الحديث في هذا الدرس يكاد يقتصر على حادث تحويل القبلة ، والملابسات التي أحاطت به ، والدسائس التي حاولها اليهود في الصف المسلم بمناسبته ، والأقاويل التي أطلقوها من حوله ؛ ومعالجة آثار هذه الأقاويل في نفوس بعض المسلمين ، وفي الصف المسلم على العموم .
ولا توجد رواية قطعية في هذا الحادث ، كما أنه لا يوجد قرآن يتعلق بتاريخه بالتفصيل . والآيات الخاصة به هنا تتعلق بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة . وكان هذا في المدينة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرا من الهجرة .
ومجموع الروايات المتعلقة بهذا الحادث يمكن أن يستنبط منها - بالإجمال - أن المسلمين في مكة كانوا يتوجهون إلى الكعبة منذ أن فرضت الصلاة - وليس في هذا نص قرآني - وأنهم بعد الهجرة وجهوا إلى بيت المقدس بأمر إلهي للرسول [ ص ] يرجح أنه أمر غير قرآني . ثم جاء الأمر القرآني الأخير : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . . فنسخه .
وعلى أية حال فقد كان التوجه إلى بيت المقدس - وهو قبلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى - سببا في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام ، إذ أطلقوا في المدينة ألسنتهم بالقول ، بأن اتجاه محمد ومن معه إلى قبلتهم في الصلاة دليل على أن دينهم هو الدين ، وقبلتهم هي القبلة ؛ وأنهم هم الأصل ، فأولى بمحمد ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام !
وفي الوقت ذاته كان الأمر شاقا على المسلمين من العرب ، الذين ألفوا في الجاهلية أن يعظموا حرمة البيت الحرام ؛ وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم . وزاد الأمر مشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر ، واتخاذه حجة عليهم !
وكان الرسول [ ص ] يقلب وجهه في السماء متجها إلى ربه ، دون أن ينطق لسانه بشيء ، تأدبا مع الله ، وانتظارا لتوجيهه بما يرضاه . .
ثم نزل القرآن يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول [ ص ] : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . .
وتقول الروايات : إن هذا كان في الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة ، وإن المسلمين حينما سمعوا بتحويل القبلة ، كان بعضهم في منتصف صلاة ، فحولوا وجوهم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم ، وأكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة .
عندئذ انطلقت أبواق يهود - وقد عز عليهم أن يتحول محمد [ ص ] والجماعة المسلمة عن قبلتهم ، وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تعاظمهم وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم - انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم وفي أساس عقيدتهم . . قالوا لهم : إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة ؛ وإن كانت حقا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل ، وضائعة صلاتكم إليه كلها . . وعلى أية حال فإن هذا النسخ والتغيير للأوامر - أو للآيات - لا يصدر من الله ، فهو دليل على أن محمدا لا يتلقى الوحي من الله !
وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي من مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع ، منذ قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسهاط ) -وقد استغرق درسين كاملين في الجزء الأول - ومن مراجعة هذا الدرس في هذا الجزء أيضا . ومن التوكيدات والإيضاحات والتحذيرات التي سندرسها فيما يلي تفصيلا عند استعراض النص القرآني .
أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة ، واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها . فقد كان هذا حادثا عظيما في تاريخ الجماعة المسلمة ، وكانت له آثار ضخمة في حياتها . .
لقد كان تحويل القبلة أولا عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية أشارت إليها آية في هذا الدرس :
( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) . . فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم ، ويعدونه عنوان مجدهم القومي . . ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله ، وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة ، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم . . فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام ، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية ، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر ، اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة ، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ ؛ أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد . .
حتى إذا استسلم المسلمون ، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول [ ص ] وفي الوقتذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم ، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام . ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه . هي حقيقة الإسلام . حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصا لله ، وليكون تراثا للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولا منهم بالإسلام ، الذي كان عليه هو وبنوه وحفدته . . كما مر في درس : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) . . في الجزء الماضي .
