جمع أبكم وهو الأخرس ، أو الذي يولد ولا ينطق ولا يسمع ولا يبصر{[2752]} . يتوعد الله هؤلاء المشركين الجاحدين ويتهددهم بأهوال يوم القيامة حيث الدواهي والشدائد بدءا بعذاب القبر . ومرورا بالذعر والإياس والزحام والاصطلاء الشديد تحت الشمس . وفي وصف ذلك يقول سبحانه : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) أي يساقون بعد قيامهم من قبورهم إلى المحشر ؛ إذ يزحفون على وجوههم زحفا ، وهم عمي لا يرون ، وخرس لا ينطقون ، وصم لا يسمعون . فياله من منظر فظيع ، وصورة مريعة بئيسة تستبين من خلالها حال المجرمين الخاسرين يوم القيامة .
وفي حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة وما يحيط بهم حينئذ من عظائم الأمور أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف مشاة ، وصنف ركبان ، وصنف على وجوههم " قيل : يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم ؟ قال : " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " .
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول الله ( ص ) : " إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم " . وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن أبي ذر قال : حدثني الصادق المصدوق ( ص ) : " إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج ، فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم " .
قوله : ( مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ) خبت النار تخبو ، أي سكن لهيبها أو طفئ . {[2753]} والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين الناكبين عن منهج الله مستقرهم جهنم ، بلهيبها المتأجج المستعر . وهي ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) أي كلما سكن لهيبها بأن فنيت جلودهم وأبدانهم من الحريق ولم يبق منها ما تحرقه النار ، أعادهم الله على ما كانوا عليه ؛ لتتوقد بهم النار وتستعر{[2754]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.