بعدئذ يصف الأمة المسلمة لنفسها ! ليعرفها مكانها وقيمتها وحقيقتها ؛ ثم يصف لها أهل الكتاب - ولا يبخسهم قدرهم ، إنما يبين حقيقتهم ويطمعهم في ثواب الإيمان وخيره - ويطمئن المسلمين من جانب عدوهم . فهم لن يضروهم في كيدهم لهم وقتالهم ، ولن ينصروا عليهم . وللذين كفروا منهم عذاب النار في الآخرة ، لا ينفعهم فيه ما أنفقوا في الحياة الدنيا بلا إيمان ولا تقوى :
( كنتم خير أمة أخرجت للناس . تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون . لن يضروكم إلا أذى ، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤوا بغضب من الله ، وضربت عليهم المسكنة . ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ، ويقتلون الأنبياء بغير حق . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . ليسوا سواء . من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات ، وأولئك من الصالحين . وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ، والله عليم بالمتقين . إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ، أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته . وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون . . )
إن شطر الآية الأولى في هذه المجموعة يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجبا ثقيلا ، بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها ، ويفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه جماعة أخرى :
( كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله . )
إن التعبير بكلمة " أخرجت " المبني لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر . وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة إخراجا ؛ وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله . . إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب . حركة تخرج على مسرح الوجود أمة . أمة ذات دور خاص . لها مقام خاص ، ولها حساب خاص :
( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) . .
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما أنها هي خير أمة . والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض . ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية . إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها . وأن يكون لديها دائما ما تعطيه . ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح ، والتصور الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخلق الصحيح ، والمعرفة الصحيحة ، والعلم الصحيح . . هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها ، وتحتمه عليها غاية وجودها . واجبها أن تكون في الطليعة دائما ، وفي مركز القيادة دائما . ولهذا المركز تبعاته ، فهو لا يؤخذ ادعاء ، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له . . وهي بتصورها الاعتقادي ، وبنظامها الاجتماعي أهل له . فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي ، وبعمارتها للأرض - قياما بحق الخلافة - أهلا له كذلك . . ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ؛ ويدفعها إلى السبق في كل مجال . . لو أنها تتبعه وتلتزم به ، وتدرك مقتضياته وتكاليفه .
وفي أول مقتضيات هذا المكان ، أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد . . وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فهي خير أمة أخرجت للناس . لا عن مجاملة أو محاباة ، ولا عن مصادفة أو جزاف - تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) . . كلا ! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر ، وإقامتها على المعروف ، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر :
( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) . .
فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة ، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، وبكل ما في طريقها من أشواك . . إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد . . وكل هذا متعب شاق ، ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ؛ ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة . .
ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر . فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي . فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل . ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر . يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .
وهذا ما يحققه الإيمان ، بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه . وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون . . ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية . ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد . ومن سلطان الله في الضمائر ، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك .
ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، الناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، ويحتملوا تكاليفه . وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثقلة المطامع . . وزادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان . وسندهم هو الله . . وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد . وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل ، وكل سند غير سند الله ينهار !
وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها . ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية ، التي تعرف بها في المجتمع الإنساني . فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان بالله - فهي موجودة وهي مسلمة . وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة ، وغير متحققة فيها صفة الإسلام .
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة ، ندعها لمواضعها . وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول [ ص ] وتوجيهاته نقتطف بعضها :
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم ، فلم ينتهوا ، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم ، فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم . . " ثم جلس - وكان متكئا - فقال : " لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا " أي تعطفوهم وتردوهم .
وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " .
وعن عرس ابن عميرة الكندي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها " .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " . .
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " سيد الشهداء حمزة . ورجل قام إلى سلطان جائر ، فأمره ونهاه ، فقتله " . .
وغيرها كثير . . وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم ، وضروراتها لهذا المجتمع أيضا . وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة . وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته .
ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة . .
( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) . .
وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان . فهو خير لهم . خير لهم في هذه الدنيا ، يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية ، والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية . إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم ، فتقوم أنظمتهم الاجتماعية - من ثم - على غير أساس ، عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل ، وعلى تفسير كامل للوجود ، ولغاية الوجود الإنساني ، ومقام الإنسان في هذا الكون . . وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير .
ثم هو بيان كذلك لحالهم ، لا يبخس الصالحين منهم حقهم :
( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) . .
وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم . منهم عبد الله بن سلام ، وأسد بن عبيد ، وثعلبة بن شعبة ، وكعب بن مالك . . وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال - وفي آية تالية بالتفصيل - أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله ، حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين : أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده ، وأن ينصره . وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل ، واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله ، أرادها للناس أجمعين .
قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) الفعل كان في قوله : ( كنتم ) ناقصة . وبذلك فقوله : ( كنتم ) يحتمل المراد ثلاثة وجوه هي :
الأول : أنكم كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة .
الثاني : أن ذلك مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم وهم السابقون الأولون .
الثالث : أن هذه الآية عامة في جميع الأمة الإسلامية كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . وهو الراجح والصواب .
وقيل : كان هنا تامة . فيكون المعنى : وجدتم وخلقتم خير أمة{[564]} .
وكيفما كان اعتبار " كان " هنا فإنه يجب الاستفادة من مدلول الآية في خيرية أمة الإسلام بما يستثير الانتباه والنظر إلى هذه الحقيقة الكبرى . وهي أن أمة القرآن خير الأمم التي أقلتها هذه الأرض ، ولا يقال مثل هذه الكلام من قبيل التعصب للجنس أو العرق أو غير ذلك من مختلف المظاهر النوعية والإقليمية . ولكنها الحقيقة المبنية على الدليل والبرهان . ووجه ذلك أن أمة الإسلام قد صنعها هذا الدين المتكامل المميز الوسط ، الدين الذي يتسم بكل مزايا التوازن والتوسط ، فضلا عن مراعاته الكاملة لفطرة الإنسان ، لا جرم أن مثل هاتيك الخصائص لا تتجلى في ديانة ولا عقيدة ولا ملة ولا فلسفة من الفلسفات أو مبدأ من مبادئ الدنيا ، ليس شيء من ذلك إلا مناهض لفطرة الإنسان أو مخالف لطبيعته مهما كان مدى هذه المخالفة ، لكن الإسلام وحده جُماع مزايا الصلاح كله . يضاف إلى ذلك ما نبه عنه القرآن في هذه الآية وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وذان عنصران أساسيان قد تجليا في أمة الإسلام تجليا مكشوفا وعلى غير مثال ولا نظير في الملل السابقة . وفوق ذلك كله ما يتجلى في هذه الأمة من إيمان صادق وثيق ، إيمان حقيقي سليم ، مبرأ من كل زيف أو تضليل أو خرافة ، إيمان بالله وحده لا شريك له وما يستتبعه ذلك من أسماء لله حسنى وما تقتضيه هذه من صفات الكمال لله جل وعلا .
إذا تبين ذلك أيقنا أن عقيدة الإسلام وحدها المبنية على التوحيد الكامل لله ، الخالصة من كل أدران الشرك على اختلاف صوره وأشكاله ، البعيدة عن كل صور الزيف والافتراء والباطل .
من هنا لزم القول إن أمة الإسلام وحدها لهي المخولة بقيادة البشرية إلى ما فيه أمنها وسلامتها وسعادتها ، ذلك أن هذه الأمة قد صنعها الإسلام لتكون على خير حال من توازن الشخصية واستواء الطبع وجمال العقيدة والفكر ، في غير ما خلل ولا شذوذ ولا اضطراب ، وبعيدا عن كل صور الإفراط والتفريط . أمة منسجمة ملتئمة متسقة في أفكارها وتصوراتها وتطلعاتها وحضارتها ، فهي وحدها معنية بحمل رسالة الإصلاح والهداية والترشيد للبشرية تخليصا لها مما يحيق بها من الأرزاء والملمات والأزمات . أمة الإسلام قائمة على الود والرحمة واليقين ، وقد جيء بها لتحمل لواء الرحمة للناس جميعا ، فتتبدد من وجه هذه الدنيا كل معالم الشر والفساد والباطل . ولتشعشع في الآفاق أنوار الخير والتعاون والسلام .
قوله : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) أي لو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه و سلم وما جاءهم في ذلك من عند الله ، فآمنوا كإيمان المسلمين ، هذا الإيمان الحقيقي الصادق الذي لا يعتوره زيف ولا تضليل ولا خلل ، والذي لا يخالطه تحريف ولا تبديل ولا افتراء ( لكان خيرا لهم ) لسوف يفضي بهم هذا الإيمان الصحيح إلى الخير . إذ يصنع منهم أمة سوية رحيمة سليمة من عطب العقيدة وفساد الفكر والتصور .
ومع ذلك فقد آمن بنبي الإسلام نفر قليل من أهل الكتاب ، لكن الأكثرين مهم الفاسقون ، وذلك من الفسق أي الخروج ، فقد خرج أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن دينهم مما في التوراة والإنجيل . وكان هذان الكتابان قد تضمنا ذكر رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه و سلم وتحريض بني إسرائيل على تصديقه والإيمان به ، لكنهم أبوا وعتوا عتوا كبيرا . وما فتئ اليهود والنصارى يزدادون على مرّ الزمن كفرا بدين الإسلام وبنبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، فضلا عن حمالات الصدر والتضليل والتشويه لهذا الدين العظيم وعما يتفننون فيه من أساليب الإبادة والتدمير والتشريد للمسلمين .