ولقد كان الحديث عن المسجد الحرام : بنائه وعمارته ، وما أحاط بهما من ملابسات ؛ والجدل مع أهل الكتاب والمشركين حول إبراهيم وبنيه ودينه وقبلته ، وعهده ووصيته . . كان هذا الحديث الذي سلف في هذه السورة خير تمهيد للحديث عن تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بعد هذه الفترة . فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل ، ودعوا عنده ذلك الدعاء الطويل . . يبدو في هذا السياق هو الاتجاه الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده مع ربه . فهو الاتجاه الحسي المتساوق مع الاتجاه الشعوري ، الذي ينشئه ذلك التاريخ .
لقد عهد الله إلى إبراهيم أن يكون من المسلمين ؛ وعهد إبراهيم بهذا الإسلام إلى بنيه من بعده ، كما عهد به يعقوب - وهو إسرائيل - ولقد علم إبراهيم أن وراثة عهد الله وفضله لا تكون للظالمين .
ولقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل بإقامة قواعد البيت الحرام . . فهو تراث لهما ، يرثه من يرثون عهد الله إليهما . . والأمة المسلمة هي الوارثة لعهد الله مع إبراهيم وإسماعيل ولفضل الله عليهما ؛ فطبيعي إذن ومنطقي أن ترث بيت الله في مكة ، وأن تتخذ منه قبلة .
فإذا اتجه المسلمون فترة من الزمان إلى المسجد الأقصى ، الذي يتجه إليه اليهود والنصارى ، فقد كان هذا التوجه لحكمة خاصة هي التي أشار إليها السياق ، وبيناها فيما سبق . فالأن وقد شاء الله أن يعهد بالوراثة إلى الأمة المسلمة ، وقد أبى أهل الكتاب أن يفيئوا إلى دين أبيهم إبراهيم - وهو الإسلام - فيشاركوا في هذه الوراثة . . الآن يجيء تحويل القبلة في أوانه . تحويلها إلى بيت الله الأول الذي بناه إبراهيم . لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة . حسيها وشعوريها ، وراثة الدين ، ووراثة القبلة ، ووراثة الفضل من الله جميعا .
إن الاختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة : الاختصاص والتميز في التصور والاعتقاد ؛ والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة . وهذه كتلك لا بد من التميز فيها والاختصاص . وقد يكون الأمر واضحا فيما يختص بالتصور والاعتقاد ؛ ولكنه قد لا يكون بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة . . هنا تعرض التفاتة إلى قيمة أشكال العبادة .
إن الذي ينظر إلى هذه الأشكال مجردة عن ملابساتها ، ومجردة كذلك عن طبيعة النفس البشرية وتأثراتها . . ربما يبدو له أن في الحرص على هذه الأشكال بذاتها شيئا من التعصب الضيق ، أو شيئا من التعبد للشكليات ! ولكن نظرة أرحب من هذه النظرة ، وإدراكا أعمق لطبيعة الفطرة ، يكشفان عن حقيقة أخرى لها كل الاعتبار .
إن في النفس الإنسانية ميلا فطريا - ناشئا من تكوين الإنسان ذاته من جسد ظاهر وروح مغيب - إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن المشاعر المضمرة . فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ أو لا تستقر حتى تتخذ لها شكلا ظاهرا تدركه الحواس ؛ وبذلك يتم التعبير عنها . يتم في الحس كما تم في النفس . فتهدأ حينئذ وتستريح ؛ وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغا كاملا ؛ وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن ؛ وتجد تلبية مريحة لجنوحها إلى الأسرار والمجاهيل وجنوحها إلى الظواهر والأشكال في ذات الأوان .
وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها . فهي لا تؤدي بمجرد النية ، ولا بمجرد التوجه الروحي . ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلا ظاهرا : قياما واتجاها إلى القبلة وتكبيرا وقراءة وركوعا وسجودا في الصلاة . وإحراما من مكان معين ولباسا معينا وحركة وسعيا ودعاء وتلبية ونحرا وحلقا في الحج . ونية وامتناعا عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم . . وهكذا في كل عبادة حركة ، وفي كل حركة عبادة ، ليؤلف بين ظاهر النفس وباطنها ، وينسق بين طاقاتها ، ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص .
ولقد علم الله أن الرغبة الفطرية في اتخاذ أشكال ظاهرة للقوى المضمرة هي التي حادت بالمنحرفين عن الطريق السليم . فجعلت جماعة من الناس ترمز للقوة الكبرى برموز محسوسة مجسمة من حجر وشجر ، ومن نجوم وشمس وقمر ، ومن حيوان وطير وشيء . . حين اعوزهم أن يجدوا متصرفا منسقا للتعبير الظاهر عن القوى الخفية . . فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة ، مع تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة . فيتوجه الفرد إلى قبلة حين يتوجه إلى الله بكليته . . بقلبه وحواسه وجوارحه . . فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى الإنسان في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان ؛ وإن يكن الإنسان يتخذ له قبلة من مكان !
ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه . . فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد ؛ كما أنه بدوره ينشىء شعورا بالامتياز والتفرد .
ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم ، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء . ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات . وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات . كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة . وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم ، وعقلية عن عقلية ، وتصورا عن تصور ، وضميرا عن ضمير ، وخلقا عن خلق ، واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : إن رسول الله [ ص ] قال : " إن اليهود والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم " .
وقال رسول الله [ ص ] وقد خرج على جماعة فقاموا له : " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها " .
وقال - صلوات الله وسلامه عليه - : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله " .
نهى عن تشبه في مظهر أو لباس . ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك . ونهى عن تشبه في قول أو أدب . . لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور ، ومنهجا في الحياة عن منهج ، وسمة للجماعة عن سمة .
ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض . نهى عن الهزيمةالداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض . فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين . والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية ؛ فينبغي لها أن تستمد تقاليدها - كما تستمد عقيدتها - من المصدر الذي اختارها للقيادة . . والمسلمون هم الأعلون . وهم الأمة الوسط . وهم خير أمة أخرجت للناس . فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم ؟ ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم ؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه !
ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور ، وأقوم منهج في الحياة . فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه . وما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر ؛ وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر ؛ وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى . فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله ، والوحدة في الأرفع من التصور ، والوحدة في الأفضل من النظام ، ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله ، والتردي في مهاوي الجاهلية . . ليس متعصبا . أو هو متعصب . ولكن للخير والحق والصلاح !
والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه . إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة . فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز . رمز للتميز والاختصاص . تميز التصور ، وتميز الشخصية ، وتميز الهدف ، وتميز الاهتمامات ، وتميز الكيان .
والأمة المسلمة - اليوم - بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا ، وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا ، وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا ، وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا . . الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة ؛ والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة ؛ والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور ؛ والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده ، فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها . .
إن هذه العقيدة منهج حياة كامل . وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة ، الشهيدة على الناس ، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله . . وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان ، وفي الأهداف والاهتمامات ، وفي الراية والعلامة . وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له ، وأخرجت للناس من أجله . وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار ، مبهمة الملامح ، مجهولة السمات ، مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام !
ثم نعود من هذا الاستطراد بمناسبة تحويل القبلة لنواجه النصوص القرآنية بالتفصيل :
( سيقول السفهاء من الناس : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ قل : لله المشرق والمغرب . يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا . وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله . وما كان الله ليضيع إيمانكم . إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) .
من السياق القرآني ومن سياق الأحداث في المدينة يتضح أن المقصود بالسفهاء هم اليهود . فهم الذين أثاروا الضجة التي أثيرت بمناسبة تحويل القبلة كما أسلفنا . وهم الذين أثاروا هذا التساؤل : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ ) وهي المسجد الأقصى .
عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : أول ما قدم رسول الله [ ص ] المدينة نزل على أجداده - أو قال أخواله - من الأنصار ؛ وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا ؛ أو سبعة عشر شهرا ؛ وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ؛ وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه ، فمر على أهل مسجد وهم راكعون . فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله [ ص ] قبل الكعبة ، فداروا كما هم قبل البيت . وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس ، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ، فنزلت : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء . . . )فقال السفهاء - وهم اليهود – ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) .
وسنلاحظ أن علاج القرآن لهذا التساؤل ولتلك الفتنة يشي بضخامة آثار تلك الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف المسلم في ذلك الحين . .
والذي يظهر من صيغة التعبير هنا :
( سيقول السفهاء من الناس : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ ) .
أن هذا كان تمهيدا لإعلان تحويل القبلة في المقطع التالي في هذا الدرس ، وأخذا للطريق على الأقاويل والتساؤلات التي علم الله أن السفهاء سيطلقونها . . أو كان ردا عليها بعد إطلاقها ، - كما جاء في الحديث السابق - اتخذ هذه الصيغة للإيحاء بأن ما قالوه كان مقدرا أمره ، ومعروفة خطته ، ومعدة إجابته . وهي طريقة من طرق الرد أعمق تأثيرا .
وهو يبدأ في علاج آثار هذا التساؤل ، والرد عليه بتلقين الرسول [ ص ] ما يواجههم به ، ويقر به الحقيقة في نصابها ؛ وفي الوقت نفسه يصحح التصور العام للأمور .
( قل : لله المشرق والمغرب ، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) . .
إن المشرق لله والمغرب لله . فكل متجه فهو إليه في أي اتجاه . فالجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها . إنما يفضلها ويخصصها اختيار الله وتوجيهه . . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فإذا اختار لعباده وجهة ، واختار لهم قبلة ، فهي إذن المختارة . وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم . .
بذلك يقرر حقيقة التصور للأماكن والجهات ، وحقيقة المصدر الذي يتلقى منه البشر التوجهات ، وحقيقة الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه إلى الله في كل حال .
قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) السفهاء مفردها سفيه وهو الخفيف العقل ذو الطيش الذي لا يضبط أقواله وتفكيره سبب من روية أو موضوعية أو اتزان . والمراد بالسفهاء هنا اليهود . وقيل بل اليهود والمشركون والمنافقون جميعا فكهم الذين سألوا في همس تارة في مجاهرة تارة أخرى ؛ ليثيروا من حول الإسلام والنبي كل بواعث الشك والتوهيم إذ قالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) .
وفي سبب نزول هذه الآية ذكر عن ابن عباس قوله : إن رسول الله ( ص ) لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله ( ص ) بضعة عشر شهرا وكان رسول الله ( ص ) يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل عز وجل : ( فولوا وجوهكم شطره ) أي نحوه ، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) فأنزل الله ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) {[147]} .
هكذا يطلق المشركون والمنافقون واليهود في سفاهة وجهل سؤالهم عن تولي المسلمين للقبلة الجديدة . وهو سؤال سخيف وجاهل لا ينطوي على شيء من حسن النية أو سلامة التفكير أو رجاحة العقل . وذلك ديدنهم طيلة تاريخهم العابث الطويل . وهو ديدن السفهاء واللهو وفساد النية أو إطلاق العنان للسان بغير تحفظ ليهرف تهريفا أو يبعث بالعبارة في تسيب وثرثرة .
مع أن القضية هينة وبالغة اليسر لو صلحت النوايا وصفت القلوب وانتظم التفكير انتظاما يباعد بينه وبين الثرثرة السخيفة والتصور الهابط اللئيم .
إن القضية واضحة ويسيرة لمن يبتغي الوضوح واليسر ، وهي أساسها أن الجهات جميعا لله وهي جزء من ملكوت الله العظيم المطلق ، وهو سبحانه يأمر بالتوجه مثلما يريد سواء كان ذلك صوب الكعبة أو الشام أو المشرق أو المغرب ؛ فكل أولئك ملك لله الكبير المتعال ؛ ولذلك جاء الرد وجيزا ومؤثرا وحاسما ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ويشبه ذلك قوله سبحانه في آية أخرى سابقة تبين أن التقوى والخير والصلاح إنما يتحقق بالإيمان الصحيح المقترن بالعمل المشروع الصالح وليس بالمظاهر الشكلية التي يحددها التوجه نحو الشرق أو الغرب ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله . . . ) .
قوله : ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) يريد الله أن يهدي هذه الأمة إلى القبلة العظيمة قبلة إبراهيم عليه السلام لتكون القبلة المتبعة حتى آخر الزمان . والله جلت قدرته يهيء لعباده الصالحين من الأسباب ما ييسر لهم الاهتداء والمسير على الصراط المستقيم وهو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه . وإذا فرط الناس في ما تهيأ لهم من أسباب الهداية كانوا من المفرطين الذين أوردوا أنفسهم موارد الخسران والهلاك .
نود أن نمر على بعض المسائل التي تنبثق عن هذه الآية لنناقشها من الوجهة الشرعية . منها : وقت تحويل القبلة بعد الهجرة إلى المدينة ، أو حجم المدة التي توجه النبي والمسلمون خلالها نحو بيت المقدس بعد أن غادروا مكة إلى المدينة مهاجرين . فقد ذكر أن ذلك كان ستة عشر شهرا . وذلك ما أخرجه البخاري والدارقطني عن الباء قال : صلينا مع رسول الله ( ص ) بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس . وقيل سبعة عشر شهرا استنادا إلى ما ذكر من رواية أخرى .
ومنها : كيفية استقبال بيت المقدس فهل كان ذلك عن رأي واجتهاد من النبي ( ص ) أو أن ذلك بناء على أمر من الله ووحي ؟ والذي عليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس أن استقبال النبي لبيت المقدس لدى مقدمه إلى المدينة كان بناء على أن وتوجيه من الله ، ثم نسخ ذلك بوجوب استقبال الكعبة . ودليل قوله سبحانه : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) . وذلك الذي نميل إليه ونرجحه .
ومنها : حين فرضت الصلاة على النبي والمسلمين في مكة ، هل كانت قبلتهم حينئذ الكعبة أم بيت المقدس . جاء في ذلك قولان . فقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن النبي والمسلمين كانوا يستقبلون وهم في مكة بيت المقدس ، وظلوا كذلك حتى هاجروا إلى المدينة ومكثوا يستقبلونه سبعة عشر شهرا أخر إلى أن أمرهم الله بالتوجه صوب الكعبة .
وثمة قول آخر ، وهو المعتمد والذي نرجحه ، وهو أن قبلة المسلمين الأولى كانت الكعبة فقد أمروا- وهم بمكة- بالتوجه إلى الكعبة كأول قبلة حتى هاجروا إلى المدينة فصرفهم الله إلى الشام حيث بيت المقدس إذ صلى صوبه ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا على الخلاف عسى أن يكون في ذلك تطييبا لقلوب يهود واستمالة لمشاعرهم فيما قد يكون سببا في ترغيبهم في الإسلام . وبعد ذلك أمر النبي والمسلمون بالتوجه إلى الكعبة مرة أخرى .
ومنها : أن القبلة أول ما نسخ من القرآن وأنها نسخت مرتين ، كذلك أجمع العلماء . أما المرتان اللتان وقع فيهما النسخ على القبلة فإحداهما نسخ التوجه إلى مكة ؛ ليستقبل المسلمون بيت المقدس . وثانيتهما نسخ هذا الحكم ليستقبلوا الكعبة مرة أخرى{[148]} .
ومنها : جواز نسخ السنة بالقرآن ، وهو المعتمد عند الأصوليين مع أن هذه مسألة خلافية . وقد ذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء إلى أن السنة تنسخ بالكتاب . وقالوا : إن ذلك جائز عقلا وشرعا . أما جوازه عقلا فبيانه أن الكتابة والسنة كليهما وحي من الله ، لكن السنة وحي غير متلو . ونسخ أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا . أما جوازه شرعا فهو وقوعه ، كمسألتنا هذه ، وهي نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه نحو الكعبة . وهو ما يقتضيه قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ) والآية فيها الدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن . وكيفية ذلك أن صلاة النبي في المدينة نحو بيت المقدس كانت حكما مبنيا على السنة أصلا إذا لم ينزل في هذا الحكم قرأن . حتى نسخ هذا الحكم باستقبال الكعبة ؛ بناء على ما نزل من القرآن كقوله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) {[149]} .